مروان هندي

حلف مكة: من دفاع عسكري إلى دفاع سياسي

3 دقائق للقراءة

​يمثل اللقاء الرباعي الذي عُقد في طهران محطة استثنائية في توقيتها ودلالاتها، لجمعه وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالين، وأمين عام مجلس الأمن القومي للجمهورية الاسلامية الايرانية اللواء محسن رضائي. يأتي هذا الاجتماع في خضم التصعيد العسكري على الجبهة السعودية ـ الحوثية، وتحديداً عشية الاستحقاقات الانتخابية الكبرى في كل من واشنطن وتل أبيب، ليُسجل كأول تطبيق عملي لما اصطلح على تسميته «حلف مكة». غير أن الترجمة العملية لهذا الاتفاق تجلت في إطار سياسي بحت بعيداً عن الخيار العسكري، حيث تتولى تركيا وباكستان مساعي الوساطة وتقريب وجهات النظر مع طهران بحكم نفوذها وتأثيرها على الحوثيين، وهو ما يعكس رغبةً في التسوية السياسية أو تهدئة للأزمة الماثلة.

​ويأتي هذا التحول على وقع إعادة تقييم عواصم الخليج لحصرية المظلة الأمنية العسكرية الأميركية، في ظل تغير الأولويات الاستراتيجية لواشنطن وتبدل طبيعة انخراطها في المنطقة، مما رسخ قناعة بأن الاعتماد المطلق عليها لم يعد كافياً. وعليه، وُلد «اتفاق مكة» كخيار إقليمي دفاعي إضافي لجأ إليه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لحماية المملكة من عدة عوامل؛ أبرزها عودة النشاط الحوثي بدعم إيراني وما يمثله من إنذار بنهاية التزام طهران باتفاق بكين، فضلاً عن غموض مركز القرار النهائي في القيادة الإيرانية الحالية، ومحدودية الدعم الدفاعي من البنتاغون، بالتوازي مع كونه إطاراً إقليمياً يستهدف من منظوره فرملة الاندفاع الإسرائيلي في المنطقة، وهو بُعد يكتسب أهمية خاصة لدى أطراف إقليمية وفي مقدمتها تركيا.

​وفي هذا السياق، تداخلت الحسابات والأولويات الدولية والإقليمية؛ إذ أحجمت واشنطن عن الإنخراط العسكري المباشر في مواجهة الحوثيين رداً على عدم انخراط المملكة في التحرك الأمريكي ـ الإسرائيلي ضد إيران، رابطةً أي مساندة عسكرية بانضمام الرياض إلى مسار «الاتفاقيات الابراهيمية». وفي المقابل، فضلت الرياض عدم ربط أمنها بهذا الاستحقاق السياسي، وتمسكت برفض أي تحالف عسكري مع دولة إسرائيل في مواجهة الحوثيين، مكتفية بتنسيق استخباراتي ومعلوماتي محدود.

في الخلاصة، ​إن وقائع الموقف الإقليمي تحسم هذه المعادلة؛ فتركيا التي تربطها شراكات تجارية وثيقة مع إيران ورفضت مؤخراً طلب الولايات المتحدة استخدام قاعدة "إنجرليك" لأي أعمال عسكرية ضدها، لا تستطيع الوقوف في الخندق المضاد عسكريا" لطهران بشكل واضح. وبالمثل، فإن باكستان التي تؤدي دور وساطة وترتبط بعلاقات استراتيجية مع طهران، إلى جانب تركيبتها السكانية التي تتقاطع وتتداخل روابطها مع إيران، لا يمكنها مقايضة ذلك بتحالفات صدامية. ومن هنا، يترسخ «حلف مكة» بوصفه إطاراً سياسياً ودبلوماسياً خالصاً، ومظلة دفاعية سياسية من الصعوبة أن تترجم إلى تحالف عسكري ميداني.