في الجنوب اللبناني، نازحون شيعة تركوا بيوتهم تحت القصف الإسرائيلي، حاملين أطفالهم وأهاليهم، ومهزومين أمام مشهد التهجير الذي يتكرّر كلّما قرّرت إسرائيل تحويل الأرض إلى ساحة نار. يتركون الجنوب، لا بحثًا عن مستقبل أفضل، بل هربًا من الموت، فيما تبقى بيوتهم وقراهم معلّقة بين العودة والدمار.
وفي المقلب الآخر، صوّت الفلسطينيون داخل إسرائيل في الانتخابات البرلمانية، للمشاركة في إختيار السلطة التي ستدير الدولة التي يعيشون في ظلّها، فيما تستمر القضيّة الفلسطينيّة في مواجهة سياسات الإحتلال والإستيطان والضمّ، وتبقى الأرض الفلسطينية موضع صراع على الوجود والهويّة والحقوق.
هنا، لا بدّ من طرح السؤال الذي يتجنّب كثيرون مواجهته: ماذا يعني أن يشارك الفلسطيني في إنتخاب سلطة إسرائيلية، فيما لا يزال الفلسطيني الآخر يدفع ثمن الاحتلال من أرضه وبيته ودمه؟
ليس المقصود مصادرة حقّ الفلسطينيين في التصويت، ولا الادّعاء بأن كل صوت فلسطيني هو تأييد لسياسات إسرائيل. لكن من حقنا أن نسأل عن حدود هذه المشاركة، وعن قدرتها على تغيير واقع سياسي تُصنع قراراته وفق موازين قوى لا تتحكّم فيها صناديق الاقتراع وحدها.
لقد أظهرت الانتخابات مشاركة عربيّة، فيما بقيت مسألة تشكيل الحكومة مرتبطة بموازين القوى والتحالفات السياسيّة. لكن المسألة تتجاوز عدد المقاعد التي ستفوز بها الأحزاب العربيّة، أو قدرة هذه الأحزاب على ترجيح كفّة معسكر على آخر. المسألة هي: هل يستطيع الفلسطيني أن يكون شريكًا فعليًا في صناعة القرار، أم سيبقى صوته مطلوبًا عند الحاجة الانتخابيّة، ثم يصبح خارج الحسابات عندما تبدأ المساومات على السلطة والسياسات؟
المفارقة أنّ المشاركة الواسعة قد تمنح التمثيل العربي وزنًا أكبر داخل الكنيست، لكنّها لا تعني تلقائيًا انتزاع الحقوق، ولا وقف الاستيطان، ولا إنهاء الاحتلال. فالصوت الانتخابي شيء، والقدرة على تغيير السياسات شيء آخر. وبين الاثنين مسافة تُقاس بموازين القوى، وبمدى استعداد الأحزاب الإسرائيلية لقبول شراكة سياسية حقيقية مع المواطنين العرب.
والأخطر أن تتحول الانتخابات إلى غطاء يوحي بأنّ المشاركة داخل المؤسّسات كافية لمعالجة صراع لم يُحسم جوهره: من يملك الأرض؟ من يقرّر مصير الفلسطينيين؟ ومن يتحمّل مسؤوليّة السياسات التي تدفع الناس إلى النزوح والاقتلاع؟
وفي لبنان، حيث يهرب الجنوبيّون من القصف الإسرائيلي، تبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحًا. فبين الفلسطيني الذي يحاول انتزاع مساحة داخل النظام السياسي الإسرائيلي، واللبناني الذي يحاول النجاة من آلة الحرب الإسرائيلية، تتكشّف وجوه مختلفة لصراع تتداخل فيه الأرض والسيادة والحقوق وموازين القوة.
لكن لا يجوز تحويل مأساة الجنوب إلى أداة لمحاسبة الفلسطينيين على خياراتهم الانتخابيّة، كما لا يجوز إعتبار المشاركة الانتخابية تفويضًا مفتوحًا لأي حكومة إسرائيلية. المطلوب هو مساءلة النتائج الفعلية: ماذا سيتغيّر في السياسات؟ هل ستتراجع مشاريع الضمّ والاستيطان؟ هل ستُحترم الحقوق الفلسطينية؟ وهل ستكون الأحزاب العربية شريكًا في القرار، أم مجرّد أرقام تُستدعى لتأمين الأغلبية ثم تُترك خارج أبواب السلطة؟
إن القضيّة الفلسطينية لا تحتاج إلى شعارات إضافيّة، بل إلى مراجعة سياسيّة صريحة لوسائل المواجهة وحدود المشاركة، وللفارق بين التمثيل والتأثير. فليس كل دخول إلى المؤسسات إنتصارًا، كما أنّ ليس كل إمتناع عن المشاركة مقاومة. العبرة بما تستطيع الخيارات السياسية تحقيقه على الأرض، لا بما تمنحه لأصحابها من مقاعد أو شرعيّة إنتخابيّة.
وبين شرعيّة الصندوق وواقع الاحتلال، يبقى السؤال: هل يصنع الفلسطيني قراره، أم يكتفي بمحاولة التأثير في قرار يُصنع لغير مصلحته؟