الدكتور أنور صيّاح

نبتكر لنرتقي... هل تتقدّم إنسانيّتنا بقدر ما تتقدّم أدواتنا؟

19 دقيقة للقراءة


المقدّمة

في بيتٍ قديم، كانت امرأةٌ تغسل ثياب عائلتها بيديها؛ تحمل الماء، وتنحني طويلًا، ثم تنشر تعبها مع الغسيل؛ اليوم، تضغط حفيدتها زرًّا، وتمضي إلى عملٍ آخر؛ بين اليد والزرّ حكايةُ تقدّمٍ لا تختصرها آلة، بل ساعاتٌ استعادها الإنسان من التعب.

وفي مكانٍ آخر، يقف عاملٌ أمام آلةٍ تنجز في دقائق ما تعلّم أن يصنعه خلال سنوات؛ يتأمّل قدرتها، ثم يسأل عمّا سيحدث لقدرته هو؛ ما أراح يدًا أقلق يدًا أخرى؛ وما فتح بابًا جعل إنسانًا يخشى أن يُغلَق بابه.

هكذا تدخل التكنولوجيا حياتنا؛ نستقبلها في أشياء صغيرة، ثم نكتشف أنها غيّرت تفاصيل أكبر ممّا توقّعنا: كيف نعمل، وكيف نتعلّم، وكيف نلتقي، وما الذي نحتاج إلى تعلّمه من جديد؛ ومع الوقت، تصبح مألوفةً إلى حدّ أننا نستغرب كيف عاش مَن سبقونا من دونها.

ننظر إلى الأداة الجديدة ونسأل: ماذا تستطيع أن تفعل؟ نُعجب بسرعتها ودقّتها وما تختصره من جهد؛ لكن سؤالًا آخر يستحقّ أن يرافق إعجابنا: ماذا يحدث لنا نحن، حين تصبح في أيدينا قدرةٌ لم تكن لنا من قبل؟

حاجةٌ تُبدع

لم تبدأ التكنولوجيا بالشاشة التي نحملها؛ بدأت قبل ذلك بكثير، كلّما صنع الإنسان وسيلةً توسّع قدرته على الحياة؛ أداةً يفلح بها، أو وعاءً يحفظ فيه غذاءه، أو وسيلةً يحمل عليها ما تعجز يداه عن حمله؛ كان وراء الأداة احتياجٌ، ووراء تطويرها سؤال: هل نستطيع أن نفعل هذا بطريقةٍ أفضل؟

لم يعد الإنسان مضطرًّا إلى الاكتفاء بقوّة جسده؛ صنع ما يساعده على عبور مسافةٍ أطول، وعلى بناء مأوى أصلب، وعلى حفظ ما يتعلّمه ونقله إلى مَن يأتي بعده؛ كانت الأداة تمنحه قدرةً تتجاوز حدوده، وتتيح لخبرة فردٍ أن تصبح بدايةً لخبرة غيره.

ولهذا لم يتقدّم الإنسان وحده؛ تقدّمت معه معرفةٌ تراكمت بين أيدٍ كثيرة؛ مَن استعمل أداةً ورث فيها شيئًا من تفكير مَن صنعها، ثم أضاف إليها من حاجته وتجربته؛ هكذا صار ما ينتهي إليه جيلٌ نقطةً يبدأ منها جيلٌ آخر.

لكن أثر الأداة لم يتوقّف عند العمل الذي تنجزه؛ فالوسيلة التي تختصر المسافة تغيّر لقاءاتنا، والتي تحفظ الكلام تغيّر تعلّمنا، والتي تخفّف الجهد تفتح أمامنا إمكان أن نفعل شيئًا آخر؛ شيئًا فشيئًا، يتغيّر يوم الإنسان بما أدخله إليه.

نصنع الأداة لنغيّر بها شيئًا في حياتنا؛ ثم تتغيّر حياتنا حول القدرة التي منحتنا إيّاها؛ ومع الآلة، سيأخذ هذا التغيير حجمًا يمسّ المجتمع كلّه.

اليد والآلة

مع الثورة الصناعية، انتقل كثيرٌ من العمل من الورشة الصغيرة إلى المصنع، ومن مهارة اليد وحدها إلى قدرة الآلة؛ صار بالإمكان إنتاج المزيد في وقتٍ أقلّ، واتّسعت حركة النقل والتجارة، وظهرت أعمالٌ وحاجاتٌ لم تكن مألوفةً من قبل.

لكن العامل الذي رأى آلةً تحلّ محلّ حرفته لم يكن يخاف وهمًا؛ كانت له مهارةٌ يعيش منها، وعائلةٌ تنتظر أجره؛ ما بدا لصاحب المصنع زيادةً في الإنتاج، كان يمكن أن يبدو له خسارةً لمكانه؛ فالإنسان لا يفقد دخلًا فقط حين يخسر عمله؛ قد يفقد معه شعوره بأنه مطلوبٌ وقادرٌ على العطاء.

ومع الوقت، فتحت الصناعة مجالاتٍ جديدة للعمل، وأسهم التقدّم في رفع مستويات المعيشة؛ لم تختفِ الحاجة إلى الإنسان، بل تغيّرت الأعمال والمهارات المطلوبة منه؛ غير أن المكاسب لم تصل إلى الجميع بالسرعة نفسها، والفرص الجديدة لم تكن متاحةً تلقائيًّا لمَن فقدوا أعمالهم.

هنا يظهر الدرس الإنساني: نستطيع أن نرى خير التحوّل على المدى الطويل، وأن نعترف في الوقت نفسه بمعاناة مَن عاشوا كلفته؛ مَن فقد رزقه اليوم يحتاج إلى طريقٍ يعبر به إلى الفرصة الجديدة: تعليمٍ وتأهيلٍ ومساندةٍ تحفظ كرامته خلال الانتقال.

ليست مسؤوليّتنا أن نُبقي كلّ عملٍ كما كان؛ مسؤوليّتنا ألّا نترك صاحبه بلا طريقٍ إلى ما يأتي؛ فالتقدّم الذي يفتح أبوابًا جديدة ينجح أكثر حين يساعد الناس على دخولها.

فرصٌ للحياة

يصعب أن نرى قيمة التقدّم كاملةً إذا حسبنا ما زاد في إنتاجنا فقط؛ فبعض أهمّ مكاسبه يظهر في حياةٍ استطاعت أن تستمرّ، وألمٍ أمكن تخفيفه، وقدرةٍ استعادها إنسانٌ بعدما ظنّ أنه فقدها.

نظّارةٌ تعيد إلى قارئٍ وضوح الكلمات، وسمّاعةٌ تقرّب إليه صوت حفيده، وطرفٌ اصطناعيّ يساعده على المشي والعمل؛ تبدو هذه أدواتٍ صغيرة أمام المصانع والآلات الكبرى، لكنها قد تغيّر عالم صاحبها كلّه؛ قد نراها أجهزةً، ويرى فيها إنسانٌ قدرتَه على أن يمشي وحده، أو يسمع صوتَ مَن يحبّ، أو يعود إلى حياةٍ اشتاق إليها.

والأمر نفسه في الطبّ؛ وراء الفحص والعلاج والجراحة معرفةٌ وأدواتٌ تمنح الطبيب قدرةً أكبر على العناية بمريضه؛ لا يظهر الإنجاز في نجاح الإجراء وحده، بل في إنسانٍ يعود إلى بيته، وأبٍ يستطيع مرافقة أبنائه، وأمٍّ يخفّ عنها الوجع. وقد أظهرت جائحة كورونا قيمة هذا التقدّم؛ إذ أسهم تراكم المعرفة والأبحاث، والتعاون بين العلماء والمؤسّسات البحثيّة، في تطوير لقاحاتٍ فعّالة خلال وقتٍ قياسيّ؛ ورغم ما حملته الجائحة من خسائر إنسانيّة واقتصاديّة واجتماعيّة هائلة، يصعب تخيّل حجم المأساة لو واجهها العالم من دون ما بلغه العلم والتكنولوجيا؛ فالتقدّم لم يُلغِ هشاشتنا أمام الوباء، لكنه منحنا قدرةً أكبر على حماية الحياة وتخفيف المعاناة.

كذلك اختصرت وسائل النقل مشقّة المسافات، وحملت الاتصالات أصوات الأحبّة إلى بيوتٍ فرّقتها الغربة، وأتاحت وسائل المعرفة لناسٍ كثيرين أن يتعلّموا ما كان بعيدًا عن متناولهم؛ اتّسعت أمام الإنسان إمكانات العيش والمشاركة.

لهذا يستحقّ التقدّم أن نستقبله بالمعرفة والأمل؛ ففيه جهدٌ بشريّ جعل الحياة أيسر وأغنى؛ لكنّ هذه المنافع تفتح سؤالًا لا يقلّ أهميّةً عن ابتكارها: مَن يستطيع الوصول إليها؟ وما قيمة قدرةٍ على تخفيف الألم إذا بقي المتألّم عاجزًا عن نيلها؟

حقّ الوصول

قد يتقدّم العلاج ويبقى المريض عاجزًا عن كلفته، وتتّسع وسائل التعلّم ولا يجد طفلٌ ما يوصله إليها، وتصبح المعاملة متاحةً عبر الهاتف فيما يقف مسنٌّ أمام شاشته لا يعرف كيف يبدأ؛ تكون الوسيلة قد تطوّرت، لكن الطريق إليها بقي مغلقًا أمام بعض مَن يحتاجونها.

لهذا لا تُقاس قيمة التقدّم بما أصبح ممكنًا فقط، بل بمَن أصبح هذا الممكن متاحًا له. فالابتكار الذي يوسّع قدرة القادرين وحدهم قد يزيد المسافة بينهم وبين غيرهم؛ أمّا حين يصل إلى المحروم، فيستطيع أن يفتح له بابًا كان مغلقًا.

ولا يعني ذلك أن يكون كلّ ابتكارٍ متاحًا للجميع منذ لحظته الأولى؛ بل أن يكون توسيع الاستفادة منه جزءًا من تطويره: نخفّض كلفته حيث نستطيع، ونعلّم استعماله، ونصمّمه بما يراعي اختلاف الأعمار والقدرات، ونُبقي سبيلًا للمساعدة حين تعجز الأداة عن تلبية حاجة الإنسان.

وهنا تصبح العدالة التي بحثنا عنها في "نحو الإنسانية" مسؤوليّةً عمليّة؛ حين نحوّل خدمةً إلى نظامٍ إلكتروني، نسأل أيضًا عمّن قد نُخرجه منها من دون قصد؛ تبسيط الإجراء لا يكتمل إذا صار أصعب على مَن يحتاج إليه.

يصبح التقدّم أكثر إنسانيّةً حين يمنح مَن كانت فرصته أقلّ قدرةً أكبر على المشاركة في الحياة.

ما وصل بيننا

من أجمل ما منحته التكنولوجيا أنها خفّفت المسافات؛ اختصرت وسائل النقل زمن السفر، وأتاحت الاتصالات للمغترب أن يحمل شيئًا من بيته معه: يرى أهله، ويسمع أصواتهم، ويشاركهم تفاصيل يومه؛ أمٌّ تطمئنّ إلى وجه ابنها، وأبٌ يتابع خطوات طفله، وعائلةٌ تلتقي عبر الشاشة بعدما فرّقتها البلدان.

كان خبر المسافر يحتاج إلى انتظار، وكانت الرسالة تصل بعدما تكون أشياء كثيرة قد تغيّرت؛ اليوم، يستطيع صوتٌ مألوف أن يعبر المسافة في لحظة، وأن يمنح يومًا صعبًا شيئًا من دفء البيت. بقي للاشتياق وجعه، لكن صار في البعد بابٌ نفتح منه على مَن نحبّ.

وأتاحت وسائل التواصل أن نستعيد صداقاتٍ قديمة، ونتشارك المعرفة، ونجمع الناس حول مبادرة، ونوصل نداء مساعدةٍ إلى مَن يستطيع الاستجابة له؛ قد تمنح الشاشة إنسانًا معزولًا فرصةً للمشاركة، وتصل بين أشخاصٍ ما كانوا ليلتقوا من دونها.

ولعلّ جائحة كورونا كانت من أبرز المحطات التي كشفت قيمة هذا التطور في حياة الإنسان؛ ففي زمنٍ أُغلقت فيه الحدود، وخلت الشوارع، وفُرضت العزلة على ملايين البشر، فتحت التكنولوجيا نوافذ أبقت العالم متصلًا؛ تواصلت العائلات رغم الحجر، واستمرّ كثيرون في أعمالهم من منازلهم، وتابع الطلاب تعليمهم عن بُعد، واستطاعت مؤسسات كثيرة أن تواصل نشاطها رغم توقّف اللقاءات المباشرة؛ لم تكن تلك الوسائل بديلًا كاملًا عن الحياة التي اعتدناها، لكنها ساعدت على ألّا تتوقّف الحياة تمامًا.

هذه قدرةٌ تستحقّ الامتنان؛ أن يجد المغترب نافذةً على بيته، والمعزول مَن يصغي إليه، وأن يستمرّ العمل والتعلّم حين يتعذّر اللقاء؛ لم تُلغِ التكنولوجيا حاجتنا إلى الحضور، لكنها منحتنا سبيلًا للتواصل حين تحول المسافة دون اللقاء.

معًا على انفراد

لكن ما قرّب البعيد قد يُبعد القريب؛ صرنا أحيانًا نكتفي برسالة تهنئةٍ بدل الزيارة، وبكلمات تعزيةٍ على الهاتف بدل الجلوس قرب المفجوع؛ نعرف أخبار بعضنا أكثر، وقد نلتقي أقلّ؛ تتكاثر الأسماء في هواتفنا، فيما تقلّ الوجوه حول موائدنا.

ولعلّ أول ما يستحقّ التأمّل هنا هو التسمية نفسها: "وسائل التواصل الاجتماعي". فمن أطلق عليها هذا الاسم، عن قصدٍ أو غير قصد، ربما خلط بين مفهومين ليسا متطابقين: التواصل والاجتماع. فالتواصل يعني أن تصل رسالةٌ من إنسان إلى آخر، وأن يتم تبادل الكلمات والصور والأخبار، أما الاجتماع فيعني أن يلتقي البشر، وأن يتشاركوا المكان والوقت والمشاعر والتجارب والنظرة، وأن تنشأ بينهم روابط تتجاوز مجرد تبادل المعلومات.

فالإنسان لا يحتاج إلى التواصل وحده، بل يحتاج إلى الاجتماع أيضًا؛ لأن المجتمع لا يُبنى بكثرة الرسائل، وإنما بالعلاقات الإنسانية التي تمنح تلك الرسائل معناها. وليس كلّ تواصلٍ اجتماعًا، كما أن معرفة أخبار الآخرين لا تعني بالضرورة مشاركتهم حياتهم.

ومن هنا أميل إلى تسميتها "وسائل التواصل اللّااجتماعي" بالفرنسية: "Les réseaux asociaux "
وبالإنكليزية: " Unsocial media" حين تتحوّل من وسيلةٍ تجمع الناس إلى بديلٍ عن اجتماعهم؛ فهي تُبقي التواصل قائمًا، لكنها قد تُضعف الحاجة إلى اللقاء والاجتماع؛ نطمئنّ إلى بعضنا من بعيد، ونشارك أفراحنا وأحزاننا عبر الشاشات، ونظنّ أحيانًا أننا أدّينا واجب القرب لمجرّد أننا أرسلنا رسالة أو وضعنا إشارة إعجاب.

والمفارقة أنّنا أصبحنا أكثر اتصالًا من أيّ وقتٍ مضى، وأقلّ لقاءً، كأنّ المسافات قصُرت بين أصواتنا وبعُدت بين قلوبنا وعيوننا. قد نتحدّث إلى عشرات الأشخاص في يومٍ واحد، من دون أن نجلس مع أحدهم جلسةً حقيقية؛ وقد نعرف تفاصيل حياة إنسانٍ من صوره ومنشوراته، من دون أن نعرف ما يخفيه خلف ابتسامته.

فاللقاء الشخصيّ يمنحنا ما يتجاوز معرفة أحوال الآخرين؛ نلمح في الوجه ما لم تقله الكلمات، وقد تدعونا نظرةٌ إلى سؤالٍ لم نكن لنطرحه عبر الهاتف؛ وحين تلتقي العيون، يشعر الإنسان أن أمامه مَن يراه ويصغي إليه؛ نفرح معه قبل أن يكمل حكايته، أو نفهم من صمته أنه يحتاج إلى أن نبقى قليلًا.

تكتسب التهنئة دفئًا حين نشارك صاحبها فرحته، وتصبح التعزية مؤازرةً حين يجد المفجوع قربه وجهًا مألوفًا ويدًا تمتدّ إليه؛ أحيانًا يكون حضورنا هو ما تعجز العبارة وحدها عن منحه.

وقد نجتمع في المكان نفسه، ثم تأخذ الشاشة عيوننا ممّن جئنا لرؤيته؛ نحمل وسيلةً تصلنا بالغائب، ونسمح لها بأن تقطع لقاءنا بالحاضر؛ وهنا تصبح المفارقة أشدّ وضوحًا: نبحث عمّن هو بعيد، فيما نُهمل مَن يجلس إلى جانبنا.

ولا تكمن المشكلة في التكنولوجيا ذاتها، ولا في قدرتها على وصل الناس، بل في أن نعتاد الاكتفاء بهذا الوصل، حتى يصبح اللقاء استثناءً بعدما كان جزءًا طبيعيًا من حياتنا؛ فالإنسان كائنٌ اجتماعيّ بطبيعته، يحتاج إلى الحضور والانتماء والمشاركة، وإلى أن يشعر بأنه ليس مجرّد اسمٍ على شاشة أو صوتٍ في مكالمة، بل إنسانٌ له مكانٌ في حياة الآخرين.

وحين نستبدل اللقاء بالتواصل وحده، فإننا لا نفقد عادةً اجتماعيةً فحسب، بل نخاطر بإضعاف جانبٍ أصيل من إنسانيتنا؛ ذلك الجانب الذي ينمو بالقرب، ويتغذّى من المشاركة، ويجد معناه في العلاقات التي نعيشها، لا في الأخبار التي نتبادلها.

لهذا نحفظ اللقاء باختياراتٍ بسيطة: نضع الهاتف جانبًا، ونخفّف التنبيهات، ونمنح مَن أمامنا انتباهنا؛ فهناك فرقٌ بين مسافةٍ لا نستطيع عبورها، وزيارةٍ نستطيع القيام بها لكننا نستسهل الاستعاضة عنها.

ليس المطلوب أن نتواصل أقلّ، بل أن نجتمع أكثر؛ وأن نتذكّر أن التواصل وسيلةٌ تقرّب الإنسان من الإنسان، وليس بديلًا عن الحضور. فالمجتمع لا تصنعه شبكةٌ تجمع أسماءنا، بل علاقاتٌ تلتقي فيها وجوهنا وعيوننا، وتتشارك فيها قلوبنا وحياتنا؛ وأجمل ما تصنعه وسائل التواصل أن تساعدنا على اللقاء، لا أن تجعلنا نعتاد الاستغناء عنه.

بين الإنجاز والارتقاء

تجتمع في الأمثلة السابقة قدرةٌ واحدة على تغيير الحياة، ونتائجُ تختلف بحسب ما نختاره؛ نستطيع أن نخفّف تعبًا، أو نزيد تبعيّةً، أو نفتح فرصةً، أو نحرم منها إنسانًا؛ لهذا يحتاج التقدّم إلى ما يوجّه قدرته نحو الخير.

ميّز أرسطو (Aristotle)، في "الأخلاق إلى نيقوماخوس (Nicomachean Ethics)" بين مهارة الصنع والحكمة العمليّة؛ فمعرفة كيف ننتج شيئًا تختلف عن حسن تقدير ما يخدم الحياة الجيّدة؛ ونستطيع أن نستعين بهذا التمييز اليوم: قد نتقن صنع الوسيلة، ونظلّ بحاجةٍ إلى الحكمة لنختار غايتها.

قد يكون جهازٌ دقيقًا في جمع المعلومات، لكن جمعها ينتهك خصوصيّة أصحابها؛ وقد يكون مصنعٌ بالغ الكفاءة، فيما يحمل عمّاله أو جيرانه كلفةً لا تظهر في حساب أرباحه؛ النجاح التقنيّ مهمّ، لكنه يحتاج إلى سؤالٍ يكمله: ماذا يفعل هذا النجاح بحياة الناس؟

وهنا تظهر الأخلاق التي شدّدنا عليها منذ بدايات "نحو الإنسانية"؛ تدخل في اختيار ما نطوّره، وفي شروط العمل عليه، وفي مقدار الأمان الذي نوفره، وفي صدق ما نعد به مَن يستعمله؛ وكلّ قرارٍ من هذه القرارات يستطيع أن يجعل الابتكار أجدر بالثقة وأوسع نفعًا.

فالأخلاق لا تنتظر أن يقع الأذى كي تعترض؛ ترافق الفكرة منذ بدايتها، وتساعدها على أن تنجح بما تمنحه للإنسان من خير.

لسنا آخر البشر

لا تقف مسؤوليّة التقدّم والتطور عند الذين يستعملون أدواته اليوم؛ فقد ينتهي عمر الجهاز، ويبقى أثر صناعته، ويُغلق المصنع، وتبقى الأرض تحمل ما تركه فيها؛ بعض نتائج اختياراتنا يصل إلى أناسٍ لم يولدوا بعد، ولم يشاركوا في القرار.

وسّع هانس يوناس (Hans Jonas) هذا السؤال في كتابه "مبدأ المسؤوليّة (The Imperative of Responsibility)" حيث رأى أن اتّساع قدرتنا التكنولوجيّة يفرض علينا مسؤوليّةً تجاه مستقبل البشر والطبيعة؛ فالأخلاق مطالبةٌ بالنظر إلى آثارٍ تتجاوز زمن الفعل وصاحبه.

وهذا ما يعيدنا إلى علاقتنا بالطبيعة: حين نستخرج الموادّ، ونستهلك الطاقة، ونستبدل الأجهزة، لا تنتهي الحكاية عند ما نشتريه؛ هناك ما أُخذ لصناعته، وما سيبقى بعد التخلّص منه. ما يريح حياتنا اليوم ينبغي ألّا يصبح عبئًا مفروضًا على حياة غيرنا غدًا؛ والمعالجة نفسها تستطيع أن تكون بابًا للابتكار: جهازٌ يعيش أطول، وقطعٌ يمكن إصلاحها، وموادّ يُعاد استعمالها، وإنتاجٌ يخفّف الهدر والتلوّث؛ يصبح الحفاظ على الموارد جزءًا من جودة ما نصنعه، وتصبح الصيانة قيمةً تضيف إلى عمر الأشياء بدل المسارعة إلى استبدالها.

فمواكبة الأخلاق للتكنولوجيا تفتح أمامها أسئلةً ومجالاتٍ جديدة للعمل والإبداع. ومن علامات نضج التقدّم أن يترك للذين سيأتون قدرةً على الحياة، لا فاتورةً لما استهلكناه منها.

الضمير في التفاصيل

لكن كيف تصبح هذه المسؤوليّة جزءًا من التقدّم نفسه؟ لا يكفي أن تعلن شركةٌ احترام الإنسان، إذا كان العامل لا يجد حمايةً، أو المشتري لا يعرف مخاطر المنتج، أو المستخدم يعجز عن معرفة ما يحدث لمعلوماته.

وهنا أستعيد سؤالًا أساسيًّا في بحث الدكتوراه: كيف نُخرج القيم من حدود الإعلان عنها إلى ممارسةٍ تطبيقية يمكن متابعتها ومراجعتها؟ تناولتُه في حوكمة الذكاء الاصطناعي، لكنه يفتح أمامنا سؤالًا أخلاقيًّا أوسع: ما الذي يتغيّر في عملنا إذا قلنا إن الإنسان هو الغاية؟

حين نضع الأمان في قلب التصميم، نختبر المنتج قبل طرحه، ونوضّح حدوده، ونعالج الخلل حين يظهر؛ وحين نحترم الخصوصيّة، نجمع ما نحتاج إليه من معلومات، ونشرح سبب جمعها، ونحميها من الاستعمال الذي لم يوافق عليه أصحابها؛ وحين نؤمن بالمسؤوليّة، نحدّد مَن يتابع الشكوى، ومَن يصلح الضرر، ومَن يُحاسَب على التقصير.

ولا تنتهي الأخلاق يوم يبدأ استعمال المنتج؛ فالتجربة قد تكشف ما لم يظهر في الاختبار؛ نحتاج إلى الإصغاء للمبتكرين والموظفين والعاملين وصولا للمستخدمين، وإلى مراجعة النتائج وتصحيح الأخطاء؛ ويصبح الاعتراف بالخلل خطوةً في تحسين العمل وحماية الثقة.

بهذا المعنى، تواكب الأخلاق الابتكار بالفعل: تدخل في قراراته، وتظهر في إجراءاته، ويشهد عليها ما يتحسّن في حياة الناس. فالكرامة والعدالة والمسؤوليّة التي رافقت رحلتنا "نحو الإنسانية" تجد هنا مكانًا آخر تتحوّل فيه من كلماتٍ نؤمن بها إلى عملٍ نلتزم به.

الوعي يواكب القدرة

نستطيع أن نحدّث الأجهزة في وقتٍ قصير؛ أمّا الإنسان فيحتاج إلى تعلّمٍ وتجربةٍ ومراجعة؛ قد يصل إلى يده جهازٌ متطوّر قبل أن يفهم أثر استعماله، وقد تُمنَح له قدرةٌ على النشر أو المراقبة أو الإنتاج، من دون أن يتعلّم مسؤوليّته عنها.

في رسالته "كُن مسبَّحًا"، أبدى البابا فرنسيس تقديره لما قدّمه العلم والتكنولوجيا، وخصوصًا في الطبّ والهندسة والاتصالات؛ لكنه نبّه إلى أن نموّ القدرة التقنيّة لم تصاحبه بالقدر نفسه تنميةٌ للمسؤوليّة والقيم والضمير.

وهنا تصبح التربية جزءًا من مواكبة التقدّم؛ نعلّم الطفل كيف يبحث، وكيف يتحقّق ممّا وجده؛ كيف ينشر صورةً، ولماذا يحتاج إلى موافقة صاحبها؛ وكيف يختلف مع شخصٍ لا يرى وجهه، من دون أن ينسى أنه يؤذيه بالكلمة كما قد يؤذيه وجهًا لوجه.

ويحتاج الراشد إلى هذا التعلّم أيضًا؛ تتغيّر أدوات عمله، فتتجدّد حاجته إلى المعرفة، وتظهر أمامه مسؤوليّاتٌ لم يكن يواجهها بالصورة نفسها. الأمانة التي كانت تحفظ سرّ إنسانٍ أصبحت مطالبةً بحماية معلومات آلاف الناس؛ والصدق الذي يمنع كذبةً أصبح مسؤولًا عن خبرٍ قد يصل إلى جمهورٍ واسع خلال لحظات.

هكذا يمنحنا التقدّم فرصةً لتعميق أخلاقنا: نفهم أبعد، ونحسب أثرًا أوسع، ونتعلّم عنايةً تناسب القدرة التي أصبحت لنا؛ تتطوّر الأدوات بما نضيفه إلى إمكاناتها؛ ونتطوّر نحن بما نضيفه إلى وعينا ومسؤوليّتنا عن استعمالها.

ليس لي إنسان

وحين أصل إلى يسوع، أجد أن السؤال عن القدرة يبدأ من وجه الإنسان الذي أمامه؛ مَن يحتاج إلى شفاء، أو إلى طعام، أو إلى مكانٍ يستردّ فيه كرامته؛ تكتسب القدرة معناها بما تمنحه لحياة هذا الإنسان.

وحين قال: "السبت إنّما جُعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت" (مرقس 2: 27)، كان يعيد الإنسان إلى قلب الغاية التي وُضع السبت من أجلها؛ ومن هذا الموقف نستطيع أن نستلهم سؤالًا لتقدّمنا اليوم: هل بقي ما ننظّمه ونطوّره في خدمة "الإنسانية" التي أردنا تحسينها؟

عند بركة بيت حسدا، سأل يسوع مريضًا إن كان يريد أن يبرأ، فأجابه: "يا سيّد، ليس لي إنسانٌ يُلقيني في البركة" (يوحنا 5: 7)؛ كان قريبًا من المكان الذي يرجو فيه الشفاء، وعاجزًا عن الوصول إليه؛ فتوقّف يسوع عنده؛ وفي هذا المشهد سؤالٌ يرافق تقدّمنا: كم إنسانًا يقف اليوم أمام علاجٍ أو معرفةٍ أو خدمةٍ يحتاج إليها، ويظلّ يقول: "ليس لي إنسان"؟ تكتسب قدرتنا على الابتكار معناها الإنسانيّ حين نجعل ما أصبح ممكنًا قابلًا للوصول، وحين يجد المحتاج، إلى جانب الوسيلة، مَن يعينه.

وهذا المعنى يستطيع أن يرافق أعقد ما نصنعه؛ وراء الجهاز الطبيّ مريضٌ يريد أن يعيش، ووراء وسيلة النقل إنسانٌ ينتظر الوصول، ووراء تطوير العمل عاملٌ يحتاج إلى كرامته وفرصته؛ كلّما رأينا هذه الوجوه بوضوح، أصبحنا أقدر على معرفة ما ينبغي تحسينه، وما ينبغي حمايته.

تتغيّر الأدوات من عصرٍ إلى آخر، وتبقى الخدمة غايةً تمنح القدرة معناها الإنساني؛ فكلّ ما يزيد قدرتنا على الفعل يفتح أمامنا فرصةً أكبر للأخلاق والمحبّة.

الإنسان هو الإنجاز

نعود إلى المرأة التي استراحت يداها من الغسيل، وإلى العامل الذي وقف أمام الآلة يتساءل عن مكانه؛ في الحكايتين إنسانٌ يستحقّ أن يخدمه التقدّم والتطور؛ أن تربح الأولى وقتًا لحياتها مكسبٌ، وأن يجد الثاني طريقًا إلى عملٍ جديد مسؤوليّة؛ وبقدر ما نستطيع الجمع بينهما، يصبح التقدّم أوسع خيرًا.

لقد فعل الإنسان بالتكنولوجيا أشياء تستحقّ الامتنان؛ خفّف أوجاعًا، وقرّب مسافات، وفتح أبوابًا للمعرفة، ومنح كثيرين قدرةً على حياةٍ كانت أصعب من دونها؛ وسيواصل الابتكار، وستظهر إمكاناتٌ لم نتخيّلها بعد؛ فكلّ ما وصلنا إليه يفتح بدايةً أخرى، ويضع أمامنا اختياراتٍ جديدة.

لكن الأدوات التي تتجدّد تحتاج إلى إنسانٍ يواصل التعلّم أيضًا؛ يتعلّم كيف يستعمل قدرته، وكيف يرى أثرها في غيره، وكيف يصحّح ما أخطأ فيه؛ والأهمّ أن تواكب الأخلاق هذا التقدّم، فيتعمّق وعينا بمسؤوليّتنا كلّما اتّسع أثر قدرتنا؛ فما أصبحنا قادرين عليه يجعلنا مسؤولين عمّا لم نكن نملك تغييره من قبل.

وهنا تجد رحلتنا "نحو الإنسانية" امتحانًا عمليًّا لكلّ ما بحثنا عنه: تظهر الكرامة في شروط العمل، والعدالة في إتاحة المنافع، والحقيقة في صدق المعلومات، والحرّية في قدرتنا على الاختيار، والمسؤوليّة في إصلاح الضرر، والرحمة في ألّا نترك المتضرّر يواجه التحوّل وحده.

نريد لهذا التقدّم أن يستمرّ، وأن يجد في إنسانيّتنا ما يوجّهه ويمنحه غايته؛ نبتكر لأن في الحياة ما يمكن تخفيفه وتحسينه، ونراجع لأن مَن نبتكر من أجلهم يستحقّون منّا العناية.

ومهما بلغ تطوّر ما نصنعه، يبقى فينا من روعة التكوين ما يتجاوز ما بلغناه؛ ففي أجسادنا أنظمةٌ تتكامل من دون أن نشعر، وفي خلايانا عوالمُ ما زلنا نكتشف أسرارها، وفي عقولنا قدرةٌ على السؤال والابتكار، وفي أرواحنا توقٌ إلى الحبّ والمعنى؛ نُعجب بما وصلت إليه أدواتنا، وننسى أحيانًا ما وصلت إليه الحياة فينا؛ ولعلّ أرقى ما يبلغه تقدّمنا أن يساعدنا على فهم هذه العظمة ورعايتها، لا أن يجعلنا ننبهر بما نصنع ونغفل عن قيمة مَن صنعه.

ما نصنعه يصنعنا أيضًا؛ فلنجعل فيما نصنعه من حكمةٍ وعدلٍ واخلاق ومحبّة ما يساعدنا على أن نصبح أكثر إنسانيّة؛ وأجمل ما نبلغه من تقدّم أن تزداد قدرتنا على الحياة، ويزداد معها خيرنا فيها.

Top of Form... Bottom of Form