وائل خير

حدثان لنا فيهما عبرة

4 دقائق للقراءة

حدثان، ربما مفصليان، يواجهما لبنان. انتخابات البرلمان الإسرائيلي، والأهم على المدى الطويل، قدرة أوروبا على إيجاد حلول للاستبدال السكاني الذي يجتاح غربها.

لا تفهم معايير الديمقراطية في إسرائيل ما لم نضع الانتخابات النيابية في إطار اختاره مشرّعوها. لإرادة الشعب مفهومان في العلوم الدستورية. المدرسة الأولى تولي الأولوية للإرادة الشعبية وتعتمدها أساسًا لشرعية الحكم. تلك هي مدرسة "الإرادة الشعبية" المبدأ الذي تقوم عليه الديمقراطية الإسرائيلية. المدرسة الأخرى تأخذ الإرادة الشعبية بعين الاعتبار، لكنها تولى "استقرار الحكم" و"محاسبة السلطة" أهمية أرفع. أهم أمثلتها وأعرقها المدرسة البريطانية حيث "تقليديًا"، يتنازع السلطة ثلاثة أحزاب يفوز بالحكم من يجمع أكثرية أصوات كل دائرة انتخابية من دون اعتبار الحصيلة العامة. عليه كانت حصيلة الحزب الذي يجمع 14 مليون صوت 320 مقعدًا، يليه من حاز على 300 مقعد الحزب الذي جمع 13 مليون صوت. أما الحزب الثالث، فحصته 14 مقعدًا رغم حصوله على 8 ملايين صوت. هذه الهوة دفعت بعدد من الدستوريين للترويج لـ"مدرسة العدد" التي لا شك أعدل، فيحصل كل حزب على مقاعد تمثّل حجمه العددي. لكن سرعان ما وضح أن الإنصاف العددي يحول دون حصول أي حزب على الأكثرية، ما يؤدي حتمًا إلى حكومات ائتلافية،  تضع في ما بينها برنامج عمل من خارج استشارة جمهور المنتخبين تكون نتيجة مساومات لم يستشر الناخبون حولها، وقد تخالف إرادتهم ما يضعف الديمقراطية وحتى يطيح بها. ذاك هو حال إسرائيل.

لم يفت هذا الخلل مشرّعي إسرائيل، لذا احتاطوا للأمر، وانتهوا إلى حلّ موقّت يضع مهلة لتأليف الوزارة من قِبل رئيس أكبر كتلة نيابية ضمن مهلة زمنية، فإن تعذّر جمع أكثرية نيابية وراءها، تكرّر التكليف، ليحلّ رئيس الجمهورية البرلمان في حال فشل تأليف الحكومة، ويدعو إلى انتخابات جديدة.

حسنات النظام الإسرائيلي هي صحّة تمثيل الناخبين، لكنّ سيّئاته تظهر في تشكيل الوزارة ووضع خطّة عملها التي تجمع تناقضات لا تعكس دائمًا إرادة الناخب. ثمّ هناك الخلافات الداخلية التي لم تخلُ أيّ حكومة منها، والتي تعيق إجراءات السلطة التنفيذية. النظام البريطاني هو عكس كلّ هذا. واضح فيه الخلل في تمثيل الناخبين، لكنّ ميزته تبقى في عدم وجود عراقيل داخلية تحول دون تحقيق التزاماته تجاه من وضع ثقته به. فضيلة النظام الإسرائيلي هي صحّة التمثيل، فيما فضيلة الخيار الثاني هي تسهيل آلية الحكم وضبط المحاسبة.

هذه الثغرة في النظام الإسرائيلي لها تبعات على علاقته بالدول التي يرى، وغالبًا عن حقّ، في ضعفها تهديدًا لسلامة مجتمع لا عمق استراتيجيًّا يسمح له بامتصاص الصدمات والتعبئة لردّها.

المشكلة الثانية التي تواجه لبنان ليست في الدولة عبر حدوده بل في القارة التي تجاوره: أوروبا.

قلّة من المحلّلين لا تستعمل أوصافًا قاتمة، لا بل يائسة، في وصفها مستقبل تراث هذه القارّة الفكري والروحي. الخطر ليس في مصير قارّة تحتوي على ما يقارب خُمس المجموعة البشرية، بل الأهمّ أنّه الاستبدال الحضاري والروحي والقيمي لإحدى أهمّ بؤر الحضارات الإنسانية الروحية والدستورية والقانونية والفكرية والعلمية والفنية. تعبير "انهيار" ليس دقيقًا. ما نراه بأعيننا ليس موت حضارة، بل إنّه بالتأكيد انتحار إرادي اختاره شعبها ونفّذه قادتها.

سأقتصر، في مقال محدود الحجم، على بسط الخطوط العريضة لما نراه بأعيننا من تداعي مَعْلَمَيْن من أبرز معالم الحضارة العالمية: فرنسا وبريطانيا.

الخطيئة الأصلية في الحالتين هي إقلالهما من شأن العامل الديني وإسرافهما في اعتبار الإنسان كائنًا عقلانيًّا لا حاجة لتصحيح مساره، إن ضلّ، لأكثر من التربية والوعظ ومخاطبة المنطق. حسبنا التعليم والتوجيه والضمانات الاجتماعية والخدمات الطبية لـ"دمج" أيّ إنسان في البيئة التي تُقدَّم له، وإسقاط كلّ ارتباط غير عقلاني، خاصّةً إن كان دينيًّا. أثبتت التطوّرات بما لا يحتمل الخطأ أنّ في ثنايا كلّ إنسان بُعدًا دينيًّا يأخذ أشكالا متعدّدة، بما فيها "عبادة" قيادات وشخصيات، ليس فقط بينها، بل على رأسها قيادات علمانية جاهرت بالإلحاد وحاربت الأديان لمعظم القرن العشرين.