بنيامين أبلبوم

الرأسمالية في خدمة الديمقراطية؟

27 شباط 2021

المصدر: Foreign Affairs

02 : 01

يُجمِع المواطنون في أغنى بلد في العالم على تدهور الوضع بكل وضوح اليوم. تبدو الولايات المتحدة بعد 245 سنة على نشوئها دولة مريضة اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً. في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، تعهد حزب سياسي باسترجاع العظمة الأميركية مجدداً، بينما دعا الحزب الآخر مناصريه إلى إعادة بناء البلد بأفضل الطرق. لكن لم يتكلم أحد عن "صباح أميركي جديد" أو أي وعود مشرقة في الأفق. يدرك الجميع أن الوضع قاتم بمعنى الكلمة.

في الكتاب الجديد Freedom From the Market (التحرر من السوق)، لا يكتفي مايك كونزال، مدير "برنامج الفكر التقدمي" في "معهد روزفلت" الذي يُعنى بمظاهر اللامساواة الاقتصادية، بطرح الحجج التي تدعم تنظيم الأسواق أو إنشاء برامج حكومية جديدة لإعادة توزيع المداخيل، بل يستفيض في أفكاره قائلاً: "هذا الكتاب يتمحور حول الفكرة القائلة إن الحرية الحقيقية تفرض علينا أن نتحرر من السوق". لا يُعتبر اقتصاد السوق برأيه محركاً للازدهار الشامل، وهو لا يُكمّل الحرية السياسية بأي شكل. بل إن الاتكال على السوق هو شكل عميق من غياب الحرية".

يطرح كونزال في كتابه مجموعة مقنعة من المشاكل التي تُسببها الأسواق. لكنّ لائحة الاتهام التي يقدمها تغفل عن حقيقة أخرى: أدى توسّع اقتصاد السوق في معظم الحالات إلى إحداث التغيرات التي يسعى إليها. يبقى السوق إذاً أداة مهمة رغم التشكيك الدائم به في معسكر اليسار.


شروط مسبقة للحرية

يشتق مفهوم الديمقراطية في أوساط التقدميين من التجارب والأخطاء المرتكبة على مر قرون. ظهر في البداية المفهوم القائل إن الناس يحق لهم أن يتحرروا من جميع أشكال الظلم. لكن لا قيمة كبرى للمساواة أمام القانون إذا لم يستطع الناس أن يشاركوا في كتابة تلك القوانين. لذا ظهر في المرحلة اللاحقة المفهوم القائل إن الحرية يجب أن تترافق مع اقتراع عام. لكن لا قيمة كبرى لهذا الاستحقاق أيضاً ما لم تكن مشاركة الناس فيه متساوية. في هذا الإطار، أعلن الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت في العام 1944: "لقد أدركنا أن الحرية الفردية الحقيقية لا يمكن أن تصمد من دون أمن اقتصادي واستقلالية اقتصادية".

يريد كونزال من جهته أن تؤمّن الحكومة لجميع الأميركيين حاجاتهم الضرورية للمشاركة بالكامل في مجتمع ديمقراطي معاصر، وتشمل لائحة الضرورات برأيه الرعاية الصحية، والتعليم الجامعي، وخدمات الإنترنت ذات النطاق العريض. هو يظن أن الحكومة مضطرة لأداء هذا الدور لأن السوق يعجز عن ذلك، فيقول: "توزيع السلع في اقتصاد السوق لا يضاهي ما نحتاج إليه لعيش حياة حرّة".


لا للهرب من السوق

قد يكون التزام كونزال بتعريف أوسع وأقوى للحرية جديراً بالثناء، لكنه يخطئ في أحكامه على العلاقة القائمة بين الأسواق والحرية. عند قراءة كتاب كونزال، لا مفر من التعجب لأن الأميركيين الذين يصوّرهم ما كانوا يناضلون للهرب من السوق بل لتوسيع مشاركتهم فيه. هم لم يعتبروا الحكومة بديلة عن السوق بل وسيلة لرسم معالمه.

في أحد فصول الكتاب، تدور الأحداث خلال الحرب العالمية الثانية، فيتكلم كونزال عن نشوء حوالى 36 مركزاً للرعاية النهارية في "ريتشموند"، كاليفورنيا، للاعتناء بأولاد النساء العاملات في أحواض بناء السفن في تلك المدينة. كانت العائلات التي تستعمل تلك المراكز أو أكثر من 3100 منشأة أخرى فتحت أبوابها في زمن الحرب في أنحاء الولايات المتحدة تدفع رسماً رمزياً وحرصت الحكومة على تغطية التكاليف المتبقية. يعتبر كونزال هذا الوضع مثالاً على نجاح الأميركيين في تجنب استبداد قوى السوق: منحت الحكومة للأمهات خدمة لم تكن متاحة أو مقبولة الكلفة بأي طريقة أخرى. لكن أقدمت الحكومة على هذه الخطوة كي تتمكن المرأة من العمل، وحققت هدفها عبر دفع الرواتب لنساء أخريات للعمل في مراكز الرعاية النهارية.

كان معارضو برنامج الرعاية النهارية ينتمون إلى المعسكر الذي يحاول الحفاظ على مساحة خارج السوق. بحسب رأيهم، يجب أن تلازم الأم منزلها، لا سيما إذا كانت تعجز عن تحمّل كلفة الرعاية بأولادها من دون مساعدة الحكومة. بعد الحرب، نجح هذا الفريق في إغلاق مراكز الرعاية النهارية المدعومة من الحكومة. في العام 1954، حين أقرّ الكونغرس تخفيضاً ضريبياً على نفقات رعاية الأطفال، اقتصر القانون في البداية على المرأة التي تثبت أنها تحتاج إلى عمل مدفوع الأجر. كان كونزال محقاً حين اعتبر أن رعاية الأطفال يجب أن تكون متاحة بسهولة في الولايات المتحدة اليوم. لكنّ الدعم الحكومي لرعاية الأطفال لا يعني بكل بساطة منح الناس حرية المشاركة الكاملة في المجتمع أو في النظام الديمقراطي، بل إنه يمنحهم أيضاً حرية المشاركة في اقتصاد السوق.

على صعيد آخر، قد تؤدي حرية المشاركة في السوق إلى تقوية الديمقراطية أيضاً. يبدأ كونزال طرحه عبر استعراض واحد من الفصول التأسيسية للولايات المتحدة المعاصرة: إعادة توزيع الأراضي الغربية. هو يتذكر التحركات الحاشدة في الساحل الشرقي المكتظ بالسكان، ويروي كيف أدت تلك التحركات إلى صدور مراسيم الحيازة الزراعية التي سمحت للأميركيين بالمطالبة بما يكفي من الأراضي لإنشاء مزرعة عائلية. هكذا وضعت الدولة القواعد التي تسمح بتوزيع الأملاك العامة. يذكر كونزال أيضاً أن أكثر من 46 مليون أميركي ينحدرون من عائلات زراعية طالبت بقِطَع من الأراضي لزراعتها.

يظن كونزال أن مراسيم الحيازة الزراعية عكست "طلباً صريحاً بإبقاء بعض المجالات خارج السوق". عملياً، استُعمِلت هذه القوانين كوسيلة لتحويل معظم القارة إلى سلعة بحد ذاتها. استولت الولايات المتحدة على أرضٍ كان يحتلها الأميركيون الأصليون وغيّرت مكانتها واعتبرتها ملكية خاصة بالأميركيين البيض. اعتبر عدد كبير من مؤيدي مراسيم الحيازة الزراعية والمستفيدين منها أن نشوء فئة صغار مالكي الأراضي هو خيار بديل عن العمل مدفوع الأجر، لكنه ليس حلاً للهرب من اقتصاد السوق لأن الذرة والقمح ومحاصيل نقدية أخرى طغت على قطاع الزراعة منذ البداية.

يُفترض أن تُعتبر مراسيم الحيازة الزراعية درساً قيّماً يمكن الاستفادة منه لتقييم عمل الحكومة لبناء الأسواق وعواقب الخيارات الحكومية على المدى الطويل. رسّخ ملايين الناس من أصحاب الحيازات الصغيرة مكانتهم في اقتصاد السوق، فزادت بذلك أهمية الخطابات التي ألقاها مؤسسو البلد عن المساواة. في الوقت نفسه، لا يزال طرد الأميركيين الأصليين من أراضيهم وحرمان أصحاب البشرة السوداء من ملكية أراضيهم يلقيان بثقلهما على المجتمع الأميركي والديمقراطية الأميركية حتى الآن.





الرأسمالية في خدمة الديمقراطية

ترتكز الحجج الداعمة للسوق الحر جزئياً على بساطته: يُفترض أن تحمي الحكومة الحرية الاقتصادية وتُسهّل التبادل الحر. وجد التقدميون صعوبة في طرح خيار بديل. لكن ما هي المسائل التي يُفترض أن يطالب بها الأميركيون إذاً؟

تقضي فكرة قوية بكبح رضوخ الحرية السياسية للحرية الاقتصادية. في هذا السياق، تقول الفيلسوفة ديبرا ساتز: "تتوقف المجتمعات الديمقراطية على قدرة مواطنيها على العيش كأشخاص متساوين. حين تُضعِف الأسواق العلاقات المتساوية بين الناس أو تعيقها، يصبح تنظيم السوق مبرراً، حتى لو كانت تلك الأسواق فاعلة". لن تتأثر نشاطات معظم الأسواق بهذا المبدأ. تظن ساتز أيضاً أن بعض أنواع نشاطات السوق يقوي الديمقراطية.

في العام 1905، ألغت المحكمة العليا، في قضية "لوشنر ضد ولاية نيويورك"، قانوناً كانت قد فرضته هذه الولاية لمنع الخبازين من العمل لأكثر من عشر ساعات يومياً أو 60 ساعة أسبوعياً. اعتبر معظم الناس أن هذا القانون ينتهك حرية العمال وأرباب العمل وحقهم بتحديد الترتيبات التي تناسبهم. وفي موقف معارض شهير، أعلن القاضي أوليفر ويندل هولمز جونيور أن الوضع القائم يعكس بنية اصطناعية وغير قابلة للاستمرار. لكل سوق قواعده الخاصة، لكن تتعلق المسألة الأساسية بتحديد طبيعة تلك القواعد. يكتب كونزال: "كان هولمز يعني بكلامه أن السوق الحيادي الحقيقي مجرّد كذبة". من خلال منع ولاية نيويورك من التحرك على طريقتها، لم تكن المحكمة تحافظ على نقاء الأسواق، بل إنها انحازت بكل وضوح إلى أرباب العمل. كانت المحكمة قد سمحت أصلاً بتنفيذ أشكال متنوعة من التدخل، منها الإفلاس ومسؤولية المساهمين المحدودة. لم تكن المحاكم تشير إلى المخالفات إلا عندما تضمن القوانين حماية متزايدة للعمال.

يظن كونزال أن ظهور الحركة العمالية ونجاحها اللاحق في خوض المعارك الشاقة لحصر دوام العمل هو نموذج للنزعة المعادية للأسواق في الحياة الأميركية. يكتب كونزال أن العمال "كانوا يبحثون عن زمان ومكان بعيداً عن سوق العمل". لكن يمكن تجسيد الفكرة نفسها بطريقة أخرى. يقال إن رؤساء النقابات العمالية والناشطين "هم الذين منحوا عطلة نهاية الأسبوع للعمال"، وهو تصنيف صائب. لكن تكتسب عطلة نهاية الأسبوع قيمة كبرى لأنها تأتي بعد أسبوع العمل. كان الأميركيون يستطيعون أصلاً أن يمتنعوا عن العمل بلا مشكلة. لقد كانوا يطمحون فعلياً إلى اكتساب شكلٍ من الحرية في العمل، ثم يعودودن إلى ديارهم في نهاية الدوام ويلازمون منازلهم يوم السبت. بعبارة أخرى، أراد الأميركيون أن تصبح الرأسمالية في خدمة الحرية.

كان عهد ترامب كفيلاً بتلقين الأميركيين درساً قاسياً حول أهمية السياسة العامة. ومع وصول إدارة أميركية جديدة إلى البيت الأبيض الآن، سيحصل البلد على فرصة قيّمة لتطبيق ذلك الدرس. يحتاج الأميركيون إلى مساعدة الحكومة للتعلم والاعتناء بأنفسهم وبأفراد عائلاتهم وملاحقة الفرص الاقتصادية. لكن لا مفر من أن يُفسِد التقدميون هذه الفرصة إذا اعتبروا تلك الأهداف معركة ضد الأسواق. عملياً، يحتاج الأميركيون إلى توسيع هامش الحرية لتحسين قدرتهم على المشاركة في مجتمع ديمقراطي وفي سوق فاعل.

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.