لم تعد التحالفات الدولية تُقاس فقط بالمعاهدات العسكرية التي تلزم الدول بالدفاع بعضها عن بعض عند التعرّض لهجوم. فإلى جانب الأحلاف التقليدية، يتسع نمط آخر من العلاقات الأمنية يقوم على تبادل المعلومات الاستخبارية، والتعاون التكنولوجي، وتسهيل انتشار القوات، واستخدام القواعد، والتدريب المشترك، من دون أن يترافق بالضرورة مع التزام تلقائي بخوض الحرب دفاعاً عن الشريك.
ما نشهده اليوم ليس اختفاء التحالفات التقليدية، بل تنامي شبكة أكثر مرونة من الشراكات الأمنية، تتفاوت فيها الالتزامات بحسب المصلحة والتهديد والقدرة على تحمّل الكلفة. فالدول لم تعد مضطرة دائماً إلى الاختيار بين تحالف عسكري شامل او علاقة ثنائية محدودة، إذ بات بإمكانها بناء تعاون عميق في مجال محدد، مع الاحتفاظ بهامش من الاستقلال في ملفات أخرى.
من التحالف الشامل إلى الشراكات المرنة
تقدّم الشراكة الأمنية الثلاثية بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، المعروفة باسم "أوكوس" (AUKUS)، مثالاً واضحاً على هذا التحوّل. فهي تقوم على تطوير قدرات عسكرية متقدمة، ونقل التكنولوجيا، وتبادل المعلومات، وتعزيز التعاون الصناعي. لكن جوهرها ليس معاهدة دفاع جماعي مماثلة لحلف شمال الأطلسي، بل شراكة متخصصة لبناء قدرات استراتيجية مشتركة.
وفي آسيا، دخل اتفاق تسهيل وصول القوات والتعاون بين اليابان والفيليبين حيّز التنفيذ في 11 أيلول 2025، بما يسهل التدريبات المشتركة والأنشطة العسكرية، ويعزّز قابلية العمل المشترك بين القوات. من دون أن يعني ذلك قيام تحالف دفاع جماعي شامل.
كما يقدّم الاتفاق الدفاعي الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان، "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، الموقّعة في 7 آب 2026، نموذجاً أكثر دلالة على تداخل أنماط التحالفات. فهو ينص على اعتبار أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعاً، لكنه فعلياً يجمع دولاً تختلف في عضويتها وتحالفاتها الدولية وحساباتها الإقليمية وقدراتها العسكرية.
وقد شدّدت التصريحات السعودية أن الاتفاقية ليست محوراً عسكرياً أو تكتلاً موجهاً ضد دولة بعينها، فيما قالت أنقرة إنه لا يهدف إلى الحلول محل تحالفاتها القائمة. وتبقى حدود الالتزامات العملية وآليات تنفيذها هي الاختبار الحقيقي لفاعليته.
وهنا تجدر الإشارة الى ان الكثير من هذه الشراكات تنشأ أصلاً كاستجابة لحالة عدم اليقين تجاه ديمومة الالتزامات التقليدية للقوى الكبرى، وسعي الدول لتنويع شبكة حمايتها دون الارتباط بأجندات قد تجرها إلى صراعات غير محسوبة.
وتكمن جاذبية هذا النمط في أنه يتيح للدول توزيع المخاطر، والاستفادة من قدرات الشركاء، وتعزيز الردع، من دون تحمّل كامل الأعباء السياسية والعسكرية لتحالف دائم. كما يسمح للقوى الكبرى بتوسيع حضورها ونفوذها عبر شبكات متعددة، بدلاً من الاعتماد حصراً على التزامات دفاعية صلبة.
حين تتحول المرونة إلى مصدر للالتباس
لكن المرونة نفسها تحمل نقطة ضعف أساسية: كلما اتسعت مساحة الالتباس بشأن طبيعة الالتزامات، ازدادت احتمالات سوء التقدير. فوجود قواعد أو تبادل معلومات أو تدريبات مشتركة لا يعني بالضرورة أن الدولة الشريكة ستدخل الحرب عند اندلاعها. وقد يفسّر طرفٌ هذه الشراكة بوصفها دليلاً على استعداد للتدخل، فيما يراها الطرف الآخر أداة للردع أو الاحتواء، لا تفويضاً مفتوحاً باستخدام القوة.
وهذه هي المعضلة الكلاسيكية في العلاقات التحالفية: خشية الشريك من أن يُترك وحيداً حين تشتد الحاجة، مقابل خشية شريكه من أن يُجرّ إلى حرب لا يريدها.
ومن هنا، لا يجوز الخلط بين التعاون الأمني والتحالف العسكري، ولا بين التقارب الاستراتيجي والتطابق في الأهداف. فالشركاء قد يتفقون على مواجهة تهديد محدد، لكنهم يختلفون بشأن توقيت الرد، وحدوده، والكلفة المقبولة، وشكل التسوية النهائية.
لبنان: بين المظلة الخارجية وسيادة القرار
بالنسبة إلى لبنان، تكتسب هذه التحولات أهمية تتجاوز متابعة خرائط التحالفات الإقليمية. فالمشكلة ليست فقط في طبيعة الضمانات التي قد يقدمها الخارج، بل في قدرة الدولة على تحويل علاقاتها الدولية إلى حماية فعلية لمصالحها، في ظل تعدد مراكز القرار الأمني والعسكري وتباين حسابات القوى الخارجية. وقد أظهرت التجارب أن التقارب السياسي أو التعاون العسكري لا يضمنان تلقائياً تدخلاً لحماية لبنان، كما أن ارتباط أطراف لبنانية بمحاور إقليمية لا يعني أن تلك المحاور ستتحمل كلفة الحرب أو إعادة الإعمار نيابة عنها.
لذلك، لا يبدأ بناء الأمن اللبناني من البحث عن مظلة خارجية بديلة فحسب، بل من استعادة الدولة للسيادة على قراراتها، وتعزيز قدرات الجيش، وصياغة سياسة دفاعية تحمي البلاد من أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين قوى لا تتطابق مصالحها بالضرورة مع مصالح اللبنانيين. فالسؤال الحاسم ليس مَن يقف إلى جانب لبنان في البيانات، بل ما الذي يلتزم به فعلياً عندما تصبح حمايته مكلفة؟
في عالم تتشابك فيه التكنولوجيا والاستخبارات والانتشار العسكري، قد تكون الشراكة الأمنية مؤثرة في ميزان القوى حتى من دون أن تتحول إلى تحالف معلن. غير أن تأثيرها لا يُقاس بعدد الاتفاقات الموقّعة، بل بمدى استعداد أطرافها لتحويل التعاون إلى فعل عند الاختبار. فهناك فرق بين بناء القدرة على خوض الحرب، والالتزام فعلياً بخوضها.