روي أبو زيد

Nostalgia

ليلة الأميرة هند أبي الّلمع الأخيرة

6 آذار 2021

02 : 00

ألو... حياتي؟

رحلت هند أبي اللمع في الثالث من تشرين الأول من العام 1990. كانت مراسم دفنها معقدة بسبب الحرب الأهلية حينها وقطع الطرقات بين المناطق. بقي لبنان هاجسها حتى الرّمق الأخير، وعزا المقرّبون منها سبب وفاتها الرئيس لحزنها الشديد على الأوضاع في وطنها. ولدت أبي اللمع في 20 تشرين الثاني 1943أي قبل يومين فقط من نيل لبنان استقلاله وتوفيت قبل انتهاء الحرب الأهلية بعشرة أيام. والدها الأمير محمود أبي اللمع المتحدّر من سلالة الأمراء اللمعيّين، ووالدتها نجلاء الراسي من بلدة الشيخ طابا في عكار.

بعد موت أبيها، تزوجّت والدتها من خليل أبو الروس وأنجبت منه ثلاثة أولاد: ليلى، سليم وطوني. درست الأميرة في مدرسة "زهرة الاحسان" وكان أستاذها جورج جرداق أوّل من لقّبها بـ"بلوطة تشرين" معتبراً أنها قوية كالبلوط.



هند في طفولتها



حازت أبي اللمع إجازة في العلوم السياسية من الجامعة اليسوعية. ودخلت عام 1964 تلفزيون لبنان وعملت كمساعدة مخرج، فتعرّفت على المخرج أنطوان ريمي ليتزوّجا في السنة نفسها وينجبا ولديهما ساسين وربيع. أطلّت عام 1972 في مسلسل "غروب"، وكان نسخة ملبننة من فيلم "ذهب مع الريح" الشهير، وتولّى إخراجه ريمي ليشكّل العمل إنطلاقة الأميرة الدرامية. وكرّت السبحة فانهالت عليها العروض لتجسّد أدوار البطولة في مسلسلات "السراب" و"حول غرفتي" و"عازف الليل" و"الانتظار" و"ديالا" و"الأسيرة". أدّت دور مريضة قلب في مسلسل "لا تقولي وداعاً"، وشاءت الصدف أن تعاني من مرض أصاب عضلة قلبها وجعلها تنطفئ رويداً رويداً.

كانت البلاغة الأدبية تواكبها في مسيرتها الفنية لا سيما بمسلسل "المعلمة والأستاذ" الذي قدّمته مع الراحل إبراهيم مرعشلي في العام 1984.

قال لها طبيبها بعد ثلاث سنوات: "لا يمكنك الإستمرار بالعلاج في لبنان". فسافرت الى لندن وصمامات قلبها مسدودة بالدم وغشاء من الماء يغلّفها.

تولى علاجها البروفسور رونالدوف في العاصمة البريطانية، وحذّرها من إجراء أي عملية جراحية، لكنّ الموت كان بانتظارها بعد عودتها الى بيروت.

لكن بماذا تميّزت أبي اللمع وكيف أمضت المرحلة الأخيرة من حياتها؟ "نداء الوطن" تواصلت مع المقرّبين منها للإطّلاع على أسرار تُكشف لأول مّرة:



هند وزوجها المخرج أنطوان ريمي



أنطوان ريمي: رفضت عيش حياة الـSTAR

يعرب حفيدها أنطوان عن أسفه لعدم تمكّنه من التعرّف عليها. يقول بفخر: "أنا ابن ساسين وندى ريمي وعرفتُ جدتي من خلال أحاديث الأقارب والاصدقاء. ونال جدّي أنطوان حيّزاً كبيراً من طفولتي، إذ كنت أمضي أغلب الوقت معه فنلعب الكلمات المتقاطعة سوياً وأرافقه في كواليس التصوير.

أدركت حينها أهميّة جدتي في عالم الدراما وأهمية أن أكون حفيد هند وأنطوان ريمي ما جعلني محبوباً في محيطي ولا سيما في مدرستي".

ويضيف: "كانت لجدتي شخصية قوية وقريبة من القلب ولكن ضمن حدود. وكانت تفرض احترامها أينما حلّت، لذا اتّسمت شخصيتها بالعفوية وسرعة الغضب في آنٍ معاً".

كانت أبي اللمع قريبة جداً من أصدقاء ولديها، ويقول ريمي في هذا الإطار: يخبرونني أنّها بمثابة والدتهم، لذا حين تنزعج من ضجيجهم كانت تقول لهم بصوت حازم: "يلا كل واحد عبيتو خلصنا لليوم". أصيبت بمرض تصلّب الجلد المنتشر (diffuse scleroderma) في العام 1985 فأصـاب عضلة قلبها".

مثّلت في الفترة الأولى من مرضها، لكنها تعبت كثيراً خلال تصوير مسلسلها الأخير "هنادي".

فسافرت الى لندن مع صديقتها الفنانة الكبيرة سميرة توفيق للعلاج واستقرّت بعدها في منزل دنيز مساعدة العملاق الراحل فريد الأطرش. ويخبر ريمي أنّها "ابتعدت عن الناس وبقيت في منزلها، إذ تغيّر شكلها بسبب علاجها بالكورتيزون".



في عرسها مع شقيقها طوني



طوني أبو الروس: زارت الكنيسة قبل سفرها للعلاج

«هي ربّتني، وعشت معها أكثر من أهلي»، يقول أخوها غير الشقيق طوني، كاشفاً أنّ «طعامها المفضّل كان طبق الدجاج بالفرن مع البصل الذي تعدّه والدتي فضلاً عن المغربية. أما هواياتها فكانت مشاهدة الأفلام والقراءة». ويضيف: «كانت هند تكره الكذب، صريحة الى أقصى الحدود، لا تدوّر الزوايا وغير إجتماعية بل تميل الى العزلة»، مردفاً أنها «كانت تصلّي كثيراً فتمسك بإنجيلها وتقرأ، كما أنها أبت السفر الى لندن قبل زيارة كنيسة سيدة الدخول في الأشرفية».

كانت أبي اللّمع مقرّبة جداً من الراحلة جورجيت نابلسي، ويسرد أبو الروس طرفة تُظهر التباين في شخصية الصديقتين: «في يوم من الأيام زارتها نابلسي وسألتها مدبّرة البيت حينها: «أتريدين قهوة»؟ لتجيبها بالنفي. وبعد قليل ارتشفنا القهوة جميعنا لكنّ جورجيت رفضت مشاركتنا خوفاً من أن تجرح مشاعر العاملة الأجنبية». فقالت لها هند: «ما تجنينيني جورجيت. شربي قهوة لشوف».

«كانت الليلة الأخيرة صعبة على الأميرة، خصوصاً من الناحية النفسية»، يقول أبو الروس، مضيفاً: «بقيت الى جانبها، إذ حزنت بسبب مجزرة نهر الموت كما خافت على زوجها الذي بدأ بغسل الكلى. فأمضينا وقتنا على الشرفة وسهرنا حتى منتصف الليل».

يصمت أبو الروس للحظة، يلتقط أنفاسه ويتابع: «اتّصل بي أنطوان عند الثالثة فجراً. فارقت هند الحياة في منزلها، إذ حاول ابنها ساسين إنعاشها لكنه لم يتمكّن فنُقلت الى المستشفى حيث أُعلنت وفاتها».




نجلاء الراسي محاطة بأولادها



ندى ريمي: أوصتني بعائلتها

«إجتاحتني مشاعر الخوف والحماسة في الوقت عينه حين تعرّفت عليها، إذ كنت أحبها كثيراً منذ صغري»، تقول لنا الممثلة ندى ريمي، زوجة ساسين.

وتضيف: «إستقبلتني بقميص النوم، فشعرت بالراحة من اللقاء الأول. ارتديتُ حينها ثوباً أبيض اللون، فأعجبها كثيراً وبالفعل أهديتها فستاناً مشابهاً له»، مردفةً أنّ «صداقة عميقة جمعتنا، فهي قاسية وطيّبة الروح بالوقت عينه».

فرضت حماتي احترامها لدى المحيطين بها، وفي يوم من الأيام اتّصلت بها سيدة وقالت لها: «ليكي»؟ فغضبت حينها وأقفلت الخط»، تسرد ريمي وتضيف: «كنا نحضّر الفوشار ونشاهد أفلام الرعب. مكثت معها في مستشفى الجعيتاوي حين كسرت وركها، وفرحتُ كثيراً حين قالت للطاقم الطبي إنني ابنتها».

«وثقت الأميرة كثيراً بصديقتها جورجيت، وعرّفتني عليها للوقوف عند رأيها تجاهي حتى أنها قالت لابنها ساسين: «إنت ما رح تروح معنا، بدنا نقعد نسوان بين بعضنا». وتشير ريمي الى أنّ «نابلسي طلبت يدها للزواج بحضورهند وأنطوان».

وتستذكر الممثلة: «كانت حماتي ماهرة بالطبخ وتكره أن يدخل أحد الى المطبخ وقت إعدادها الطعام»، لافتةً الى أنّ «الأميرة أحبّت الأطفال كثيراً فتعلّقت بابن شقيقة صديقتها الممثلة سميرة بارودي».

أحبت استقبال الناس في بيتها، وكشفت ريمي عن وصيتها الأخيرة لها قائلةً: «ما في غيرك محلّي هون، بدي ياكي تنتبهيلن كثير، هني 3 رجال بس ما بيعرفوا يتصرّفوا».

تتابع ريمي بغصّة: «كانت أطباعنا متشابهة وتعلّمتُ منها إيلاء الاهتمام بالعائلة، فرض الإحترام والدقّة بالمواعيد. كانت تعيش بتواضع، تفرح بمحبة الناس وتحافظ على دائرة أصدقائها المقرّبين».



من مسلسل "عازف الليل"



لكنّ الميزة الأكبر للراحلة كانت الكرم، فمرّة أهدت كنّتها قميصاً تملكه في عيد ميلادها وذلك لعدم تمكّنها من شراء هدية بسبب مرضها، كما أنها قدّمت لها إسوارة من ذهب بمناسبة خطوبتها. «أردتها أن تتعرّف على أولادي»، تقول ريمي بحزن، مشددةً على أنّ «هند أبي اللمع خلّفت فراغاً كبيراً ولو كانت على قيد الحياة لاحترق قلبها على لبنان».

"ظلّت حاضرة للدقيقة الأخيرة من مرضها، وليلة وفاتها كان والدي وعمي وجدي في البيت فضلاً عن شقيقها المقرّب منها طوني أبو الروس". يسرد ريمي الوقائع ويستدرك قائلاً: "شاهدت نشرة الأخبار وتأثّرت كثيراً. استيقظ جدي ليلاً ليجدها بحال صعبة فتم نقلها الى مستشفى الروم على وجه السرعة وتوفيت في غرفة الطوارئ".

"راحت وكانت عتلانة همّ جدي"، يضيف ريمي، كاشفاً أنّها قلقت عليه لدى إصابته بالقصور الكلوي وباتت تهتم به أكثر من الاهتمام بنفسها. كما أنها "أوصت عائلتها بالحفاظ على الأواصر المشتركة بينهم والتعاون والتعاضد".

"لم تستدرك يوماً مدى جمالها، فهمّها الأول والأخير كان الحفاظ على عائلتها وتقديم أدوار مميّزة"، يتابع ريمي، لافتاً الى أنّ جدته "لم تكن تبالغ بالتبرّج قبل الخروج الى الأماكن العامة. فضّلت العيش كإنسانة عادية وليس كنجمة صفّ أوّل".

ويتابع: "كانت تتلقّى عشرات الإتصالات من المعجبين يومياً، فضلاً عن مئات الهدايا التي تصلها فرفضت الكثير منها خصوصاً تلك المُقدّمة من السياسيين".



الأم حاضنة ولديها ساسين وربيع



يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.