جورج أبوعبدو

إختصاصي "كورونا" ورئيس "الطب الداخلي" بمستشفى الروم

الدكتور جورج جوفلكيان: فَلْنُلقّح أكبر عدد من السكان قبل فوات الأوان

27 آذار 2021

02 : 01

كثيرة هي الأسئلة التي يطرحها اللبنانيون اليوم عن لقاحات "كورونا" وانواعها وآثارها الجانبية ومخاطرها وأوجه الاختلاف في ما بينها، فاللقاح هو موضوع الساعة والكل يريد أن يعرف المزيد عنه، قبل الحصول عليه أو ربما حتى بعد أول جرعة منه. "نداء الوطن" استشارت الدكتور جورج جوفلكيان إختصاصي فيروس "كورونا" ورئيس قسم الطب الداخلي في مستشفى سان جورج الجامعي، حول اللقاحات ومدى فعاليتها وعادت بأجوبة شافيه حولها، بالاضافـــة الى رأيـــه حـــول شــؤون صحية ومسائل أخرى يعاني منها القطاع الصحي والاستشفائي في لبنان.


كيف تفسّر هذا التفشي الســـــــــريع لفيروس "كورونا" بين اللبنانيين؟


المسألة بسيطة: ينتقل "كورونا" بين الاشخاص بالرذاذ. القصّة إذاً متعلقة بعدد الفيروسات في وحدة الهواء أي كم نسخة من الفيروسات موجودة في كمية معينة في الهواء، كلما كانت كمية الهواء قليلة كانت نسبة الفيروسات اعلى. من هنا أهمية مسألة التباعد الاجتماعي، فكلما ابتعدنا عن الشخص المصاب - الذي قد ينقل الرذاذ بالعطس أو الكلام مثلاً - نضمن تجنب إصابتنا بالفيروس.


هلا شرحت لنا مسألة المناعة المكتسبة أي ما يسمّى بالـAnti-Bodies التـــــي يضمنها اللقاح؟


هي جزء من الجهاز المناعي مكوّن من خلايا B Cells التي تفرز موادّ لحماية جسمك من الهجمات الفيروسية. لا تقتصر مناعة الانسان على الـ B Lymphocytes هناك ايضاً T Lymphocytes أو T Cells أي المناعة الخليوية، التي تحارب بدورها فيروس فقدان المناعة المكتسبة كما في حالة "الايدز" مثلاً. باختصار مناعتنا معقدة ونستطيع قياس جزء منها، وهو مستوى المناعة المكتسبة فقط. ما يعنينا في كل المسألة هو انخفاض نسبة الاصابات. ففي الولايات المتحدة مثلاً انخفضت الاصابات الى حد كبير بعد تلقي اللقاح، فقد كشفت دراسة على عاملين في القطاع الطبّي الذين تلقوا اللقاح، عن انخفاض نسبة الاصابة بالفيروس من 2.5 بالمئة الى 0.2 بالمئة، ما يعني نجاحاً منقطع النظير لاعتماد اللقاح كوسيلة لمحاربة الفيروس بغض النظر عن مسألة الـ antibodies. وبالتالي يكون إيصال اللقاح لأكبر عددٍ من الناس هو الهدف الأساسي المنشود، ويصبح رقم المضادات المكتسبة بحدّ ذاته عنصراً ثانوياً في الصورة الكبرى.


ما الفرق بين لقاح وآخر، وهل يمكن أخذ جرعة أولى من لقاحٍ معين وجرعة ثانية من لقاح آخر؟


ليس من جوابٍ فعليّ لهذا السؤال. المعروف هو انّ للقاحات التكنولوجيا نفسها، وبالتالي ستحصل على المناعة المكتسبة في الحالتين لأنها تعمل بالطريقة نفسها. وثمة لقاحات تشبه بعضها نسبياً، مثل "سبوتنيك" الروسي الذي يستعمل فيروساً ثانياً اسمه "ادينوفايروس" كناقل carrier يركّب عليه شيفرة البروتين تماماً كما يُحمَّل "بغلٌ" بضاعة ما، فيتعرّف جسمك الى "الناقل وحمولته" ويطوّر مناعة ضده. والذكاء في اللقاح الروسي هو أنّهم في الجرعة الثانية غيّروا "الناقل" كي يركّز جسمك على "الحمولة" بشكل أساسي وبالتالي إذا خلطت بين جرعاتٍ مختلفة من اللقاحات ستصل الى المناعة المكتسبة ذاتها.





أي لقاح تنصح به وما هي أوجـــــــــه الإختلاف بين اللقاحات المتوافرة؟


أنصح بأخذ اي لقاحٍ متوافر سواء كان "سينوفارم" او "استرازينيكا" او "فايزر" او "موديرنا" او "سبوتنيك" او "جونسون"، الوحيد الذي يعطى بحقنة واحدة. فما هو مختلف بينها هو التكنولوجيا المستخدمة لصنعها، فالصيني مثلاً لقاح تقليدي مكوّن من فيروسٍ كامل فاقد للفعالية يراه الجسم ويصنع مناعةً على عدة اجزاء منه، وهذا ما يميزه، اما باقي اللقاحات مثل "فايزر" و"سبوتنيك" و"موديرنا" فهي متشابهة لاعتمادها على تكنولوجيا حديثة وغير مسبوقة تقوم على تركيب الحمض النووي الـRNA ليصنع بذلك شيفرةً للبروتين، بحيث يصبح جسمك قادراً على "تعطيل" البروتين الخاص بالفيروس عند التعرف عليه.


لماذا تختلف عوارض اللقاح بين شخص وآخر؟


انا شخصياً لم ألاحظ ايّة عوارض جانبية خطيرة لدى من اخذ اللقاح، ولكن ما لاحظته في حالة "فايزر" مثلاً هو تغييرٌ في "ميكانيك" الجسم من حيث وجود "خلل" في الضغط لدى البعض مثلاً، يعالج بتناول ادوية للضغط لمدة يومين وتعود الامور بعدها الى طبيعتها. وقد يحصل هذا الخلل على مستوى النبض كذلك، وهنا ايضاً العلاج بسيط جداً ويكون بإشراف الطبيب ولا يطرح أية اشكاليات معقّدة طويلة الامد. امّا من حيث تكوين المناعة فردات الفعل والنتائج بعد اللقاح مختلفة بين شخصٍ وآخر وهذا أمر طبيعي.

القاعدة الذهبية هي كما قلت سابقاً بأن يتناول المرء أيّ لقاح في متناول يده في اسرع وقت ممكن وضمن الجداول الزمنية المحدّدة للجرعة الأولى والثانية. فقد اثبتت الدراسات العالمية كافةً فعالية اللقاحات، إن من حيث منع اصابتك بالفيروس، أو تخفيف آثار انعكاساته على صحتك، أو تجنيبك غرفة العناية الفائقة.


ثمة أطباء ينصحون بتناول المضادات الحيوية لعلاج "كورونا" وانت لســـــت منهم لماذا؟


بعد عامٍ من ظهور الوباء ليس عندنا بعد اي علاجٍ ناجعٍ له. انتشرت أخبار علاجات مختلفة مثل "الهيدروكسي كلوروكوين" والـ"رمديزيفير" و"الايفرمكتين" وغيرها عبر "السوشيل ميديا" بسرعة البرق في مختلف اصقاع العالم، وكان لهذا الأمر سلبياته وايجابياته. الايجابية طبعاً في التواصل، أما السلبية ففي تشريع الباب لانتشار أخبار غير دقيقة. بالنسبة الى المضاد الحيوي "الازيترومايسن" بيّنت الدراسات انه غير نافع، بل قد يقضي على الميكروبات الحميدة في جسمك ويؤثر على "كهرباء" القلب لديك. انعكاساته اذاً مؤذية وكطبيب أرفض "ايذاء" مرضاي وبالتالي لا أنصح به.


ما هي نصيحتك الذهبية لقــــــــــــــرّاء "نداء الوطن"؟


أنصحهم أوّلاً بتناول الكثير من السوائل كي لا تتعرّض اجسامهم الى الجفاف. فهذا الأمر هو أهم علاج للفيروس. ثانياً، أدعوهم الى السيطرة على الحرارة بحيث يقيسونها باستمرار ويعملون على تخفيضها والتحكّم بها، فمن يسيطر على الحرارة ويكثر من تناول السوائل منذ الاسبوع الأول للاصابة يتجنّب تعقيدات الأسبوع الثاني التي قد تصل الى الالتهاب الرئوي، او إصابة جهاز التنفس، او أعضاء اخرى في الجسم وينتهي به الأمر في غرفة العناية الفائقة وقد يخسر حياته في بعض الأحيان.


أما العنصر الثالث البالغ الأهمية فهو ضرورة الانتباه الى أي شعورٍ بـ"ثقلٍ" في الصدر، او اي انزعاج فيه، ولا علاقة للأمر هنا بضيقٍ في التنفس، فهذا الفيروس خبيث لدرجة انك قد لا تشعر معه بمدى خطورة الامر، حتى مع وصول انخفاض الأوكسجين لديك الى سبعين بالمئة، وهو معدّل لا يجعلك قابلاً للحياة، ولكنّك قد تجلس أمامي، حتى وأنت في هذه الحال، لتخبرني انك على خير ما يرام. وبالتالي ايّ شعور بالانزعاج او بثقل في الصدر هو دافعٌ اساسي وإلزامي لقياس نسبة الأوكسجين بالدم لديك بجهاز "الأوكسيميتر".


ما رأيك بخطّة الدولة اللبنانية لمواجهـــــة الفيروس؟


الخطة موجودة ولكن التطبيق شائبٌ للغاية. ولا تقع مسؤولية مواجهة الوباء على الدولة وحدها حصراً بل هي مسؤولية الجميع والحفاظ على التباعد الاجتماعي كذلك واجب. الاجراءات الوقائية التي نوصي بها عادةً فعّالة، من ارتداء الكمامة الى التباعد الاجتماعي، الى تخفيف الاختلاط وتجنّب الاماكن المغلقة. لا تستطيع الدولة ان تراقب كلّ مواطن، وبالتالي ثمة واجب يتحمّله المواطن نفسه. أمّا واجب الدولة فهو في تأمين اللقاحات للمواطنين في اسرع وقت ممكن، مهما كان نوعها أكانت صينية، أم روسية أم ألمانية. فالمسؤولية هنا مشتركة، ويقع على عاتق الدولة بشكلٍ أساسي تأمين جدول زمني للتلقيح يكون سريعاً وفعالاً وشفافاً، فتضافر هذه الجهود من الاطراف التي ذكرتها جميعاً هو الذي يضمن المناعة الجماعية او ما يعرف بمناعة القطيع. ومشكلتنا اليوم هي في عدم توافر الأسرّة فمعظم المستشفيات اليوم بلغت الحد الاقصى من قدرة الاستيعاب، بحيث لا أماكن شاغرة فيها، ولا غرف متوافرة فضلاً عن نقصٍ شديد في توافر الادوية والعقاقير والمعدات الطبيّة بالاضافة الى مصيبة النقص في الأوكسجين، فمشكلتنا أنّنا في لبنان نستورد الأوكسجين بدلاً من تصنيعه. وبالتالي نحتاج الى اطلاق صرخة هنا للجميع بأن يتحملوا مسؤولية مواجهة الوباء دولةً وشعباً.


هل أنت راضٍ حالياً عن النظام المعتمـــــــــد بالنسبة الى أولوية التلقيح؟


ليس كلياً فعائلتي أنا مثلاً كطبيب لا تدخل ضمن فئة الأولوية مع أنني على تماسٍ يومي بالمصابين وقد أنقل الوباء إليها من حيث لا أدري. ولكن النقاش في الاولويات جدلٌ بيزنطي. أما الحل الفعلي ففي تلقيح أكبر عدد من الناس بأي طريقة ممكنة وأنا سعيد بأنّ وزارة الصحة سمحت للقطاع الخاص باستيراد اللقاح واستوردت الـ"أسترازينيكا"، الذي أؤكد هنا أنه آمن وفعال تماماً. الغاية تبرر الوسيلة، فإن لقحت أكبر عدد من السكان في لبنان، مواطنين كانوا أم لاجئين، تسهم في حماية هذا الفرد ومحيطه، سواء تمّ ذلك عبر منصات الدولة أو الشركات الخاصة. علينا تأمين اللقاحات فوراً فالوضع لا يحتمل التأجيل، واذا لم نتّخذ اجراءاتٍ بتلقيح أكبر عدد من السكان في أسرع وقتٍ ستتحوّل الكوابيس السابقة التي كنا نتحدث عنها في الاشهر الماضية، بشأن رؤية طوابير من الناس تتلقى الاوكسجين في سياراتها أمام المستشفيات، أو تموت في منازلها، الى سيناريوات حتمية آتية لا محالة!

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.