د. ميشال الشماعي

التهريب والتهرّب والتدويل

7 نيسان 2021

02 : 00

تجهد الأكثريّة الحاكمة في لبنان للتهرّب من أيّ استحقاق قد يؤثّر في استقرار استمرارها، وبالمقابل تدأب في استمرار استقرارها. ولهذه الغاية هي مستعدّة لأن تدفع الأثمان المطلوبة منها، حتّى لو كان الثمن لبنان بأسره. والملفّ الأكثر استقطاباً لاستمرارها هو في التهريب لما له من أهميّة لأوليائها في سوريا وإيران. هل سيستطيع لبنان أن يتحرّر من هذه الآفات، ويحدّ تهرّب هذه السلطة من الاستحقاقات التي تدهمها؟

ممّا لا شكّ فيه أنّ الارتباط الجيوبوليتيكي بين لبنان وسوريا قد فرض واقعاً اقتصاديّاً مترابطاً بين البلدين، والدليل في ذلك أنّ أيّ ازدهار أو انهيار إقتصادي في سوريا هو مرتبط بلبنان بشكل مباشر. فيما يتمايز لبنان عن سوريا في حال نجح بإقفال حدوده كليّاً أمام آفة التهريب. لكن الأجندة السياسيّة لهذه الأكثريّة التي تؤمّن استمراريّة لها في الحكم، حتّمت فتح الحدود أمام التهريب تزامناً مع التهرّب من الاستحقاقات الدستوريّة لإنقاذ النّظام السوري. ونجحت هذه السلطة بفكّ العزلة التي وضع المجتمع الدّولي فيها النظام السوري. وشكّلت بوّابة الحدود اللبنانيّة الحدّ من الانهيار الاقتصادي للنّظام في سوريا. ممّا أدّى بشكل مباشر إلى انهيار الاقتصاد اللبناني. وممّا لا شكّ فيه أنّ مساهمة أهل البيت بإشرافهم المباشر على عمليّات التهريب، فضلاً عن إدارتهم لملفّ الفساد في لبنان؛ هذه كلّها قد سرّعت في الانهيار الاقتصادي في ما تبقّى من دولة لبنانيّة.

من هذا المنطلق، يبدو أنّ المجتمع الدّولي قد قرّر ترك لبنان بعدما اختارت السلطة المنتخَبَة من اللبنانيّين ربط مسارها ومصيرها بالنّظام السوري. لذلك سنشهد في الأيّام القادمة مزيداً من الانهيار الاقتصادي، وحدها سياسة عدم التهرّب من الاستحقاقات الدّستوريّة، لا سيّما في الملفّ الحكومي، قد تحدّ من عجلة هذا الانهيار. وفي ذلك مصلحة للنظام السوري أيضًا. وإن دلّ ذلك على شيء فهو يدلّ حتماً إلى كلمة سرّ عابرة للحدود اللبنانيّة قد تصل إلى آذان الأكثريّة الحاكمة بتسهيل عمليّة الولادة الحكوميّة. وبالطبع ذلك، ليس لمصلحة لبنانيّة بل لمصلحة النّظام السوري حصراً.هذا من حيث التشخيص، أمّا من حيث الحلول فلا يبدو أنّ "قبّة الباط" المرتقبة ستكون في خدمة اللبنانيّين أنفسهم لأنّ الأدوات هي نفسها لم تتبدّل، ولن تتبدّل إلا إذا قرّر اللبنانيّون أن يقولوا كلمتهم في صندوقة الاقتراع. وعلى ما يبدو أنّ هذه المسألة بعيدة المنال بعدما نجحت هذه الأكثريّة بإلهاء النّاس بكيس الحليب، ومطرة الزيت، ورغيف الخبز، وعلبة الدّواء. وهذا ما أطال عمرها أكثر.

لذلك المطلوب اليوم تحرّك الدّيبلوماسيّة السيّدة الحرّة في لبنان باتّجاه عواصم دول القرار لترجمة مبادرة البطريرك الراعي سياسيّاً، لأنّ بكركي ليست قوّة سياسيّة بل هي مرجعيّة وطنيّة، وتحتاج إلى مواكبة سياسيّة لتستكمل طرحها في الوصول إلى حياد لبنان، وإقفال حدوده أمام التهريب، والانتهاء من سياسة التهرّب من الاستحقاقات الدستوريّة التي تنذر بالتهرّب من أكثر الاستحقاقات وطنيّة، ألا وهي الانتخابات النيابيّة للوصول إلى انتخابات رئاسيّة، تعيد فيها انتخاب النّهج نفسه. ولكن قد تكون بغير هذه الأسماء المستفزّة للإنقلاب على إرادة المبادرات الدّوليّة والاقليميّة التي تتحضّر في الأروقة الديبلوماسيّة للإنتهاء وللحدّ من المدى المقفل في لبنان.

ولن ينجح لبنان في تسجيل أيّ خرق محلّي مع هذه السلطة التي ستتزايد تهرّباتها من الاستحقاقات كلّها في هذه الفترة لسببين: الأوّل يكمن في إطالة عمرها في لبنان، والثاني لاستمرار فتح بوّابة التهريب على الحدود اللبنانيّة بهدف إطالة عمر الاقتصاد السوري وفرملته من السقوط المدوّي. وما لم يتوجّه السياديّون إلى الديبلوماسيّة الدّوليّة التي يجب أن تبدأ من بوّابة دولة الفاتيكان، لن يتمكّن لبنان من التحرّر من هذه الأكثريّة لأنّها استطاعت تطويع الدّستور والقانون بقوّة السلاح، ولنا تجارب في نتائج الانتخابات السابقة، ولسنا بوارد تكرارها مرّة جديدة. فالحلّ معروف، لكن هل مَن يجرؤ على اتّخاذ هذه المبادرة؟


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.