تونس تكمل دورها المتميّز على مسرح الثورات الهادئة. وليس أهم من الثورات التي صنعتها سوى كونها مترابطة ومتراكمة في مسار يكرس إستثناءات صعبة من القاعدة في العالم العربي. والأبرز في هذه الإستثناءات ثلاثة. أولها ثورة إجتماعيّة قادها الرئيس الحبيب بورقيبة بعد الإستقلال حققت تغييراً في النسيج الإجتماعي، فيما انشغل العالم العربي بالإنقلابات العسكرية لتغيير السلطة. وثانيها ريادة ثورات "الربيع العربي" والإنتقال السلس من النظام الشمولي إلى النظام الديموقراطي على عكس ما انتهت إليه ثورات ليبيا وسوريا واليمن من حروب وفوضى ودمار، وثورة مصر من عودة الجيش إلى الإمساك بالسلطة التي تسلط عليها الأخوان المسلمون. وثالثها ثورة ضمن الديموقراطيّة هي محاسبة الأحزاب والقوى الحاكمة والمعارضة عبر الإنتخابات الرئاسية وقطع الطريق على رموزها إلى قصر قرطاج. وهي عمليّا الثورة التي بشّر بها الكسيس دو توكفيل قبل قرنين بالقول: "الإنتخابات ثورات دستورية، وكل جيل هو شعب جديد".
ذلك أن الخيار أمام الناخبين كان واسعاً: 26 مرشحاً من أحزاب اليمين واليسار والوسط، من العلمانيّين والإسلاميين. لكن الخيار إلى جانب الذين اختاروا المقاطعة، كان من خارج هؤلاء: حصر التنافس في الجولة الثانية بين أستاذ قانون دستوري مستقل هو قيس سعيد، ورجل أعمال في السجن هو نبيل القروي. ولم يتأخر سعيد الذي بدأ كأنه من مدرسة دو توكفيل في ترجمة خيار الناخبين بأنه "ثورة في إطار الشرعية والدستور". ولا كان أبرز ما تحدث عنه سوى تركيز على "المجتمع المدني" ونقد المركزية الديموقراطية لمصلحة "الديموقراطية المحلية".
خيار تونس مغامرة تنجح أو تفشل. لكن الركود وصفة مؤكدة للفشل. ونحن في ركود مخيف. ولا مجال للمقارنة بين الوضع اللبناني والوضع التونسي، بعدما كان بينهما نوع من التقارب لجهة المجتمع المدني والحداثة، بعد المفاخرة بكون أميرة صور أليسار هي التي بنت قرطاج وأقامت أمبراطورية ناطحت الأمبراطورية الرومانية. فنحن في مسار مختلف: السلطة للأقوياء في طوائفهم. الإدارة لزبائن هؤلاء. مركزية في فيدرالية طوائف. لا مكان للمستقلين ولو كانوا أصحاب خبرة وكفاية. ولا ثورات دستورية في نظام طائفي.
خيار تونس أن تكون أرض الثورات الهادئة. ومن الظلم للبنان أن يبدو كأن قدره أن يكون أرض الأزمات المستمرة.