قلّة النوم ليلاً تُضِرّ بأمعائك

4 دقائق للقراءة

يكون التهاب الأمعاء ومشاكل مناعية أخرى أكثر شيوعاً تزامناً مع اضطراب أنماط النوم، بما في ذلك العمل الليلي. وفق بحث جديد، يمكن تفسير هذا الرابط عبر آلية معروفة سابقاً.

تتعلق هذه الآلية بالخلايا اللمفاوية الفطرية من النوع 3. تؤدي هذه الخلايا المناعية دوراً مؤثراً في السيطرة على الأيض والالتهابات وعمليات بيولوجية أخرى.

في تقرير نُشِر عن الدراسة حديثاً في مجلة "الطبيعة"، يوضح العلماء كيف استعملوا نماذج من الفئران لاستكشاف دور تلك الخلايا في الأمعاء.

يقول المشرف الرئيس على الدراسة، هنريك فيغا فرنانديز الحائز شهادة دكتوراه: "تقوم هذه الخلايا بوظائف مهمة في الأمعاء، فتحارب الالتهابات، وتتحكم بسلامة الظهارة المعوية، وتوجّه امتصاص الدهون".

يعمل فيغا فرنانديز في "مركز شامباليمود للمجهول" في لشبونة، البرتغال، ويرأس فريقاً من الباحثين لاستكشاف التواصل بين الجهاز العصبي والمناعة على المستوى الخلوي.

بحسب رأيه، قد يُسبب الحرمان من النوم أو تغيّر عادات النوم عواقب صحية وخيمة، ما يؤدي إلى نشوء أمراض مرتبطة بالمناعة، على غرار حالات التهاب الأمعاء.

كشفت الأبحاث أن العمل الليلي يزيد احتمال التعرض لمشاكل صحية على المدى الطويل. يصبح العاملون ليلاً لفترات طويلة مثلاً أكثر عرضة للقرحة، وبعض أشكال السرطان، والأمراض الأيضية، والبدانة، والاضطرابات الهضمية.

لفهم سبب ما يحصل، بدأ الباحثون في الدراسة الأخيرة بالتساؤل عن طريقة تأثير الساعة البيولوجية على الخلايا المناعية في الأمعاء. فلاحظوا أن الخلايا اللمفاوية الفطرية من النوع 3 تكون حساسة بشكل خاص تجاه تغيّر الجينات التي تتحكم بالعمليات الخلوية الإيقاعية. كما اكتشفوا دائرة تربط الساعة البيولوجية في الدماغ (على مدار 24 ساعة) بالخلايا اللمفاوية الفطرية في الأمعاء.

يبدو أن اضطراب تلك الدائرة التي تستشعر التغيرات في الضوء المحيط قد يغيّر جينات الساعة البيولوجية، وتؤدي هذه التغيرات الجينية بدورها إلى اختلال قدرة الخلايا المناعية على تنظيم صحة الأمعاء. أثبت العلماء هذا الأثر عبر إعاقة الساعة البيولوجية في أدمغة الفئران.

يذكر الباحثون في تقريرهم: "أدى تعطيل إيقاع الدماغ، جراحياً أو جينياً، إلى اختلال ذبذبات الخلايا اللمفاوية الفطرية الإيقاعية واضطراب البيئة الميكروبية وتغيّر أيض الدهون".

تراجع الخلايا اللمفاوية الفطرية في الأمعاء نتيجة اختلال الساعة الدماغية

تحمل جميع خلايا الجسم تقريباً جينات إيقاعية تساعدها على إتمام دورتها خلال 24 ساعة. تُبلِغ تلك الجينات الآلية الخلوية بالوقت كي تستعد العناصر البيولوجية في الجسم لنشاطات منتظمة، على غرار الأكل أو النوم.صحيح أن الجينات الإيقاعية في كل خلية تُحدّد الوقت بشكلٍ مستقل، لكنها تتكل على ساعة أساسية في الدماغ لضمان تناسقها. وبما أن دوائر الساعة في الدماغ حساسة تجاه الضوء الخارجي، يضمن ارتباطها بالجينات الإيقاعية في بقية مناطق الجسم التنسيق بين الوظائف الجسدية ودورات الليل والنهار.

اكتشف الباحثون أن تعطيل الجينات الإيقاعية الخاصة بالخلايا اللمفاوية الفطرية حصر وجودها في الأمعاء. يوضح فيغا فرنانديز: "أدت هذه العملية إلى نشوء التهاب حاد، واختراق حاجز الأمعاء، وتراكم دهون إضافية".

كشف تحليل آخر سبب التراجع الكبير في الخلايا اللمفاوية الفطرية في الأمعاء: يبدو أن تعطيل دائرة الساعة الدماغية يمنع إشارة مهمة من بلوغ الجينات الإيقاعية الخاصة بتلك الخلايا.

يؤثر فقدان الإشارة على بروتين يُبلِغ الخلايا اللمفاوية الفطرية العابرة بوجهتها. يعطي هذا البروتين مفعوله على شكل الرمز البريدي في أنظمة الملاحة، لكنه لا يستطيع تحديد ذلك الرمز من دون دائرة الساعة الدماغية.

يشعر الباحثون بحماسة شديدة بعد توصّلهم إلى هذه النتائج لأنها توضح سبب تدهور صحة الأمعاء ونشوء أمراض التهابية عند العمل ليلاً.

يفترض فيغا فرنانديز أن الجسم تطور مع الوقت كي تتمكن الساعة البيولوجية في الدماغ من إبلاغ الخلايا اللمفاوية الفطرية بمغادرة الأمعاء نهاراً، حين يكون الغذاء متاحاً، ما يؤدي إلى إضعاف نشاط تلك الخلايا في الأمعاء وتحسين أيض الدهون.

لكن تصبح الأمعاء أكثر عرضة للأضرار عند تراجع نشاط تلك الخلايا أيضاً. وفي ظل غياب الغذاء ليلاً، تأمر الخلايا الإيقاعية في الدماغ الخلايا اللمفاوية الفطرية بالعودة إلى الأمعاء لأداء مهام دفاعية وإصلاحية.

يكون هذا المحور العصبي المناعي على درجة عالية من التنظيم بفضل ساعة الدماغ، لدرجة أنّ أي تغيرات في عاداتنا تؤثر فوراً على تلك الخلايا المناعية القديمة والمهمة.