لبنان ينتقل من اللعب على حافة الهاوية إلى التخبط في الهاوية. وهي هاوية أزمات وطنية وسياسية قبل أن تكون اقتصاديّة وماليّة. لكنه ليس متروكاً من العرب والعالم، حيث الجهود الواضحة لمساعدته على الخروج من الهاوية. ومؤتمر "سيدر" واحد من السلالم الجاهزة للصعود. والمفارقة أن في الهاوية من يستمر في الحفر، خلافًا لما سُمي "قانون هيلي": أول شيء تفعله حين تكون في حفرة هو التوقف عن الحفر. والخطير ليس فقط العجز عن منع الحفر بل أيضاً تغطية من يحفر وأحياناً مشاركته.
ذلك أن ما يطلبه المجتمع الدولي من لبنان هو بعض ما يجب أن يطلبه لبنان لنفسه. فالرئيس إيمانويل ماكرون يكرر للرئيس سعد الحريري "إلتزام فرنسا أمن لبنان واستقراره"، ويطلب فعل كل الممكن لمنع "امتداد الصراعات الإقليميّة إليه". وإذا كان الحريري يعترف بأننا "لا نستطيع أن نكمل بالطريقة التي نعمل بها"، فإنه يعرف أن المشكلة تتجاوز طريقة العمل إلى نوعيته. فلا "النأي بالنفس" مطبق فعلاً حتى داخل السلطة، ولا الإصلاحات المالية والإقتصادية المطلوبة لتنفيذ الإستثمارات والمشاريع الموعودة في "سيدر" تكفي من دون إصلاحات سياسية. فالإقتصاد الريعي والمحاصصة السياسية توأمان. والمماطلة في إجراء الإصلاحات ليست لغزاً، لأن الإصلاحات تضرب مصالح التركيبة السياسية المتحكمة.
وليس واضحاً إن كان الصراع بين المحور الأميركي-العربي والمحور الإيراني سيقود المنطقة إلى حرب شاملة أو يبقى في إطار حرب العقوبات على إيران ووكلائها "وحرب العصابات" الجوية والبحرية التي تديرها طهران مباشرة وبالوكالة. ولكن الواضح أن لبنان مرشح لدفع الثمن في الحالين. فهو، على الرغم منه، ذاهب إلى الصراعات الإقليمية المطلوب منه الحؤول دون امتدادها إليه. وهو، بإعلان السيد حسن نصرالله، من ساحات "الحرب الشاملة" التي تهدد الجمهورية الإسلامية بشنها "من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي" رداً على "أية ضربة تستهدفها أميركية أو سعودية أو إسرائيلية". فضلاً عن أن ما يفرضه "ستاتيكو" اللاحرب الشاملة من إستنفار وقلق وعمليات عسكرية وأمنيّة ليس المناخ الملائم لتشجيع الإستثمارات في لبنان.
والسؤال المتفائل في أوضاع مزرية هو: هل وصلنا إلى حيث تنطبق علينا معادلة ماوتسي تونغ "إن الأشياء يجب أن تصبح أسوأ كي تصير أفضل؟". نخشى أن يصح فينا قول لمبيدوزا في "الفهد": "إن تغيّر كل شيء قليلاً جداً مثل أن تبقي كل شيء على حاله". والإصلاح يكون جذرياً أو لا يكون.