ما موقع الفنّ حالياً في ظلّ الإنهيار الصحي والأمني والاقتصــــــــــادي الذي نعيشه؟
نشهد كارثة إقتصادية عالميّة لا محليّة فحسب، إنما يتأثّر لبنان أكثر من سواه بسبب واقعه السياسي. نقف على المحكّ، من دون بوادر حلول أو تغيير في الأفق سياسياً وحكومياً، ما ينعكس طبعاً على واقع الفنّ الذي هو أوّل قطاع يتأثّر بالإنهيار، وآخر من يتعافى منه. إلى ذلك، يستمّر وباء كورونا بالإنتشار، لذا يقتصر النشاط حالياً على ذوي الإختصاص من مؤلفين موسيقيين أو باحثين أو ملحنين، لأن البلدان كلّها غير قادرة على إستقطاب الجمهور إلى مهرجانات وحفلات. برأيي يخجل الفنان من الصعود إلى المسرح للغناء والفرح، خصوصاً أننا في بلد موجوع من إنفجار 4 آب، ومن خسارة الأرواح بسبب كوفيد. طالما نعيش في حالٍ من الحزن، لا بدّ من إنسحاب الفنّ أمام وجع الشعب.
كيف تعايشت مع هذه الظروف؟
عشت في السنوات الثلاث الأخيرة حالاً من الحزن والخوف والترقّب، بسبب التغيّرات التي لم نتأقلم سريعاً معها. أحاول العودة تدريجاً إلى الفن، والتحضير للعام المقبل، الذي أتمناه أفضل على الصعيد الصحّي، لنتمكّن من السفر والتحرّك بسهولة أكبر من دون أن نتعرّض ونعرّض الآخرين للخطر.
كيف يحافظ الفنان على مستوى أدائه وقدراته الصوتية في ظلّ هـــــذا التوتّر المحيط به؟
إستطاع أهل بلدي العظماء والأقوياء، تحمّل هذه المصائب والصمود، رغم غياب الاستشفاء والدواء، وعدم توافر الغذاء والمواد الأولية التي نحتاج إليها في يومياتنا. يحتاج الفنان في مختلف القطاعات إلى إسترخاء وهدوء وراحة بال ليستطيع الإبداع، لكنه يواكب وجع الناس الذين ينتمي إليهم، ويتأثّر بأوضاعهم ما يحول دون قدرته على العطاء. شخصياً، خصّصت يومياتي للقراءة والإطلاع، فقرأت مقابلات فنيّة قيّمة، وتابعت حوارات مقدّمي برامج مثقفين مع الموسيقار محمد عبد الوهّاب والسيدة فيروز وعاصي الرحباني والكاتب سعيد عقل، لأستفيد من ثقافتهم الفنيّة والعلميّة. كما استمعت إلى أعمالٍ موسيقية، وبحثت عن قصائد جديدة بهدف تلحينها. إلى ذلك حضّرت برنامجاً جديداً لحفلٍ مرتقب، فضلاً عن المواظبة على تمارين الصوت.
كيف تعوّضين غيابك عن الجمهور؟
لا أحيي أساساً حفلات يومية أو أسبوعية، بل يتمحور نشاطي حول التلحين والتسجيل في الإستوديو وعرض أعمالي عبر يوتيوب، لكنه توقف فجأة بسبب هذه الظروف التي دفعتني إلى الخجل من الظهور أمام الجمهور المتألّم والمثقل بالهموم منذ 17 تشرين. ربّما أقدّم عملاً دينياً أو أتحدث عن موضوع معيّن في الإعلام، لكنني لن أحيي الحفلات التي ألغيتها هذا الصيف من ضمنها مهرجان بيت الدين. شخصياً، لم أكن مستعدّة للإستماع إلى أي أعمال فنيّة، أو التفكير بالموسيقى بعدما فقدنا أصدقاء ومعارف وأقارب بسبب الإنفجار والوباء. حالياً بدأت أستعيد راحتي النفسية، متمنية أن نتنفّس الصعداء مع مطلع العام المقبل لنعود إلى حياتنا الطبيعية.
بعد مرور عامٍ على جريمة 4 آب، هــــــل تخططين لمشروعٍ من وحي هذا الحدث؟
إهتممت قبل 4 آب، بأمور حياتية كثيرة إعتبرتها الأساس، إنما بعد حصول الجريمة، إعتنيت أكثر بالإنسان، وبمن يحيط بي، صديقاً أو قريباً أو من ضمن فريق عملي. ربما أفكّر بحفل موسيقي للتعبير عن الأمل، لكنني منذ ذلك التاريخ حسّاسة جداً ومتأثّرة بدموع أمهات الضحايا، لذا لا أشعر بقدرتي على مواساتهن في حفل أو في عمل يعبّر عن الألم. لهذا السبب، إلتزمت الصمت من أجلي ومن أجل أن تهدأ الأمور. في حال قررت تقديم مشروع أم لا في المستقبل، سيكون قراراً نابعاً من قناعة تامّة.
ما رأيك بالأعمال الفنية التي صدرت من وحي هذه الذكرى؟
أرى الفنّ أداة للتعبير، لذا يحق لكل شخص التعبير بحرية عن نفسه شرط ألا يُستغلّ هذا الألم والجرح الكبيران لإكتساب الشهرة، بل أن يكون العمل متجرّداً يشكّل وقفة تضامن في هذا الظرف. تتأرجح الأعمال المختلفة التي قُدمّت بين الجيّد والأقل جودة، ويخضع هذا التقويم إلى نظرة نسبية وفق ذوق كل متلّقٍ، ربما أحلّل العمل الفني إنطلاقاً من خبراتي الأكاديمية، فيما يُعجب آخرون بالمشهدية، لذا أحترم مبادرات الناس كلها، والزمن كفيل بالغربلة.
إنطلاقاً من متابعتك الأكاديمية لطلاب الموسيقـــــى، كيف تقيّمين متطلباتهم الحالية؟
شعرت لفترات طويلة أن هدف طالب الموسيقى إكتساب المعلومات فحسب. لكنني ألاحظ حالياً وعلى رغم الصعوبات كافة، جيلاً منفتحاً وواعياً، يدرك حاجته إلى الثقافة والمعرفة للإبداع، الذي لا يمكن أن يتحقق من العدم، أي من دون الإطلاع على التاريخ ومسار الفنّ. هناك إهتمام بإكتساب المعرفة والثقافة، مهما طال الوقت والجهد، ما يعجبني ويريحني لأنه يفسح في المجال أمامي للعطاء أكثر ونقل معلوماتي المكتسبة إلى المتعطّشين إلى المعرفة.
ألا تكفي الخامة الصوتية الجميلة برأيك لإنطلاقهم الفني؟
الموهبة والصوت والحضور والشخصية والثقة بالنفس والعلم والمعرفة نقاط أساسية لا يمكن غضّ النظر عنها. عند توافرها، يخوض الطالب تجارب الحياة للدخول إلى الوسط الفنيّ وإختيار الطريق التي يريد سلوكها والإقتناع بها. تحتاج طريق الفنّ الصعبة إلى تنازلات لدى شركة الإنتاج مثلاً، لذا يفضّل بعض الطلاب الإكتفاء بالدراسة، وإختيار حياة عائلية أو مهنية أخرى تؤمن راحة بال أكثر. برأيي إذا إجتمع الذكاء الشخصي والفنّي وقرر الطالب خوض هذه التجربة رغم صعوباتها، عندها ستكون النتائج جيّدة. يساهم الإنتاج في الإنطلاق السريع لكنني أحترم المبادرات الفردية التي تشقّ طريقها بنفسها، وهي تجارب لافتة.
هل يمكن تحقيق الحداثة مع المحافظة على التراث والتقاليد وبالتالي الهوية؟
لا يمكن الإنطلاق من العدم للتحديث. لقد إطلع الأخوان الرحباني إلى التراث اللبناني الذي سبقهما، وإستمعا إلى الزجل وتعرّفا إلى أهل القرى النائية حيث إستوحيا منها الألحان والكلمات لتقديم ما يشبه الهوية اللبنانية. نحافظ على هويتنا عبر الإستنباط من وطننا وعدم إستحضار الألحان من الخارج، لأن ذلك يُسمى منوّعات، لا فنّاً ولا هويّة، ويقتصر عرضه في الحفلات. يهدف أي عمل فنيّ، إلى إظهار فكرة لحنية معيّنة أو إلى العمل على المقامات لبلورة شكل غنائي جديد، وتقديم مواضيع جديدة. يمكن الإبداع في الفنّ والعزف والصوت، إنما يبقى الفنان مسؤولاً عن تقديم ما يحكي عن الوطن الذي ينتمي إليه.
لقد لقّبوا فيروز ووديع الصافي وصباح بسفراء لبنان لأنهم حملوا همّ الأغنية اللبنانية حول العالم، لذا يجب ألا يخجل الفنان من تراثه وهويته. شخصياً، أعود إلى حفلات علي حليحل، أقرأ كتب زغلول الدامور، أطّلع إلى كيفية تركيب لحنٍ ما، إذ يمكن من خلال هذه الأعمال إستنباط لحن أو كلمة، ننطلق منها لإكمال رسم هذه الهوية التي تعب كثيرون من أجلها.
أطلقت مواقف إنتقادية كثيرة تجاه مهرجان بعلبك هذا العـــــــام، ما السبب؟
أوّلاً، لا يمكن الصعود على مسرح بعلبك الذي هو وجه لبنان، بمظاهر غير لائقة، لا بدّ من لباس يحترم هيبته، مهما بلغ سنّ المغنّي. ثانياً، إفتقد المهرجان إلى لباقة في الكلام، حيث يمكن أن يتعرض أي شخص غير معتاد على الوقوف أمام الجمهور، للتلعثم، لذا وجب تحضير كلمات مكتوبة بدلاً من الإرتجال غير الموفًق. يتحمّل منظّمو المهرجان المسؤولية في هذا الإطار، فإذا لم يكن هؤلاء موسيقيين، أسوة بمنظمي المهرجانات العالمية، يمكنهم تكليف مستشارين للإطلاع إلى المستوى الفنيّ الذي يقدّم. ثالثاً، يتوجب أن يحاكي البرنامج المجتمع، فهو لم يتضمّن أي أغنية أو مشهدية تعبّر عنّا أو تشبهنا، كما إفتقد إلى مهنية في التقديم والعرض. لما لم يبحث المنظمون عن أصوات رائعة بين الطلاب المتخصصين في المعاهد والجامعات؟ لما لم يتواصلوا مع الفرق الراقصة المهمة مثل كركلا ذات الخبرة الواسعة في المسارح العالمية؟ لما لم يقدّموا فرقة دبكة تعبّر عن صورة لبنان؟ مشكورة اللجنة على جهودها في تنظيم مهرجان في ظلّ هذه الظروف، لكنني أنصحها بالوقوف عند رأي مستشارين فنيّين يؤمنون بلبنان وبالفنّ اللبناني. لا أرفض الفنّ الأجنبي إنما لا يحقّ لهم تقديم مهرجان لبناني، بمظاهر لا تمتّ لهذا الوطن بصلة على صعيد الشكل أو اللباس أو الأغاني أو الطلة أو الأداء.
أستذكر رئيس الجمهورية كميل شمعون الذي طلب من الرحابنة وفيروز إطلاق مهرجان بعلبك، فأرسلهم إلى إيطاليا لحضور الأوبريت هناك، وإستنباط فكرة تتُرجم على مسرح لبنان. هكذا إستوحى الرحابنة من التراث السرياني والزجل حواراتهم المسرحية. لا أرفض الحداثة والتجديد، إنما أدعو إلى إنتاج أعمال لفنانين صاعدين بدلاً من تقديم ما يشبه مسارح المطاعم في بعلبك. كما إنتاج عملٍ متكاملٍ يتضمّن فكرة معيّنة لتقديم عمل مسرحي وطني قيّمٍ، وهذا المشروع غير مكلف أساساً.
ما هي مشاريعك المقبلة؟
ألغيت نشاطات كثيرة في هذا الصيف بسبب خجلي من وطني وأهله وعدم إستعدادي نفسياً لإحياء الحفلات. أحضّر حالياً نشاطات عدّة للموسم المقبل، وأسطوانة لجولة أوروبا، وأتحضّر لحفل غنائي يقدّم الألحان السريانية في باريس. أتمنى أن يتعافى الوطن ويرتاح الناس، طالبة الرحمة لمن مات والرحمة لنا في هذه الحياة. كما أتمنى أن يدعم الناس بعضهم البعض ويتضامنوا، ويراعوا المشاعر في هذه المحنة الكبيرة. فلنرحم بعضنا بعضاً، حتّى تمرّ هذه الفترة على خير وننطلق إلى مرحلة جديدة في الوطن.