مايا الخوري

كتابه "العرض الأخير" يستعرض تاريخ السينما في طرابلس

المخرج هادي زكّاك: إستمرار الفنّ وإصدار الكتب فعل مقاومة

23 آب 2021

02 : 00

صدر المجلّد التوثيقي "العرض الأخير، سيرة سينما طرابلس" للكاتب والمخرج السينمائي اللبناني والأستاذ الباحث في معهد السينما في جامعة القديس يوسف بيروت، هادي زكّاك. زكّاك الحائز على جوائز عدّة في الأفلام الوثائقية السياسية والإجتماعية يحاول من خلال أعماله التنقيب في الحاضر عن آثار الماضي والمحافظة على الذاكرة. عن مضمون مجلّده، ورأيه في القضايا المعيشية والسياسية في البلد، يتحدث إلى "نداء الوطن".

عمَّ يتمحور كتابك "العرض الأخير"؟

يستعرض الكتاب تاريخ دخول السينما وصالاتها إلى طرابلس وتطوّرهما، وأحكي من خلالهما تاريخ المدينة، سارداً كيف تحوّلت السينما إلى جزءٍ مهمّ من الحركة الإجتماعية والسياسية، فضلاً عن طقوسها وتفاعلها وتأثيرها في المجتمع. كما تناولت إنعكاس الحرب عليها، وصولاً إلى مرحلة إقفال أبوابها. أمّا إنتشار كوفيد19، فشكّل الضربة القاضية للصالات، أي للمكان الذي يلتقي فيه أطياف المجتمع.

لماذا اخترت مدينة طرابلس؟

غالباً ما تهتمّ الأفلام الوثائقية بالمنفيين والذين لا صوت لهم. رغم أن طرابلس مدينة مهمة وكنز تراثيّ، إلا أنها منفيّة. كأن بيروت هي النجمة التي سرقت الأضواء كلها، حارمة المناطق الأخرى من أضوائها. إلى ذلك، أضاعت العاصمة صالات السينما القديمة مع مشروع إعادة الإعمار، بينما حافظت طرابلس عليها كأثر لعراقتها وعراقة لبنان بشكل عام. وما صمود هذه الصالات برأيي سوى دلالة إلى أنها شكّلت معابد يتوجّه إليها المواطنون في أيّام إستراتيجية كيومي الجمعة والأحد، على خلاف صالات المولات التي تقتصر على الإستهلاك السريع.

ألست مغامراً في إعداد مجلّد توثيقي مطبوعٍ في ظلّ ظروفنا الصعبة؟

أرى حياتنا اليومية مغامرة بحدّ ذاتها، إنما تحقيق هذا الوثائقي هو فعل مقاومة وصمود لأن كلّ ما يحيط بنا يعمل على تدميرنا تدميراً شاملاً، بعدما إقتصر تفكيرنا اليومي على تأمين تنكة البنزين والكهرباء. يجب التفكير بسبب بقائنا هنا وكيفية المحافظة على هذا البلد ذي الطاقات الهائلة، إلى جانب التحديات اليومية الصعبة. بدأت منذ 4 أعوام التحضير لهذا الوثائقي المتشعّب والبحثي الطويل، والتنقيب لإيجاد الأماكن والناس والآثار، لكننا واجهنا مراحل وتحديات كثيرة بسبب إنتشار الوباء وإنطلاق الثورة. على كلٍ، تبقى مسيرتنا الثقافية والفنية في هذا البلد تحدّياً بحدّ ذاته.

هل سيكترث اللبنانيون الذين يعانون من ظروف معيشية ضاغطة للثقافة والقراءة؟

لم أدعُ إلى توقيع كتابي تحسّساً للظروف الإقتصادية الصعبة، خصوصاً أن المجلّد مكوّن من 618 صفحة، ويتضمن أكثر من 750 صورة ومستند. برأيي، يرتبط إستمرار الأعمال الفنية وإصدار الكتب في خلال الحرب بعملية الصمود، لنتذكر الناحية الأخرى من لبنان، بمعنى أن هناك معارك أيضاً لصناعة الثقافة في البلد.

أي عبرة تستخلص في التنقيب عن تراث الماضي وآثاره؟

إن مشروعي في هذا الإطار تراكمي عبر السنوات لأنني من جيل بدأ التطوّر بعد الحرب، خصوصاً بعد صدور قانون العفو والنسيان الذي أدخلنا في عملية فقدان الذاكرة. لذلك أشعر أنني عالم آثار أنقّب عمّا تبقّى قبل زواله، لإبتكار تواصل مع الماضي، أفهم من خلاله الحاضر وما بقي لنا للمستقبل. عندما ينشر الناس صوراً من الماضي، معلّقين "من الزمن الجميل"، يتناسون أن هذا الماضي لم يكن دائماً جميلاً وشُنّت فيه الحروب. علينا تفعيل ذاكرتنا كي نتعلّم فنتقدّم، يجب أن نظهر الترابط ما بين الماضي والحاضر لنتعلّم شيئاً للمستقبل.



دعوت عبر مواقع التواصل الإجتماعي لإستقبال 4 آب بصمت، عن أي صمت تتحدّث ولماذا؟

أقصد الصمت إحتراماً للضحايا والمدينة وكل التاريخ. توقّعت للأسف أن يحصل إستغلال للحدث، ربما عن نيّة طيّبة، لإبكاء أهالي الضحايا والتركيز على الدمعة، محوّلين الذكرى إلى مهرجان بينما هي لحظة صلاة صامتة. أفهم لحظة الصمت إحتراماً لهذه المناسبة أكثر من إقامة الطقوس الدينية. برأيي، نحتاج إلى الصمت في خضمّ التراشق الكلامي والكذب والخطابات وفي ظلّ الظروف الصعبة التي نعيش. كما تحتاج المدينة إلى الصمت بعد كل ما عاشته وعشناه، لكنهم حوّلوا مسرح الجريمة إلى إستديو من دون إحترام الموت. نسعى غالباً إلى إستهلاكٍ للدخول إلى "الميلودراما" في حين أن الواقع كله ميلودرامي ولا يحتاج إلى دافع خارجي.

برأيك لو تحققت العدالة، ألم تكن لتمرّ الذكرى بصمت؟

أدعم أهالي الضحايا في كل تحرّكاتهم، فهم يشبهون أهالي مخطوفي الحرب الذين لا يزالون يبحثون عن الحقيقة والعدالة التي لن يجدوها في هذا البلد. وهم يملكون مطلق الحرية في التعبير عن هذه المناسبة إنما هناك مؤسسات قد حوّلت الذكرى إلى حدث إستهلاكي، رغم أن النية قد تكون طيّبة.

تنشر صوراً قديمة أحياناً بدون تعليق، وكأنها أبلغ من الكلام فــــــي ظروف مماثلة؟

نعيش في بلد تنتهي أزماته بالتسويات بين الأطراف كافة، رغم أننا نحلم بالمواطنة وببناء الوطن. مررنا بحرب أهلية وباقتتال تاريخي، لذا لا بدّ من أن نكون قد تعلمنا كيفية ردع من يريد اللعب على الغريزة. لهذا السبب، أستخدم صوراً من أرشيفي الخاص من الماضي أو من الحاضر للتعبير عن ألم الواقع ومأساته وفساده. أحاول من خلال الماضي فهم الحاضر لا للتغنّي به، بل لأنني أجد عملية تواصل بينهما.

إنطلاقاً من مواكبتك السينمائية والوثائقية لكثير من المحطات التاريخية في لبنان، بمَ تشبّه هذه المرحلة؟

تذكّرنا بمرحلة 89-90 عبر وجود الشخصيات نفسها تقريباً بمواقع السلطة. إذا تذكّرنا جيّداً، تشبه آخر مرحلة من الحرب الأهلية. برأيي نعيش دورة متكرّرة من الهدنة والحروب. بعد مرورنا 15 عاماً بهدنة ما يسمّى الوصاية السورية، دخلنا في حرب أهلية غير معلنة منذ آذار 2005، بين طرفي النزاع السني والشيعي. ما زلنا نعيش هذه الحرب التي بلغت ذروتها حالياً، وهي تنذر بخاتمة شبيهة بـ89-90. ما اقترابنا من التدهور حالياً، سوى إقتراب من التسوية، التي لا تنذر بشيء إيجابي للوطن، بل تكون إنتصاراً لأحد المكوّنات الطائفية على المكوّنات الأخرى. أنطلق في هذا الرأي من قراءتي للحركة ما بين الماضي والحاضر.

كيف سيذكر التاريخ هذه المرحلة؟ وهل تفكّر بتوثيقها في صور أو فيلم؟


تعلّمت بفضل الخبرة والزمن الوقوف على مسافة من الأحداث لانتاج علاقة جدلية مع المرحلة التي أريد توثيقها.