التحفيز العميق للدماغ يعالج الاكتئاب الحاد؟

01 : 11

راقب الباحثون مشاركين لديهم أسلاك مزروعة وعاملة بالتحفيز العميق للدماغ طوال ثماني سنوات، واكتشفوا أن هذا العلاج قد يفيد المصابين باكتئاب حاد.

سبق وصادق المنظّمون الأميركيون على التحفيز العميق للدماغ لمعالجة مرض الباركنسون، والصرع، والرعشة الدائمة، واضطراب الوسواس القهري. يقضي العلاج بزرع أسلاك في الدماغ وجهاز تحفيز في الصدر أو البطن. يبث جهاز التحفيز نبضات كهربائية خفيفة في الأسلاك، على طول وصلة تحت الجلد. يسمّيه الأطباء أحياناً جهاز تنظيم ضربات القلب. يزرع الجراحون الأسلاك في مناطق دماغية مسؤولة عن أعراض حالة معينة. في ما يخص مرض الباركنسون مثلاً، تُزرَع في منطقة تتحكم بالحركة.

نُشِرت نتائج الدراسة في "المجلة الأميركية للطب النفسي"، حيث زرع الجراحون الأسلاك في القشرة الحزامية السفلية. أشرفت على الدراسة هيلين مايبيرغ، أستاذة في علم الأعصاب وجراحة الأعصاب والطب النفسي في كلية "إيكان" الطبية في جامعة "جبل سيناء"، نيويورك.

كانت مايبيرغ وزملاؤها يحللون القشرة الحزامية السفلية، باعتبارها هدفاً محتملاً لمعالجة الاكتئاب الحاد، منذ أكثر من عشر سنوات. فأثبتوا في العام 2005 أن التحفيز العميق للدماغ في القشرة الحزامية السفلية قد يفيد المصابين باكتئاب حاد، إذا كانوا لا يتجاوبون مع العلاجات المتاحة الأخرى.

بعد اكتشاف هذه النتائج، توصلت دراسات أخرى إلى الاستنتاجات نفسها، بعدما شارك فيها مصابون باكتئاب حاد تلقوا علاجاً مماثلاً. في هذه الدراسات، يعرف جميع المشاركين والمعالجين ما يأخذونه ولا يُستعمَل أي دواء وهمي.

لكن في التجربة العيادية العشوائية التي جرت في مراكز متعددة، أوقف الباحثون الدراسة في مرحلة مبكرة. صحيح أن العلاج بدا آمناً وعملياً، لكن لم يُسجَّل أي تحسن بارز من الناحية الإحصائية في أعراض الاكتئاب بعد مرور ستة أشهر.

في تلك التجربة، قارن الباحثون أثر العلاج الحقيقي بعلاج مزيف. لم يعرف المشاركون ولا مقدمو العلاج طريقة تقسيم الأفراد بين المجموعتين. حين يكون التحفيز العميق للدماغ مزيفاً، تجري عملية الزرع ومراقبة جهاز التحفيز بطريقة طبيعية، لكن لا يبث الجهاز أي نبضات في الأسلاك داخل الدماغ.

في غضون ذلك، تابعت مايبيرغ وفريقها مراقبة المشاركين في الأبحاث السابقة لمعرفة ما حصل لهم مع مرور الوقت. توضح مايبيرغ: "صحيح أن التجارب الأكبر حجماً توقفت في مرحلة مبكرة، لكن حين تابعنا مراقبة المرضى من التجارب السابقة، لاحظنا أن وضعهم تحسّن مع مرور الوقت، حتى أن ذلك التحسن كان دائماً. على مر ثماني سنوات، أبدى معظم المشاركين في دراستنا استجابة مضادة للاكتئاب تجاه التحفيز العميق للمنطقة 25 الدماغية، وكانت تلك الاستجابة قوية ومتواصلة".

وفق منظمة الصحة العالمية، يصيب الاكتئاب أكثر من 300 مليون شخص عالمياً. وقد تصبح أعراضه حادة لدرجة أن تؤثر على نوعية حياة المريض وقدرته على إتمام نشاطاته اليومية.

يترافق الاضطراب ثنائي القطب (كان الأطباء يسمّونه سابقاً الاكتئاب الهوسي) مع أعراض مشابهة لمؤشرات الاكتئاب. قد يُعقّد هذا التداخل تشخيص الحالة، لا سيما إذا طلب المرضى مساعدة طبية خلال نوبة الاكتئاب.

في الدراسة الجديدة، حلل الباحثون بيانات جُمِعت خلال فترة تتراوح بين أربع وثماني سنوات، وشملت 28 شخصاً شاركوا في تجربة عيادية عن التحفيز العميق للدماغ في منطقة القشرة الحزامية السفلية لمعالجة الاكتئاب، علماً أنهم لم يتجاوبوا مع العلاجات الأخرى.

كان 20 شخصاً مصاباً باضطراب الاكتئاب الحاد، و7 بالاضطراب ثنائي القطب (تكون نوبات الهوس في هذه الحالة أقل تطرفاً). أما المشارك الثامن والعشرون، فشُخّص لديه اكتئاب حاد ثم عاد وأصيب بالاضطراب ثنائي القطب.

كشفت النتائج أن معدلات الاستجابة بقيت بمستوى 50% وما فوق، بينما بلغت معدلات ركود المرض 30% وما فوق خلال فترة ممتدة بين سنتين و8 سنوات.

أبدى حوالى خِمْس المشاركين (21%) استجابة متواصلة تجاه العلاج طوال فترة المتابعة بعد مرور السنة الأولى. كذلك، نشأت استجابة قوية لدى ثلاثة أرباع المشاركين طوال نصف فترة المتابعة على الأقل.

بقي 14 مشاركاً من أصل 28 تحت المراقبة طوال 8 سنوات على الأقل، فيما اكتفى 11 شخصاً بأربع سنوات.

تؤكد هذه النتائج برأي الباحثين على أمان التحفيز العميق للدماغ في منطقة القشرة الحزامية السفلية لمعالجة الاكتئاب الحاد على المدى الطويل. يراقب فريق البحث حتى الآن وضع المشاركين الذين يتابعون العلاج. تقول المشرفة الأولى على الدراسة، أندريا كرويل: "صحيح أن التجارب العيادية تهدف عموماً إلى مقارنة العلاجات الناشطة بالأدوية الوهمية على المدى القصير، لكن تكشف أبحاثنا أن أهم نقطة قوة في تقنية التحفيز العميق للدماغ لدى هذه الجماعة العيادية التي يصعب علاجها تكمن في آثارها المتواصلة على المدى الطويل".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.