جورج بوعبدو

فيلمها "السجناء الزرق"... يُظهر إبداعها بالحقل الانساني

المخرجة زينة دكاش مكرّمةً: لا أخاف المساجين وأسعى لانتزاع حقوقهم

30 تشرين الثاني 2021

02 : 00

زينة دكاش وأليس مغبغب

ضمن إطار مهرجان بيروت للافلام الوثائقية والفنية BAFF الذي انطلق في الشهر الحالي ويستمرّ لسنة كاملة، عرضت مديرة المهرجان أليس مغبغب فيلم "السجناء الزرق" آخر أعمال المخرجة زينة دكاش. ليس الفيلم ببعيد عما أنتجته دكاش سابقاً فهو الثالث من نوعه الذي يتناول السجون اللبنانية بقوانينها المجحفة وأحوالها المأسوية. وقد حاز أول عمل، أطلت به المخرجة في هذا الحقل في العام 2009 والذي حمل عنوان "12 لبنانياً غاضباً"، وكان مسرحية وفيلماً في آن من تمثيل المساجين أنفسهم، جائزة «المهر الذهبي» و«جائزة الجمهور» لأفضل وثائقي في مهرجان دبي. وكان لفيلمها وقع حسن على المساجين إذ اثمرت مطالبته بتعديل قانون العقوبات للمساجين بتخفيض مدة ذوي السلوك الحسن، فاستفاد منه عدد كبير من المحكومين. فيلمها الثاني في المجال "يوميات شهرزاد" أبصر النور في العام 2013، وسلّط الضوء على السجينات اللواتي قتلن أزواجهن انتقاماً مما تعرّضن له من عنف أسري، وكان له الفضل في تفعيل قانون العنف الأسري بتشريع صدر في العام 2014.


كريستينا هايدن ممثلة السفيرة الأميركية دوروثي شيا


وكأفلامها السابقة كان لفيلم "السجناء الزرق" الوقع نفسه على الحاضرين في الصالة. الذهول نفسه والحزن ذاته فيما يمرّ الشريط الموثق لزنزاناتٍ تقتل البشرية وتصنع، بلا شك، من مرتكِب الجنح شخصية مكسورة او مجرمة في أحسن الاحوال، إذ لا مجال لترميم الانسان هنا بل المزيد من الامعان في تحطيمه. والقصة هنا مستمدة من روتين ساكني المأوى الاحترازي، ذلك المبنى الازرق، حيث يرمى من يعانون اضطرابات نفسية ليعيشوا في أروقته عيشة الكلاب الداشرة. هنا لا رعاية على الاطلاق. لا شخص يتفقدك، يسأل عن جوعك أو مرضك أو يسامرك لمجرّد التسلية. هنا لا اهتمام بنظافتك أو حصولك على أدنى حدّ من كرامة العيش. هنا تختفي من الوجود فلا تعود مرئياً إلا لمن هم مثلك ممن يدورون في دوامة لامتناهية.



وشاءت دكاش هذه المرة أن يمثل المحكومون بجنح وجرائم مختلفة حياة أشباههم من المرتكبين، ولكن المحبوسين في المأوى الاحترازي بعيداً من الآخرين. هؤلاء المنبوذون ممن خسروا العقول وأضاعوا الرشد فحكم عليهم بالسجن حتى الشفاء. وتركت المخرجة للمحكومين حرية اختيار الدور الذي يفضلون، فاختار احدهم عيتاني، الذي كان ذات يومٍ استاذ رياضيات ولغة عربية، ولكنه أمضى 37 سنة في السجن كفيلةً بألا يعرف أنّ الثلاثة آلاف ليرة لبنانية لا تسمح له بشراء شقة للزواج، فيما فضل آخر دور "زوادة"، الرجل الذي يجوب باحة السجن ذهاباً واياباً، غير قادر على الوقوف في مكانه لحظة وينهال عليه الكبير والصغير ضرباً. لعله اختاره لأنه كان مدعاة شفقة، كأنه بذلك يكفر عن ذنب الجرم الذي ارتكبه. المحكوم الفلسطيني طاهر الزعبي اختار أداء دور الطفيلي كونه قضى معه وقتاً في سجن زحلة قبل نقلهما الى سجن رومية، وكانت سجائر علبة "الدافيدوف" وركوة القهوة كفيلة بنسج رابط قوي بينهما. محكوم واحد فقط كان له البقاء على حاله، دون تقمص شخصية غيره، الفيلسوف "تليجة" الذي سمحت له زينة بأن يحضر كل جلسات التدريب للتمثيل كي يطلق أحكامه، وهي جملٌ تجعلك لشدة واقعيتها تنسى للحظة أنها صدرت عن شخص لا يتمتع بالاهلية الفكرية.


دكاش في حوار صريح مع الجمهور


وثمة رابط مشترك، خيط غير مرئي يربط الشخصيات كلّها: المصير ذاته بين حيطانٍ متسخة تحمل جرح ايامهم الرتيبة ومستقبلهم المفتقر الى أفق. وتكاد تشعر أنّ المساجين يمثلون حياة اللبنانيين جميعاً. كأننا كلنا فئران تدور في الدوامة نفسها يحركها سجان يملك المفاتيح، وقد وضعنا فيها كي يرفه عن نفسه. "لبنان بلد الاضطرابات النفسية" يقول أحد المحكومين، "حبذا لو كان عندنا وزير للسعادة"، يقول آخر، "لن نخرج من النفق من دون مساعدة اختصاصي"... تكاد تجزم بأنّ هؤلاء هم اصحاء أكتر ممّن هم خارج الزنزانة.


دكاش مع ميرال مرسي مديرة EgyptAir


"داخل السجن أشعر براحةٍ تامة. في سجن رومية أشعر بأنني في محيطٍ لا يشعرني بالقلق. لا زيف هنا. لا تصنّع أو افتعال. أنا مع أشخاص يقولون الامور كما هي. لا يخافون من اظهار ضعفهم ووجهم القبيح. هؤلاء لا أخاف منهم ابداً. من هم خارج السجن هم الذين يدبون الذعر بداخلي فعلاً"، قالت دكاش في حلقة الاسئلة والاجوبة التي غالباً ما تتبع بعد عرض أفلامها.



وهكذا تبرهن دكاش مرة أخرى أنها صنعت من فنها رسالة انسانية سامية، فنجحت في نيل ثقة السجناء مستخدمة الدراما نفسها للعلاج. "أيعقل أنّ يكون المريض النفسي في لبنان محكوماً بقانون صدر في العام 1943، ومفاده بأن كل مجنون ومعتوه وملموس ارتكب جرماً يبقى في السجن لحين الشفاء؟ ألا يعني ذلك حكماً بالمؤبد؟ وألا يؤدي عدم متابعة حالته من أطباء متخصصين، إلى تفاقم مرضه؟"، تقول مستهجنةً. وتتابع: "قضيتي هي أن أسعى لتمرير قانون في البرلمان يحفظ للمساجين حقوقهم فأنا أعمل للانسان وذلك همي الاساسي".


مغبغب بين هرمالة يفطر من السفارة الأميركية وهايكي فاندرماندر من السفارة البلجيكية


وفي ختام الامسية دعت مؤسسة المهرجان أليس مغبغب كلّاً من سفراء إسبانيا، سويسرا وايطاليا، بالاضافة الى السكرتير الاول في السفارة البلجيكية، وممثلة السفيرة الاميركية دوروثي شيا كريستينا هايدن والملحقة الثقافية في السفارة الاميركية هرمالة يفطر، للانضمام الى دكاش على المسرح ليتمّ تكريمها بأول جائزة ابداعية للمهرجان بعنوان "Golden Fireflies"، فضلاً عن بطاقة سفر من شركة EgyptAir سلّمتها اياها مديرة الشركة في لبنان ميرال مرسي، فاغرورقت عينا دكاش بالدموع وعلّقت شاكرةً مغبغب: "هذا النوع من الالتفاتة الكريمة هو الذي يصعّب عليّ مغادرة بلدي الذي أراه بألمٍ كبير ينهار أمام عينيّ من دون أن أقوى على شيء. هذا الدفء الذي ألمسه من الناس هو الذي يشعرني بأن الأمل ما زال موجوداً".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.