مجيد مطر

في نقد الثوار لا الثورة

10 كانون الأول 2021

02 : 00

كشفتْ بعض مراحل الانتخابات النقابية أو الطلابية التي حصلت مؤخرا تباينات جوهرية بين الثوار، التي أدت نتائجُها لا الى خسارةٍ، قد تكون مفهومة ومبررة لأكثر من سبب عقلاني، إنما ما كشفته النقاشاتُ اللاحقةُ لتلك الانتخابات، نمّا عن انقسامٍ عامودي بين الثوار، يشي بكثيرٍ من النواقص في فهم طبيعة المواجهة السياسية والتحضير لها في افقٍ تغييري حقيقي في لبنان، ينطلق من قراءة علمية وواقعية لموازين القوى، ولحجم الخصم المطلوب ازاحته عن السلطة. وكما هو معروف، نتيجة لسلوك سياسي هش من قبل البعض ممن ينطقون باسم الثورة، فقد تشتت كتلة التصويت بين اكثر من مجموعة، وكلُ تشتتٍ في القوة دليل على سوء إدارة وتكيّف مع الواقع كما هو، لا كما يجب أن يكون.

إن ضرورة قراءة تلك النتائج والبناء عليها لتدارك تاثيراتها المستقبلية، يجب أن تأتي لا على قاعدة تقويم عدد الأصوات، أَو السلوك الانتخابي للمقترعين، بقدر ما يجب أن تنصبَ على إدارة صياغة التحالفات، والعقلية التي تحكمت في مجمل النقاشات، التي ظهر بعضٌ منها في الاعلام، أو في مواقع التواصل الاجتماعي، فبدا ذلك النقاش أنه لا يلامسُ الواقع، بل يتجاوزه بطريقةٍ صبيانية لا يعرف الف باء صياغة التحالفات بين القوى المختلفة في الفكر او المصالح، او يجمعها هدف التغيير كوجهة أولية لكل ضغط سياسي تقوم به قوى الثورة. فلا قدرة على استخدام التكتيك المشروع، وتحديد وأين يمكن التنازل، وما هي الأهداف الاستراتيجية المحددة وممكنة التحقق.

فقد انصب "جُلُّ" نقاشهم على فكرة "النقاء الثوري"، او الدعوة الى بناء تحالفاتٍ مصلحية، وفي كلي المعسكرين لم نجدْ فكرا متماسكا يجيب على الأسئلة التي بنبغي ان تحكم كل برنامج عمل. فالذي يرفض التحالف مع قوى سبق لها أن كانت في السلطة وخرجت منها لم يقدم رؤيته العملية كذلك الفريق الاخر. فلا إجابة حول اين يمكن أن نتقدم خطوة الى الامام، ونتراجع خطوتين!.

واذا اخذنا نتائج نقابة المحامين، فإنها تدلنا على فشل في إدارة التنوع داخل جسم الثورة، أي إن عدم الاتفاق على لائحةٍ موحدةٍ، يعني أن المصالح المتضاربة أدت الى تشرذم وضياع. والطهرانية او التصلب الأيديولوجي الذي يقول "أنا على حق" او أنا الخير المطلق"، يؤكد أن البعضَ غيرُ قادرٍ على فهم الصلات العميقة بين الإمكانيات الواسائل، كذلك يؤكد على خلط صبياني بين الرغبات والوقائع على الأرض.

فالافادة من التناقض وتبادل المصالح مع آخرين يدخل في صلب السياسة بمعناها السياسي.

اذا أراد الثوارُ فرضَ معطياتٍ سياسية متماسكة، يتطلب من المجموعات الثورية وضع خطةٍ استراتيجيةٍ تشير الى وعي حقيقي بالامكانيات المتاحة لتحقيق الغايات التغييرية المنشودة، مع فهمٍ معمق للعلاقة بين النهايات والوسائل، والا بتنا امام ترفٍ سياسي يحوّل الثورة الى منصةٍ للبروز الشخصي وصراع الانانيات. يجب أن يتم تحديد موقع كل طرف في الثورة وقدرته على المساهمة في انتاج خطة استراتيجية، قصيرة،متوسطة، وطويلة الاجل. فالعشوائية تنفي الرصانة في بناء التحالفات السياسية القائمة على مشروع سياسي يستوعب التنوع ولا يتجاهل مصالح الحلفاء، كما ويجيد اكتساب الأصدقاء وتحييد الخصوم.

من يقرأ التجارب الثورية في التاريخ،يخلص الى انقسام مختلف قوى الثورة في لبنان، كما برز مؤخرا، وهو انقسام يقول الكثير والخطير في آنٍ واحد، ويدلُ على نقاط ضعف كامنة: فلا مقدرة على الإفادة من تراكم الإنجازات، تشوش فكري، عجز عن خلق توازن في مواجهة السلطة، مبالغة في ادعاء القوة والتنظيم، تباينات حول البديهيات، فشل في تحديد سقف خطاب سياسي مرحلي يأخذ في عين الاعتبار المشارب المتنوعة لكل من يريد ان يساهم في تفعيل الثورة كمساحة تستوعب الجميع.

السلطة بتماسكها هي السلطة، بينما المعارضة الثورية غارقة في عمليات التصنيف الذاتي، والتنميط الأيديولوجي، والانتخابات القادمة ليست تفصيلا عابرا والاستمرار في الغوص في متاهات الخلافات والعصبيات والانانيات سيكون له الأثر القاتل على أي حركة تغييرية تشكل البديل في المستقبل.

بدون انحياز أو تعميم، لقد خبرنا من خلال فعاليات الثورة على الأرض، ثمة من فرض نفسه من خلال رتبة عسكرية سابقة، او تجربة نيابية او وزارية، او من خلال لقب ديني وراثي، معتبرا نفسه مخولا القيادة، وفرض نفسه على الثوار الاخرين، في تصرفات تعكس تسلطية لا يقلُ وهجُها عن تسلط من في السلطة، فلا استغراب في ذلك كون الثورة يشارك فيها الكثيرون من مشارب وعقليات وأفكار مختلفة، الانانيون والمخلصون الخ..

يبقى أن نجهد جميعا لتحمل المسؤولية، وتكريس الممارسة الديمقراطية الحقة لتنقية الثورة من شوائبها الطبيعية والمفتعلة، فليس امام الشعب اللبناني سوى إعادة ذلك المشهد الوطني التاريخي الذي عكس صورة حضارية للشعب اللبناني الذي ضرخ وجعا في طرابلس فسمعه من في الجنوب.. لأجل هؤلاء فقد حقّ نقد الثوار كي لا نكون امام ثورة مغدورة.

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.