د. فادي كرم

المُهادنة أو المواجهة

3 كانون الثاني 2022

02 : 00

تسعى بعض الأطراف السياسية اللبنانية للمزج بين المفاهيم السياسية والظروف المُرافقة لها والناتجة عنها بقصد تبرير تحالفاتٍ شيطانية تنسجها وصفقاتٍ مُذلِّة تعجنها، ولأجل إتمامها لتلك الخطايا المُدمِّرة للوطن تحت جنح الظلام وخلف الغبار المُفبرك، تشنُّ هجوماً مسبقاً على الأخصام وتعمل جاهدةً لتشويه تموضعات المعارضين لصفقاتها وتسوياتها. لا يخلو العمل السياسي في دول العالم المُستقرّ والمتطور من مناوراتٍ مشابهة، ولكن تأثيراتها السلبية في تلك الدول محدودة، حيث إنها تنخفض الى مستويات ثانوية على المصير الوطني.


أمّا في لبنان فترتفع أضرار هذه المنهجية الى مستوى الخيانة الوطنية التاريخية والخطيئة المميتة، خاصةً عندما تجري في ظروف إنهيارية إستثنائية ناتجة عن ألاعيب هذه الأطراف السياسية المُتكرِّرة وغير المسؤولة. وكما قال سيادة متروبوليت بيروت وتوابعها المطران الياس عودة في رسالته الأخيرة: "من لا يُحاسب المُسيئين إلى الدولة وسيادتها وهيبتها شريكٌ في الإساءة إلى الدولة، ومن يُعيق قيامة الدولة أو يُصادر قرارها أو يورّطها في نزاعات هي بغني عنها لا يعمل من أجل مصلحتها، ومن يدّعي العفّة لكنّه يُغطّي الفاسدين هو فاسد ومذنب مثلهم، ومن يغضّ الطرف عن سلاح خارج الشرعية مجرم بحقّ الوطن"، فإن أكثر المحاولات التي تصنّف في عداد هذه السياسة المدانة وطنياً ووجدانياً، التسويق المُستمر لمعادلة المُهادنة مع "حزب الله"، والتي بدأت بتفاهمات التيار العوني مع هذا الحزب الخارق للسيادة اللبنانية، وأفضت الى إتفاق التبادل بين الخضوع لدويلته مقابل نيل المكاسب السلطوية والتحاصصية.


وممّا يزيد الطين بلِّة مؤخراً أن بعض المجموعات المُنتفضة شكلاً على الواقع الشاذ الذي يمرّ به الوطن تتبنّى هذه المعادلة. فبالرغم من فقدان التيار العوني القدرة على الخروج من السجن الذي وضع نفسه فيه عندما تخلّى عن هويته السيادية وذهب الى التسويق للمهادنة مع الدويلة وأجرى الإتفاقات مع المُهادن، وبالرغم أيضاً من مسؤولية هذه المعادلة في إيصال لبنان الى الوضع الإنهياري، فقد إنضم مؤخراً وللأسف بعض المجموعات التي تدّعي الإنتفاضة على المنظومة وتنادي بتغيير الواقع الحالي، ليتبيّن أنها ليست فعلياً ضد المعادلة المسؤولة عن كل ذلك، بل ضد المُهادِن، بهدف الحلول مكانه، وليس المُهادَن الذي تطمح للتفاهم معه. إن تعميم هذه المجموعات على أتباعها والمغدورين بها بضرورة عدم التطرّق لسلاح "حزب الله" وتمسّكها بإعتباره سلاح مقاومة ليس إلا ترداداً للخطيئة التي أسقطت الوطن ودمّرت السيادة وأفقدت السلطة دورها، وما تكرار الخطيئة إلا غباء سياسياً مُكلفاً وقصاصه كبير.


المقصود من معادلة المُهادنة هو تبرير المنهجية التراجعية أمام الفحش والعدوانية الكامنة في إستراتيجية "حزب الله" والتي خدمته لسنواتٍ طويلة وسهّلت له تفاهماتٍ مع صغار النفوس والأهداف. فبحجّة الحرص على السلم الأهلي والعمل لتجنيب لبنان المواجهات الداخلية العنفية، نجح منطق المُهادنة في أن يطغى داخلياً وخارجياً، ولكن النيات الصادقة لأصدقاء لبنان بدعم هذا المنطق لم يُترجم خطوات عملية لتدعيم السلم الأهلي وإستقرار الوطن، حيث تبيّن أن المُهادنة المعقودة كانت أسوأ أنواع المُهادنات لأنها كرّست قوة الطرف الإستراتيجي المُهادَن، الذي لم يُبال يوماً بالإستقرار الداخلي إلا عندما خدَمَ مساره الإقليمي، وثبّتت ضعف الطرف السلطوي في المعادلة، ولذلك نتج عن المُهادنة لاإستقرار وطني ولا مصلحة عامة بل خضوعاً للمشروع الإقليمي الإيراني.

أوصل الفريق المُهادَن دويلته الى مصافٍ غير مقبولة دولياً وغير قابلة للإستيعاب داخلياً، ممّا أكّد أن سياسة المُهادنة لم تنفع الشراكة الوطنية، وإنطبق عليها بيت للشاعر أبو الطيّب المتنبّي "إن أكرمت اللئيم تمرّدا". فـ"حزب الله" لم يكن كريماً وطنياً ولم يُثمِّن سياسة المهادنة، بل استغلّها للإنقضاض على السلطة اللبنانية فارضاً واقعه الإقليمي على الشعب اللبناني.

تفرّدت "القوات اللبنانية" بالإمتناع عن الدخول في خندق معادلة المُهادنة، وفضّلت اتّباع المواجهة السياسية الحكيمة والبعيدة في الوقت ذاته عن التصادم، وقد هوجمت بسبب تموضعها هذا وإتُّهمت بالإنعزال وبالعرقلة وبعدم القدرة على القراءة الصحيحة والواقعية، ولكن مع دخول لبنان في مرحلة ما بعد إنتفاضة تشرين 2019 فقد أصبح المُهادِن والمُهادَن معاً في الإنعزال، وكل من إنضمّ لهما في السجن الإتهامي، أصبح مرفوضاً أيضاً.

سياسة المواجهة المدروسة منهجية سيادية ولها أربابها، أمّا سياسة المُهادنة وإن كانت بوجوه وشخصياتٍ جديدة ومُتجدِّدة وتيارات إنتفاضية فتُمثِّل منهجية الإنبطاح والإستسلام، وإنّ إستعادة الوطن لا تكون بالمُهادنة في الأمور الإستراتيجية مع حزبٍ أعلن تصوّره مراراً لمفهوم الدولة القادرة والقوية على لسان أمينه العام ومسؤوليه وقياديّيه الفكريين والسياسيين، ويرتكز في خلفيته الفكرية والفقهية على التمايز والتفوّق وعلى قُدسية الدور الذي يلعبه، والشرف الذي يُدافع عنه، والنُبل الذي يحمله، ومُتّخذاً لنفسه دائماً المعيار الديني الذي يسمح له بنبذ المنتقدين وتخوين وتكفير المعارضين، ومُستعملاً نبرة حادة في خطابه المُرتكز حسب وجيه كوثراني في كتابه "بين فقه الإصلاح الشيعي وولاية الفقيه - الدولة والمواطن" على نكرانه للهزيمة والنكبة والمآسي الناتجة عن حروبه وعن سياساته، وعلى ثقافته الفقهية التي تُشكِّل العنصر المُحرِّك والكامن خلف إستراتيجيته وخطابه وفعله وردود فعله وكلماته وتعابيره. إنّ المُهادنة مع حزب يولي أمره ومساره ومستقبله للولي الفقيه لا أمل منها للوصول الى الدولة المدنية، فإدخال "حزب الله" الى خطابه بعض الأدبيات غير الطائفية لا تعني أنّه قد تخلّى عن عقيدته ومرجعيته الإيديولوجية، وكلامه المُتضمِّن حرصاً على الوحدة الوطنية يترافق دائماً مع تثقيف فئوي لقواعده وإنعزال فكري لبيئته وشحن مذهبي لأتباعه، ومن كل ذلك يستمدّ قدراته للإستمرارية والتمادي.

المواجهة منهجية السياديين وهي القوة التي تُحقِّق التوازن السياسي الذي يدفع بالخطوات اللازمة لإسترداد الوطن من المُهادِن والمُهادَن. والمواجهة ليست لغة حرب بل فعالية في الحوار وتثبيت في الوجود، لأنه لا يستوي حوار إلا بين متوازنين، أي بين متواجدين، والمواجهة الحوارية تدعيم للديموقراطية والتنوّع، وتشكّل سدّاً منيعاً أمام الالغائية والقمعية، ولا يستطيع ممارستها سوى أحزاب وكتل نيابية ووزارية لها تاريخ من النضالات، أمّا الإدعاء بالإستقلالية والإنفرادية وعدم التبعية فليست إلا إضعافاً لجبهة المواجهة أمام جبهة المُهادنة، فعلى الحريصين التنبّه لمسؤولياتهم الوطنية التاريخية، والحساب آتٍ لا محالة.

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.