مصاعب إضافية أمام البنوك اللبنانية في ظلّ تنامي الضغوط الاقتصادية...

6 دقائق للقراءة

وصف مسؤول في البنك الدولي اقتصاد لبنان يوماً بعبارة "يتحدّى الجاذبية". يتعرّض ذلك التحدي اليوم للضغوط بعدما أعلنت الحكومة "حالة طوارئ اقتصادية" وأصبحت البنوك المحلية محور أزمة كبرى بسبب الديون السيادية اللبنانية.

في ظلّ المخاوف المتزايدة من فشل الطرق المعتمدة في إدارة الديون الضخمة ومجابهة أزمة الدولار، تحركت وكالات التصنيف في العام 2019. فخفّضت وكالة "موديز" تصنيف لبنان في شهر كانون الثاني وجعلته قيد المراجعة في بداية تشرين الأول. وقامت وكالة "فيتش" بالمثل في أيلول، فخفّضت تصنيف العملات الأجنبية على المدى الطويل في لبنان ومرتبة بنك "عوده" أيضاً، أكبر بنك من حيث حجم الأصول.

كذلك، راجعت وكالة "إس آند بي غلوبال ريتنغز" تصنيف بنك "عوده" وخفّضته إلى درجة سلبية بعدما كانت مستقرة في شهر آذار، وأعلنت حديثاً أن تصنيف الجهات المُقرِضة لا يمكن أن يتجاوز التصنيف المرتبط بالديون السيادية "لأن مخاطر الائتمان مُركّزة وموجّهة بشكلٍ أساسي نحو الدين السيادي اللبناني".

سبق وانعكست الأزمة الاقتصادية التي اتّضحت في شهر أيلول على أداء البنوك اللبنانية منذ النصف الأول من العام 2019، فتدهورت معدلات الربح في بنوك "عوده" و"لبنان والمهجر" و"بيبلوس".

يمكن تشبيه وضع القطاع المصرفي في لبنان بالنظام اليوناني، وحتى مشاكله تشبه المحنة اليونانية قبل وقوع الأزمة المالية. على غرار اليونان سابقاً، يواجه لبنان اليوم عجزاً مزدوجاً على المستوى المالي والحساب الجاري.

ساعد مصرف لبنان الحكومة لتمويل العجز المزدوج عبر رفع معدلات الفائدة لجذب ودائع واستثمارات بالعملة المحلية والأجنبية بطرقٍ متنوعة. هكذا حصلت البنوك اللبنانية على وسائل سهلة لتحقيق أرباح منخفضة المخاطر نسبياً من خلال إعادة استثمار ودائع العملاء في هذه الأصول وفي الدين العام أيضاً.

أعلنت وكالة "إس آند بي غلوبال ريتنغز" أن "الأصول السائلة لدى الجهات المُقرِضة اللبنانية تتألف من أوراق سيادية أو شهادات إيداع من مصرف لبنان"، وحذرت من أن السيولة "قد لا تكون مضمونة" في أسوأ الأحوال.

يقول سامي نادر، خبير اقتصادي ومدير "مركز المشرق للشؤون الاستراتيجية" في بيروت: "من المتوقع أن تُموّل السيولة الموجودة في البنوك القطاع العام الذي يعاني من سوء الإدارة والفساد وعدم الكفاءة. يشكّل تلاشي الاحتياطيات القابلة للاستخدام مصدر قلق كبير".

كذلك، حذرت وكالة "إس آند بي غلوبال ريتنغز" من تراجع الاحتياطيات القابلة للاستخدام في لبنان إلى 19.2 مليار دولار بحلول العام 2019، بعدما بلغت 25.5 ملياراً قبل سنة و32.5 ملياراً في نهاية 2017. يُفترض أن تكون هذه المبالغ كافية لتمويل العجز في ميزان المدفوعات خلال 12 شهراً، لكن تكثر المخاطر المرتقبة.

تقول إيلينا سانشيز كابيزودو، مديرة بحوث الأسهم لدى المجموعة المالية "هيرميس" في دبي: "قرارات تخفيض التصنيف ليست إيجابية على مستوى الثقة بالبلد أو نمو الودائع. بل إنها تؤكد على صعوبة الوضع في لبنان وضرورة إقرار إصلاحات حكومية إضافية لتصحيح الاختلالات".

سجّلت الأسواق أسعاراً عالية المخاطر، فارتفعت مبادلة مخاطر الائتمان لمدة خمس سنوات في لبنان بدرجة قياسية ووصلت إلى 1400 نقطة أساس تقريباً، أي أكثر من ضعف ما كانت عليه في شهر آذار.

تشتدّ المخاطر المطروحة تزامناً مع تصاعد الدين العام الذي فاق 150% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق صندوق النقد الدولي. زاد عجز الميزانية في لبنان إلى 11% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2018، بعدما كان 8.6% قبل سنة، وارتفع عجز الحساب الجاري لأكثر من 25%. أعلن رئيس الحكومة اللبناني سعد الحريري أن الإمارات العربية المتحدة تستطيع تقديم إعانات أو استثمارات إلى لبنان الذي يجد صعوبة في التعامل مع تراجع نموه وأعباء الدين الضخم وانهيار ثقة المستثمرين. زاد الوضع المالي المضطرب الضغوط على الليرة اللبنانية نسبةً إلى الدولار، فوصلت قيمة الدولار في السوق السوداء إلى 1620 ليرة، بينما يبلغ السعر الرسمي 1507.50.

يضيف نادر: "لا يمكن تثبيت سعر الصرف على المدى المتوسط لأن الأدوات التي يستعملها مصرف لبنان منذ فترة طويلة لتثبيته بدأت تضعف. البنوك اللبنانية مثقلة بأذونات الخزينة بالليرة اللبنانية لدرجة أنّ أي تراجع في العملة يعني أن تخسر ميزانيتها العمومية نسبة هائلة من قيمتها".

قد يكون تراجع قيمة العملة خطراً محتملاً في المستقبل، لكن انعكس رفع معدلات الفائدة بوتيرة ثابتة على هوامش الربح، فوصلت نسبة المدخرات والودائع لأجل محدد بالليرة إلى 9.45% في آذار 2019 في البنوك التجارية، وفق أحدث البيانات، بعدما اقتصرت على 7.20% قبل سنة.

كذلك، ارتفعت معدلات الفائدة على المدخرات والودائع لأجل محدد بالدولار من 4.56 إلى 6.31% خلال الفترة نفسها. وشهدت معدلات أذونات الخزينة لمدة ثلاثة وستة أشهر و12 شهراً ارتفاعاً مشابهاً أيضاً.

طرح سعد أزهري، رئيس مجلس الإدارة والمدير العام في "بنك لبنان والمهجر"، تحليله للوضع في شهر آب فقال: "نظراً إلى المنافسة الراهنة بين البنوك لجذب الدولارات، سيستمر الضغط على هامش صافي الفائدة. بلغ متوسط تكلفة الودائع في "بنك لبنان والمهجر" حوالى 4% في شهر كانون الثاني، لكنه زاد إلى 5.7% في حزيران".

في القطاع المالي اللبناني، تراجع صافي الأصول الأجنبية، حتى تلك التي يملكها مصرف لبنان، بمعدل 6.82 مليارات دولار منذ بداية العام 2018، وفق معطيات مصرف لبنان. وتجدر الإشارة إلى أن 70% من ودائع القطاع المصرفي تقريباً مقومة بالدولار.

كانت ودائع المستثمرين الأجانب في البنوك اللبنانية مستقرة تاريخياً، ولم تُسجّل إلا حالتان بارزتان من هروب الاستثمارات خلال هذا القرن: غداة اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري في العام 2005، والعدوان الإسرائيلي على لبنان في العام 2006. في هاتين الحالتين، تقول سانشيز كابيزودو إن نسبة هروب الاستثمارات بقيت أقل من 5% من مجموع الودائع. يتعلق مصدر قلق آخر بعدم تطابق ودائع العملاء التي تكون قصيرة الأمد في معظمها مع الاستثمارات طويلة الأمد للجهات المُقرِضة على مستوى السندات بالعملات المحلية والأجنبية وأذونات الخزينة.

تضيف سانشيز كابيزودو: "رغم هشاشة الوضع، تبقى معظم ديون لبنان مملوكة لمستثمرين محليين، لذا لن نشهد المستوى نفسه من هروب الاستثمارات كما في تركيا أو مصر. يكشف تاريخ لبنان المتقلّب أن معظم الودائع قصيرة الأمد... يطرح عدم تطابق مواعيد الاستحقاق بعض المخاطر، لكن طالما لا تتغير معدلات الفائدة أو نسبة هروب الودائع بدرجة كبيرة، يُفترض أن يبقى الوضع قابلاً للحل".


S & P Global)
(Market Intelligence