إنهمك كثيرون، منذ ليل الخميس الماضي حتى اليوم الخميس، في تصويب مشهدية لبنان هذه الأيام (أو التصويب عليها) بين أن يكون ما يعيشه لبنان ثورة حقيقية أو مجرد حركة إحتجاج. وهناك من بدأ يُقارن بين ما يحصل في لبنان وما حصل في سوريا ومصر وليبيا وتونس. صحيح أن جورج زريق، الشاب الذي حرق نفسه في لبنان، في شباط الماضي، لم ينجح في إشعال ثورة شبيهة بالثورة التي صنعها محمد البو عزيزي في تونس، في كانون الأول العام 2010، لكن الثورة عادت واندلعت من بوابة الواتساب! فهل الواتساب أحبّ الى اللبنانيين من حرق لبنانيّ نفسه بنفسِه؟ هناك قشة قد تقصم ظهر البعير. والحراك لا يحتاج أحيانا إلاّ الى عود ثقاب. الواتساب كان العود.
جنرال سابق في الجيش اللبناني يعتبر أنه من المغالاة تصوير ما يحصل في لبنان على أنه ثورة. فالثورة كلمة كبيرة جداً. وما يحصل هنا يندرج في إطار النقمة من دون أي أبعادٍ سياسية. في حين أن الثورات التي شهدتها دول مجاورة كانت سياسية بحت، عززتها تدخلات خارجية كثيرة، وهذا ما لم يحصل حتى اللحظة في لبنان. ومعلوم أن التدخلات تحصل في حالة لبنان، في الجزء الثاني من حركة الإحتجاج، حيث يكون هناك من يعدّ في هذه الفترة سيناريوات تنطلق من واقع أنه "هيك هيك" حصل الإحتجاج فلماذا لا نركب الموجة ونستفيد منها ونوجهها في الشكل الذي يناسب تطلعاتنا.
ننظرُ الى مشاهد الإحتجاج الكثيرة في لبنان، الجميلة بعفويتها، فنسمع صدى شعارات تتلاقى من ساحة الى ساحة. لكن، ماذا لو سقط الشيخ سعد (الحريري) وصمد الأستاذ نبيه (بري)؟ هل ستبقى المطالب ذاتها؟ ألسنا في بلدٍ طائفيٍّ شئنا أم أبينا؟ وهل ستتلاقى الساحات غداً على عناوين جديدة تصلح لتكون نواة تأسيس مقبلة لوطنٍ منشود؟
هناك من سيقول إننا نستبق الأمور كثيراً وأن المتظاهرين يتحركون الآن لحظة بلحظة، ويوماً بيوم، ولا يمكن الطلب منهم أن يفكروا الآن بما سيلي! حتى ولو كنا نعلم جيداً أن هناك من سيدخل، بشكلٍ أو بآخر، على الخط.
البارحة نزل العسكريون على الطرقات، وبينما كان المتظاهرون يستعدون لرمي الرز عليهم فوجئوا بهم يستخدمون معهم أدوات القمع. وهذا، بحسب الجنرال السابق في الجيش اللبناني، خطأ وطني كبير. إنزال العسكر الآن من دون أي خطة لوجستية لاحقة يربك المؤسسة العسكرية ويسيء الى سمعتها بين الشباب والشابات الذين يرون في عناصرها آخر ملاذ. لكن ألم يُستخدم الجيش سابقاً في تظاهرات ثورة الأرز العام 2005 على سبيل المثال؟ يومها كان الرئيس ميشال سليمان قائداً للجيش اللبناني في عهد الرئيس إميل لحود وهو نزل يومها لفرض الأمن لا للقمع وكان له دور "تسهيلي" في الوصول إلى ساحة الشهداء.
ثورة لبنان الجديدة، أو لنسمِها الإحتجاج اللبناني الجديد، يستمر عفوياً بنحو 90 في المئة. واليوم، بمناسبة مرور أسبوع، سيُطلق نشيد للثورة يحكي مع "الثوار". الثورة تحتاج دائما الى قدوة ومثال والى نهج. وتحتاج الى كلمات سرّ يدونها الثوار ويكبسون على"أرسل" فتبلغ كل الدنيا ثم يعملون لها "لايك" و"شير" فتصبح ثابتة.
لبنان الذي ينادي اليوم "كلّن يعني كلّن" شكّل في 2011 قدوة للحراك العربي الواسع الذي طالما نادى ناسه كثيراً بمطلب: "نريد تغيير النظام". وكما أن هناك من يحاول اليوم إخافة اللبنانيين من التمادي باحتجاجهم، هناك من ظلّ يخيف السوريين من مرحلة ما بعد بشار الأسد. وهناك من حاول إخافة المصريين من مرحلة ما بعد حسني مبارك، ومن الإخوان المسلمين بالتحديد، داعيا إياهم الى الهتاف: "نعم لمبارك نعم للإستقرار نعم للأمان". وكم سمعنا يومها من وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي أن الإنتفاضة المصرية ستساعد في إقامة شرق أوسطي إسلامي. في الثورات تسود لعبة "التخويف" وتُحقق ما تعجز عنه كل وسائل القمع.
الثورة كمصطلح سياسي معناها الخروج من الوضع الراهن الى وضع افضل او ربما أسوأ من الوضع القائم. الثورة مهمة في التاريخ السياسي. انها حركة سياسية طبعاً مشروعة. واللبنانيون الثوار يستمرون في مخاض صناعة وطنٍ يشبههم، وفيه من أحلامهم.
بالأمس، نال الشعب علامة واحد والسلطة التي قررت إستخدام الجيش، قبالة أهله، استحقت صفراً. صحيح أن المشهد في بدايته أتى، للشباب المحتجين، مفاجئاً لكنه ما لبث أن عزز الحالة الإحتجاجية العامة وقواها. هذ لعبة أخرى من ألعاب السلطات في وجوه شعوبها. واللعب في مصير الشعوب. ألم تسمعوا بالمثل القائل الحرب هي تسلية الزعماء الوحيدة التي يسمحون لأفرادِ الشعب بمشاركتهم فيها. فليلعب الشعب اللبناني الآن وحيداً بلا زعامات تقتات من ثورته وتترك له الفتات. هذا حقّ الشعب حين يغضب كثيرا.