"قوم تحدّى الظلم، تمرّد، كسّر هالصمت اللي فيك، يا شعبي اللي بأرضه تشرد، قهر وأحزان بيكفيك"... كم تختصر أغنية ماجدة الرومي المليئة بالتحدي والمقاومة والموسيقى الثائرة، الفيلم اللبناني "Broken keys" للمخرج جيمي كيروز. وكم تشبه الموسيقى التي لا هوية لها، بطاقة هوية للاوطان، فلبنان بالنسبة للكثيرين هو وطن الرحابنة وفيروز وصباح، وفرنسا وطن اديث بياف. ولذلك، كل من يحاول قمع الموسيقى وتكسير مفاتيح أي آلة موسيقية، يُعتبر مجرماً بحق الأوطان وخانقاً لحريتها وأوكسيجانها وحضارتها وثقافتها وذاكرتها.
وانطلاقا من مفهوم الحرية والمقاومة بالموسيقى، ولد الفيلم اللبناني - العالمي المواصفات "Broken keys". نعم، لبناني قح، انتاجاً واخراجاً وتمثيلاً وموسيقى، وعالمي المواصفات المتقنة، وسامح الله وزارة الثقافة اللبنانية التي تأخرت جداً في ارسال الفيلم لتمثيل لبنان في اوسكار 2020، وعندما فعلت كان التصويت شارف على نهايته، فخسر لبنان فرصة "الثالثة ثابتة"، أي الفوز شبه المؤكد بأول اوسكار له، بعد ترشيحين متتاليين لكل من "The Insult" و"كفرناحوم". وكيف كان يمكن ألا يفوز "Broken keys"، وهو يتمتع بكل هذه المواصفات الفنية العالمية المؤهِلة له لانتزاع "اوسكار افضل فيلم اجنبي"، من السيناريو والإخراج والإنتاج، الى التصوير والتمثيل والمونتاج والموسيقى و... مجدداً، سامح الله وزارة الثقافة اللبنانية. أما فيروس "كورونا" فلن نطلب من الله مسامحته بل القضاء نهائياً عليه، خصوصاً أنه شلّ العالم سنة 2020، ومنع الدورة 73 من مهرجان كان السينمائي الدولي من الانعقاد في تلك السنة المشؤومة، مع العلم أن فيلم "Broken keys" كان قد تم اختياره للمشاركة في المسابقة الرسمية.

ولكن الجوائز التي كان سينالها الفيلم حتما في "كان" والاوسكار لولا الحظ المتعثر، حصدها نجاحاً وإعجاباً جماهيرياً كبيراً وجوائز كثيرة أينما عرض خلال جولاته على أهمّ المهرجانات العالمية والعربية منذ سنتين حتى اليوم. واليوم وصل الفيلم المنتظر الى الصالات اللبنانية، فلا تترددوا في مشاهدته لأنه من اقوى الأفلام "العالمية" (لا اللبنانية وحسب)، التي شاهدتها في حياتي حتى اليوم.
الفيلم من كتابة واخراج جيمي كيروز الذي درس السينما في جامعة كولومبيا في نيويورك، وهو مستوحى من فيلمه القصير Nocturne in Black" (2016)" الذي فاز بالاوسكار الطلابي. بدوره الإنتاج لبناني، لكل من المنتج أنطون الصحناوي وشركة "Ezekiel" اللذين اصبحا علامة فارقة في مجال انتاج الأفلام اللبنانية العالمية المستوى، فقد سبق أن انتجا فيلم زياد دويري "القضية رقم 23"، اول فيلم لبناني يتم ترشيحه للمنافسة على جائزة اوسكار "افضل فيلم اجنبي" لسنة 2018. اما التوزيع في لبنان فقد تولته شركة "HES Films International" لهيام صليبي. ويضم الفيلم مجموعة من الممثلين اللبنانيين الذين ترفع القبعات لهم ولاداءاتهم المعلّمة، حتى ولو في ظهور لمشهد واحد. فالممثل اللبناني سبق ان أثبت انه صاحب قدرات عالمية في حال توفّرت له الإمكانات المناسبة، من انتاج ضخم ونصّ جيد ومخرج رؤيوي وقادرعلى إدارة ممثليه وضبط إيقاع أدائهم، كما يضبط العازف أوتار آلته ليستخرج منها اجمل موسيقى. ممثلو "Broken keys" كلهم أجادوا واقنعوا واثّروا فينا والكلام عنهم جميعاً يطول ويطول، وسأكتفي بذكر عازف البيانو طارق يعقوب المدهش والمقنع والمبهر بنظرة عينيه التي تختم الفيلم وتختصر كل معاني التحدي، والقدير منير معاصري، ورلى بقسماتي بدور يتطلب مهارات جسدية ونفسية وأثبتت من خلاله انها "وحش" أداء، وبديع أبو شقرا الذي لا يمثل بل يعيش الشخصيـة، وجوليان فرحات الذي تقمّص وحشيـــــة الإرهابي وقسوته، والرائعين عادل كرم وغبريال يمين وسعيد سرحان وساره ابي كنعان وفادي ابي سمرا، حسان مراد، ليلى قمري، ورودريغ سليمان والفتى الموهوب جداً عيسى الحاج.
وكون الموسيقى هي مفتاح الفيلم كما ذكرنا، ونَفَس المقاومة والأمل ورفض ثقافة القمع والموت فيه، كان لا بد من الاستعانة بمؤلف على حجم الفيلم العالمي المواصفات لاعداد الموسيقى التصويرية. ومن أفضل من اللبناني العالمي غابريال يارد (الفائز بجائزة الاوسكار عن موسيقى فيلم "The English Patient" سنة 1996 وبجائزتي غولدن غلوب) ليوقّع إيقاع الفيلم؟ موسيقى ومناخ واجواء من الصعب جداً الّا نقع نحن المجمهور اللبناني تحت سحرها وسحر هذا الفيلم ووجعه الذي يشبه وجعنا وواقعنا وواقع كل مدينة تعاني سيطرة جماعات إسلامية متطرفة تحرّم الموسيقى والثقافة على أنواعها، فهكذا جماعات لا يمكن اختصارها بداعش فقط. الفيلم لبناني قح ويشبه واقعنا مئة بالمئة، رغم أنه مصوّر بين الموصل في العراق ولبنان، وتدور احداثه تقريباً سنة 2014، في مدينة منكوبة وغير محددة (قصداً)، قد تكون مدينة حدودية بين سوريا والعراق، سكانها يتحدثون لهجة أهل الحدود (كما أكد جيمي كيروز بعد اجراء أبحاث عديدة)، وهي مزيج من عدة لهجات عراقية وسورية. هذه اللهجة كانت بدورها مقصودة ومطلوبة، خدمة لموقع سير الاحداث، كمكان غير محدد، وقد يكون أي مكان يعاني القمع.

مدينة يعاني سكانها البسطاء والمسالمون نكبة وقوعهم بين انياب الوحش داعش (الدولة الإسلامية في العراق وسوريا)، فيحاربون ثقافة القمع والموت الوحشي على ايدي برابرة، بالامل والتحدي و...الابداع المتمثل بالموسيقى.
كريم (طارق يعقوب) هو موسيقي شاب يائس من الوضع ورافض للخضوع لقانون الخوف وقمع الموسيقى. كريم الذي يشبه كثيرين من الشباب اللبناني والعربي الثائر والمتمسك بحرية التعبير والمعتقد والكرامة الانسانية المنتكهة في بلدان مخنوقة، سيخاطر بحياته وحياة سكان حيّه المهدم من اجل اصلاح البيانو (الذي يعتبره حياته) الذي حطمه بالرصاص احد عناصر داعش (جوليان فرحات). والهدف بيعه لتاجر (غابريال يمين) والسفر بثمنه بعيداً عن الجحيم، وانقاذاً لما تبقى له من حياة وكرامة. الى منطقة "رمزة" سيصل كريم، و"رمزة" هي منطقة وهمية، اسمها يوضح انها رمز لكل مكان دمّره الارهاب، تم تصويرها في الموصل (تحت اجراءات امنية مشددة وخطر تحدى فريق العمل بقبوله)، وبتقنيات تصويرية مذهلة ستصيبنا بالقشعريرة ، خصوصاً أنها تشبه مكانا "ابوكاليبسيا" لزمن ما بعد نهاية العالم، توازي بمشهديتها الصادمة أقوى الافلام العالمية الكوارثية والعالمية - الخيالية. الى "رمزة" سينتقل كريم بحثاً عن قطع ومفاتيح للبيانو من عند عمر (بديع ابو شقرا) الذي يملك بيانو مماثلاً، وسيلتقي بثائرة مقاتلة (رلى بقسماتي)، قبل أن يعود الى بلدته ويقرر المقاومة وعدم الهرب، فيرسل الطفل آدم (عيسى الحاج) مكانه (كونه الامل بالمستقبل) ويصمم على المواجهة مع الثائر (عادل كرم) ومجموعته. ولان سلاحه هو الموسيقى، سيستعمله لجذب العدو، لينتهي الفيلم بمشهد ايقوني، يقطع الأنفاس إبهاراً وايقاعاً وتناغماً بين الموسيقى والرصاص. مشهد تصح فيه مقولة "ختامها مسك" فهو خير من يلخّص الرسالة التي يتمسك بها مخرج الفيلم وكاتبه: "الحياة ليست أن ننتظر العاصفة حتى تهدأ، بل أن نتعلم الرقص تحت المطر".