قالت المرأة: "أعمل لأعيل ابني المهندس، فهو منذ تخرّجه قبل أعوام يبحث عن عمل ولا يجد". صرخت أخرى: "شبعنا جوع... كلّن يعني كلّن".
قناعة المتظاهرين بأن الطبقة السياسية الحالية الفاسدة، بكل من يشارك فيها، يجب أن تسجن لتعيد الأموال المنهوبة، فتصطلح أحوالهم ويستعيدون كرامتهم وحقوقهم كمواطنين، ويشبع منهم الجوع فيدير ظهره لهم بحثاً عن ضحايا آخرين.
الواضح أن المتظاهرين تجاوزوا الحدود ودخلوا في المحظور، واستوحوا من منشد الثورة السورية إبراهيم القاشوش كلمات اغنية "يلا ارحل يا بشار" التي تسببت باقتلاع حنجرته قبل موته. وقاسوا عليها قياسات لم توفّر أي مسؤول من أهل السلطة، إنطلاقاً من قناعتهم بأن "كلّن يعني كلّن".
الواضح أيضاً، أن هذه القناعة ناضجة إلى حدّ لا يمكن دحضها بما يتمّ ترويجه عن تمويل من السفارات ومؤامرات وشر مستطير، يتربّص بالمتظاهرين القاصرين عن تلمّس المصلحة الوطنية العليا.
والمولج بحماية هذه المصلحة، ليسوا "كلّن"، انما هو واحد لا غير. ولطالما كان واحداً. وغير مسموح المس به. لذا، أمر اليوم واضح لا مجال للاجتهاد في تفسيره. عنوانه أيضاً واحد، وهو القضاء على "الثورة"، عفواً "الحراك"، لأن تعريف "الثورة" لما يحصل في لبنان يزعج هذا الواحد الخائف على مقامه ودوره وانعكاس تراجع هذا الدور على العواصم الواقعة تحت سيطرة جمهورية الولي الفقيه.
عدة الشغل صارت على النار. السيناريو حدّده الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله، في كلمته قبل أيام. وأعطى إشارة الانطلاق الى سباق تفخيخه، فتبارى المستخدمون الثابتون في جوقة الزجل بتطبيقه. وبحجة حماية "الحراك" المعرض للخطف، توزعت الأدوار لتفخيخه ببث المعلومات الكاذبة واعتماد الحرتقات التي تجيدها أدوات الاعلام الصفراء المعروفة. وأبشعها إظهار الغيرة على "الأبرياء" الممكن استخدامهم لتنفيذ المؤامرة الكونية.
لذا لا بدّ من التضحية وتحمل وزر قمع "الثورة"، عفواً حماية "الحراك" وقيادته الى تحقيق مطالبه المحقة وفق استراتيجية المحور الممانع. أما الباقون ممن انخرطوا في تسوية الواحد الذي لم يعد يجد غضاضة في الإعلان عن دوره، بعد نفي لسيطرته على مفاصل البلاد، فـ"كلّن" يأتمرون بأمره، لا يملك الراغب منهم بالتراجع عن حرية القرار، على ما يبدو، باستثناء من استلحق نفسه وخرج عن الطاعة القسرية والطوعية لهذا الفريق أو ذاك، فبدأ العمل على شيطنته.
وعلى الرغم من شبه اليقين بأن لدى هذا الواحد، وكما كانت تحصل الأمور منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، قدرة على استيعاب الضربة الأولى والتحضّر لقلب الطاولة وفق مصلحته واستراتيجيته، تبقى علامة الاستفهام قائمة مع صمود أولاد "الثورة" في وجه الخطوات المتلاحقة لإخراجهم من الشارع...
الى متى؟ قد لا يمكن التكهن. وربما يفقد الواحد الأقوى صبره قبل المحتجين الرافضين التراجع. حينها، يبقى الخوف من الأعظم... وما أدراك ما الأعظم...
نجنا يا رب...