لا بدّ من قراءة نقديّة للفكر السياسي الذي نفض عنه الغبار بعد ثورة 17 تشرين 2019، ثورة الانسان في لبنان. ومن المفيد جدّاً التنبّه إلى تنامي الحركات السياسيّة كلّها في أيّ بلد من بلدان العالم؛ لا سيّما تلك التي تنتج ثورات، قد تطيح بمنظومة حكم تقليديّة اعتاد عليها أهل هذا البلد أو ذاك.
من هنا، تستوقفنا حركة الشارع اللّبناني بعد ثورة 17 تشرين التي لم تهدأ بعد، ولو أنّها خبت جزئيًّا، لكنّ وهجها ما زال ضارباً في المجتمع اللّبناني بعد الخضّة السياسيّة التي نتجت عنها. والدّافع الأساسي وراء هذه الثّورة هو الدّافع الاجتماعي – الاقتصادي والمالي. فالجوع والفقر والحرمان هي صفات إنسانيّة لا تفرّق بين النّاس. وهي تصيب الفئات الاجتماعيّة والمجموعات الحضاريّة بالمطلق.
وممّا لا شكّ فيه أنّ المطالب الاجتماعيّة هي مطالب الشّعب. والحركات السياسيّة التي ناصرت هذه المطالب طيلة القرون المنصرمة هي الحركات اليساريّة. يكفي أن نستذكر ثورة البروليتاريا في روسيا، أو ما عرفت وقتذاك بالثّورة الحمراء التي أطاحت بحكم القياصرة المترف وأتت بطبقة العمّال إلى الحكم، طبقة الشّعب تحت غطاء فكريّ نظّمه الحزب الشيوعي. لكن المفارقة أنّ هذه الحركة الفكريّة الفلسفيّة التي تحوّلت إلى حركة سياسيّة، لم تستطع مواكبة التطوّرات الحياتيّة لعامّة النّاس، بل بقيت في الأطر المثاليّة ولم تعالح بواقعيّة مشاكل الشّعب، ما أدّى إلى سقوطها بعد نيّف وسبعة عقود على تناميها.
والحالة المطلبيّة الشّعبيّة التي أدّت إلى ثورة 17 تشرين تشبه بمنحاها الثّورة الحمراء. لأنّها ثورة مطالب الشّعب. وهي بالطّبع محقّة. لكنّ الواقع اللّبناني يختلف عن الواقع الأوروبي عامّة، والرّوسيّ بشكل أدقّ. فالفكر اليساري الأوروبي ثار على النّظام بينما الفكر اللّبناني، بجزء كبير منه، لم تكن ثورته على النّظام بل على أهل الحكم. من هنا، نفهم مطالبة بعضهم بإسقاط الحكومة مع الحفاظ على النّظام، مقابل قسم آخر ما زال في الشّوارع يطالب بإسقاط النّظام برمّته.
من هذا المنطلق، نستنتج أنّ الحركة اليساريّة الفكر والمنحى التي تبوّأت قيادة الحراك المدني في ثورة 17 تشرين، لن تستطيع أن تصل إلى مرحلة التنظيم السياسي، لأنّها بالأساس انطلقت من رفضها للواقع السياسي اللّبناني حاملة شعار "كلّن يعني كلّن". وبانخراطها في العمل السياسي ستفقد بريقها الذي جذب بيساريّته الكثير من المثقّفين، حتّى بعض اليمينيّين منهم.
لذلك، على هذا الحراك أن يبقى حراكاً منظِّماً صفوفه في المناطق اللّبنانيّة التي لم تستطع أن تواكب خطابه العلماني بشكل كلّي، ليستطيع بدوره أن يبقى العين الساهرة والمحاسب لأيّ مخالفة قد ترتكبها السلطة السياسيّة. ولن يعدو كونه مجرّد موجة شعبيّة سرعان ما ستنحسر مفاعيلها لصالح الأحزاب السياسيّة التي باتت بحاجة إلى عمليّة تحديث فكريّ ضمن المنظومة السياسيّة المتكاملة للأحزاب، وذلك لتثبيت القواعد الأيديولوجيّة؛ بعد أن تعود لتلعب دورها الصحيح في إصلاح منظومة الحكم والنّظام استجابة لمطالب النّاس.