سوزان نوسيل

أوكرانيا...تستحق المساعدة لمحاربة الإبادة الثقافية

25 أيار 2022

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

تمثال ملفوف بمواد واقية في حي لفيف القديم - غرب أوكرانيا، نيسان 2022
تخوض روسيا حربها ضد أوكرانيا عبر استعمال الدبابات، والقذائف، والخنادق، والرعب. حتى أنها تلجأ إلى الحملات الدعائية، والترهيب، والمعلومات الكاذبة، وتطلق حملة واسعة لتدمير الثقافة الأوكرانية. بالنسبة إلى الأوكرانيين، أصبح التمسك بهويتهم الوطنية وتاريخهم وثقافتهم في صلب مقاومتهم العنيدة. في زمنٍ ترتبط فيه الصراعات الدولية بمسائل الانتماء العرقي، والهوية الوطنية، واللغة، والتاريخ، لم تعد الثقافة في مرمى النيران فحسب، بل إنها باتت تشكّل ساحة معركة بحد ذاتها. لم يطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حملته ضد أوكرانيا للاستيلاء على الأراضي أو إخضاع المقاومة المحلية بكل بساطة، بل إنه أراد أن يضم أوكرانيا إلى روسيا من حيث الثقافة واللغة والأراضي، ما يعني إنكار وجودها كدولة سيّدة ومستقلة.

أنكر بوتين، في الخطاب المتلفز الذي استعمله لإعلان الحرب، وجود "دولة حقيقية" في أوكرانيا وزعم أن البلد جزء من "تاريخ روسيا وثقافتها ومساحتها الروحية". قد يكون تاريخ روسيا وأوكرانيا متداخلاً، لكن تحمل المجتمعات والتقاليد والأشكال الفنية خصائص مختلفة وفريدة من نوعها في البلدين، وقد صمدت هذه المظاهر مع مرور الوقت وزادت قوة منذ استقلال أوكرانيا في العام 1991.

على عكس روسيا التي تبقى قريبة من دول الحزب الواحد ويحكمها بوتين منذ العام 2000، تشمل أوكرانيا 349 كياناً سياسياً مسجّلاً ومستقلاً، وتتنافس هذه الأطراف على النفوذ. شهد البلد أيضاً وصول خمسة رؤساء مختلفين إلى سدة الرئاسة في آخر عشرين سنة. ترافق هجوم بوتين على الثقافة الأوكرانية مع استهداف التماثيل، والنصب التذكارية، والأرشيف، والمسارح، والمكتبات، والمدارس التي تمثّل هوية أوكرانيا التاريخية والمعاصرة.

فشلت محاولات بوتين طرح سياسته التوسعية وكأنها شكل من التماسك الوطني في الغرب وقوبلت بمقاومة شرسة في أوكرانيا، لكن رحّب بها الكثيرون في أماكن أخرى. بفضل حملته الدعائية الهجومية، بقي عدد كبير من دول أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا على هامش الصــراع، فزادت نزعة هذه البلدان إلى لوم الولايات المتحدة والغرب على الاضطرابات العالمية.

أدى الـــــتردد الجماعي في هذه الدول إلى إضعاف العقوبات الدولية التي تستهدف اقتصاد روسيا وتبرير بقاء بكين في محور بوتين. الأهم من ذلك هو تأثير خطاب الرئيس داخل روسيا. عمدت وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة إلى تسويق مواقف بوتين وأقنعت الرأي العام المحلي بصوابية هذه الحرب المكلفة. تشير استطلاعات الرأي إلى دعم روسي ساحق للتوغل العسكري المتعثر (لكن لا أحد يعرف إلى أي حد يمكن تصديق هذه النتائج نظراً إلى مخاطر التعبير عن الرأي في روسيا).

من خلال إغلاق وسائل الإعلام المستقلة، واعتبار المعارضين عملاء للخارج، وحظر منظمات المجتمع المدني، يحاول بوتين إطلاق نسخته الخاصة من الأحداث الجيوسياسية لضمان استمرار الحرب في أوكرانيا. قرر عدد كبير من معارضي الحرب مغادرة البلد بكل بساطة، منهم صحافيون وكتّاب وفنانون.

بوتين ليس الحاكم المستبد الوحيد الذي يستهدف المعالم الثقافية. أطلقت الحكومة الصينية مثلاً حملة مطوّلة لاستئصال ثقافة الإيغوريين وهويتهم الوطنية، فأرادت بذلك أن تقمع منطقة مضطربة وتحافظ على هيمنتها هناك. بالإضافة إلى احتجاز عدد كبير من المواطنين الإيغوريين في معسكرات إعادة التأهيل التي تهدف إلى تلقين العقيدة الوطنية الصينية، استهدفت بكين الكتّاب والباحثين والفنانين الإيغوريين.

في الوقت نفسه جرّمت الصين الثقافة، إذ يواجه كل من يكتب عن التقاليد والقيم والجماعات الإيغورية تُهَماً مثل تأجيج مشاعر الكراهية العرقية أو الدعوة إلى الانفصال عن البلد. كذلك، تحاول حملة بكين القديمة في التِبَت طمس لغة المنطقة وديانتها لترسيخ ثقافة الصين، حتى أنها تجبر الأولاد على دخول مدارس داخلية صينية.

لطالما ركّزت المقاربات التقليدية الرامية إلى حماية الثقافة في زمن الحرب على حفظ الأعمال الفنية أو القطع الأثرية. خلال الحرب العالمية الثانية، تكاتف "رجال الآثار" (مؤرخو الفن، وأمناء المكاتب، والفنانون) لإنقاذ الكنوز الثقافية التي هدّدها الهجوم النازي. وفي السنوات الأخيرة، سعت منظمة اليونسكو إلى حماية الآثار القديمة في مالي وسوريا واليمن. ويحمي "صندوق السفراء للحفاظ على التراث الثقافي" التابع لوزارة الخارجية الأميركية القطع والأعمال الفنية والمخطوطات حين تُهددها الكوارث أو الصراعات أو الإهمال.

لا تزال هذه الجهود أساسية اليوم، وهي حاضرة في أوكرانيا حيث قصفت القوات الروسية النصب التذكاري الخاص بمذبحة "بابي يار" من العام 1941، حين كانت تستهدف برج تلفزيون مجاور. منذ بدء الحرب في أوكرانيا، تحوّل "مسرح أكاديمية خاركيف للأوبرا والباليه" إلى أنقاض وتدمّر أيضاً 120 موقعاً ثقافياً آخر، وفق معطيات اليونسكو، منها متاحف، ومبانٍ تاريخية، ومكتبات، ومؤسسات دينية.

لكن يجب أن تتطور الردود الدولية حين يصبح الإلغاء الثقافي سلاح حرب لمواكبة تحركات الحكّام المستبدين حول العالم. يقضي أحد الحلول برقمنة الكنوز التاريخية والثقافية. منذ احتجاجات "الميدان الأوروبي" التي أسقطت الرئيس الأوكراني المدعوم من موسكو، فيكتور يانوكوفيتش، بين العامين 2013 و2014، بدأت أوكرانيا تنشر وثائق قيّمة حول ممارسات القمع السوفياتي. وفي وقتٍ سابق من الحرب الراهنة، نقل المؤرخون وأمناء الأرشيف جزءاً من تلك الأوراق إلى مكان آمن، وتولّت مشاريع صغيرة مسح الوثائق المعرّضة للمخاطر رقمياً.

تفيد التقارير بأن الروس أحرقوا أرشيف "تشيرنيهيف" التابع لجهاز الأمن الأوكراني، علماً أنه يتضمن سجلات من الحقبة النازية ويغطّي نشاطات الاستخبارات السوفياتية في أوكرانيـا. يجب أن يتعاون الأميركيون وحلفاؤهم مـع اليونسكو وممولين من القطاع الخاص إذاً لتحويل الأرشيف الثقافي المعرّض للدمار خلال الصراع إلى مواد رقمية، ثم نقل النسخ المؤرشفة إلى مكان آمن في الخارج منعاً لتدميرها. تســـمح حماية هذه المظاهر الثقافية للأجيال المقبلة بإعاقة حملة الإلغاء الثقافي أو كبحها بالكامل.

لكن لا تقتصر الثقافة على آثارٍ وسجلات من زمن الماضي. تطرح الأصوات الثقافية المعاصرة (باحثون، كتّاب، مخرجون، فنانون، وحتى مقدّمو العروض على مواقع التواصل الاجتماعي) تفاصيل مستحدثة حول الحياة اليومية، ووجهات النظر الشائعة، وأفكاراً قد تسهم في تقوية الشعب المستهدف، وكسب الدعم الدولي، وكبح الحملات الدعائية المضادة. يكشف تطوّر حرب المعلومات العالمية والمدروسة بقيادة بوتين مدى أهمية الاتصالات والإسقاط الثقافي في الحروب المعاصرة.

حاولت المؤسسات الثقافية العالمية مواجهة هذا التحدي عفوياً، فنظّمت برامج للفنانين الأوكرانيين وعرضت أعمالاً فنية معينة. قد تتلقى الدول التي تتعرض للهجوم دعماً استخبارياً ومادياً، لكن يُفترض أن تحصل أيضاً على الموارد اللازمة لحماية الثقافة وإطلاق نسختها الخاصة من حرب المعلومات.

يجب ألا تتكل هذه الجهود على المبادرات الحكومية بكل بساطة، بل يُفترض أن تشمل خطوات أخرى مثل تحديد الأصوات الصادقة والمستقلة لنشر أعمالها ورسائلها. يمكن التصدي لحملات التضليل ودعم التكامل الثقافي للشعوب والدول المحاصرة عبر المشاركة في ترجمة المواد، وإنتاج الفيديوات والملفات الصوتية، وتنظيم رحلات سفر دولية كي تزور الشخصيات الثقافية العواصم الأجنبية وتتواصل مع وسائل الإعلام.

أصدرت محكمة العدل الدولية حديثاً قراراً مرتبطاً باعتداءات أذربيجان في ارتساخ الارمنية، وقد يحمي هذا القرار مواقع التراث الثقافي المُهددة حول العالم.

تزداد قوة الشخصيات الثقافية المؤثرة حين تبقى داخل بلدها. بقي حوالى 140 كاتباً من منظمة PEN Ukraine داخل بلدهم على مر الصراع: يقاتل البعض في الخطوط الأمامية، وغيّر البعض الآخر مكان إقامته.

أدرك هـــؤلاء الكتّاب أن رحيلهم قد يُضعِف قدرتهم على توثيق تفاصيل الصراع، فهـــم مسؤولون عــن توضيح مســار الغزو والمقاومـة أمام العالم. لكن بدأ الكتّاب داخل أوكرانيا يفتقرون إلى مصـادر الدخل التي كانوا يتكلون عليها من خطاباتهم العلنية والكتابة، ما يعني أنهم يحتاجون إلى موارد أخرى لمتابعة التعبير عن أنفسهم بطرقٍ إبداعية. بالنسبة إلى الكتّاب والفنانين والمعارضين في المنفى، قد تُحدِث مساعدات إعادة التوطين من الجامعات أو المعاهد الفنية أو المنظمات الثقافية فرقاً كبيراً، فلا يضطرون للاختيار بين متابعة أعمالهم المؤثرة وبدء حياتهم من الصفر. قد يصبح البعض سائقاً في شركة "أوبر" أو يعمل في المطاعم.

على صعيد آخر، قد يكون دعم المنظمات التي تنسّق جهودها مع الجماعات الإبداعية وتحميها خلال الصراعات شكلاً مهماً من المقاومة. قد تسهم الهبات والمِنَح أيضاً في إعالة من سُلِخوا عن وطنهم وتضمن عودتهم إلى ديارهم في نهاية المطاف. ونظراً إلى تصاعد أعداد الكتّاب والفنانين والمفكرين والناشطين المنفيين من أفغانستان، وهونغ كونغ، وميانمار، وبيلاروسيا، وأخيراً أوكرانيا وروسيا، حان الوقت كي تبتكر الحكومات الغربية والمؤسسات غير الحكومية أدوات جديدة لمساعدة الشتات في كل مكان. يبقى هؤلاء الأشخاص ممثلين للثقافات المحاصرة وقوة دافعة لمستقبل جديد.

لا يمكن انتظار توقف القصف لتقوية القطاعات الثقافية. تستطيع الدول الغربية والمعاهد الفنية والمؤسسات أن تُحدد الأسس التي تحمي الثقافة من خلال زيادة الاستثمارات في المؤسسات الثقافية تزامناً مع احتدام الصراع، وتعزيز الروابط بين القطاعات الثقافية المعرّضة للخطر وشركاء مختلفين حول العالم، وتسليط الضوء على قمع الشخصيات الثقافية والاعتراض على هذه الممارسات.

بعد تجربة أوكرانيا، قد يستنتج بوتين بأصعب الطرق أن الرجال والآلات وادعاء الرجولة ليست عوامل كافية للفوز بالحروب. في الوقت نفسه، بدأت الأدوات التقليدية لنشر الديمقراطية والدفاع عنها تنهار أمام النزعة الاستبدادية المتوسّعة. قد لا تكون الثقافة القوية بديلة عن الثبات الوطني، لكنها قد تصبح مصدراً أساسياً للإلهام والإيمان والرؤية الثاقبة التي تنذر بمستقبلٍ أفضل. لا يناضل الأوكرانيون اليوم لضمان صمودهم أو فرض سيطرتهم فحسب، بل إنهم يحاربون للحفاظ على هويتهم وأسلوب حياتهم واستقلاليتهم وتقاليدهم.

فيما تزداد روسيا والصين إصراراً على استعمال الثقافة كسلاح بحد ذاته، يجب أن يبرع الغرب وكل من يدعم المجتمعات المنفتحة في استخدام الثقافة كأداة دفاعية دائمة.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.