لبنان في ورطة جيوسياسية ترخي بأثقالها على مأزق مالي واقتصادي عميق. الورطة مصنوعة بحسابات محلية في دفاتر أقليمية يخوض أصحابها صراعاً مع سياسات دولية. والمأزق من شغل السلطة على مدى سنوات من تنظيم اقتصاد ريعي في "كازينو" مالي لخدمة الشراكة بين حكم الأوليغارشية وحكم النافذين. ما يزيد من خطورة الدوران في الورطة والمأزق أن الخائفين في السلطة على الكراسي خبراء في تعقيد الأزمات والمخارج منها. فضلاً عن أن المخيفين يستهلون مواجهة الثورة الشعبية السلمية بثورة مضادة ولو على طريقة شمشون. وما يلعب حتى عند من يحسب أنه اللاعب القوي هو أن المخرج المقترح من الورطة يقود إلى تعميق المأزق.
ذلك أن الذين يدعون الثورة الشعبية إلى الإبتعاد من التسييس ويتهمون خصومهم بركوب موجة الإحتجاجات وتسييسها يمارسون أعلى مراحل التسييس. فمن جهة، يطالبون الشباب الغاضب في الشارع بأن تقتصر المطالب على الملف المالي والإقتصادي. ومن جهة أخرى يرون خيوط "مؤامرة" كبيرة يستخدم أصحابها أصوات المتظاهرين موسيقى تصويرية لسيناريو "إمبريالي" قائم على إخراج الأقوياء من السلطة.
وليس أمراً قليل الدلالات أن يطلب الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله تأليف "حكومة سيادية" وسط مطالبة الساحات بحكومة خبراء من خارج الأحزاب والبرلمان. لكن في لبنان، مع الأسف، أكثر من مفهوم للسيادة. وهذا ما ينطبق عليه قول كونفوشيوس: "عندما تفقد الكلمات معانيها تفقد الناس حرياتها". فالبلد المنقوص السيادة يسمي، بلا منطق، أربع وزارات "وزارات سيادية". وفي كل تقارير الأمين العام للأمم المتحدة نص يدعو الحكومة إلى بسط السيادة بنزع سلاح "حزب الله" الذي يعتبر أن سلاحه يحمي السيادة. بين اللبنانيين فريق يربط "السيادية" بالتخلص من الوصاية السورية. وفريق آخر يفاخر بعلاقاته مع دمشق وطهران كعنوان للوطنية ويختصر "السيادية" بمواجهة "أوامر" السفارة الأميركية.
والذين ينظرون إلى الساحات، من نافذة السفارة الإيرانية، لا يرون سوى أصابع واشنطن وأموال الرياض. حتى استقالة الرئيس سعد الحريري القائل إنها "صُنعت في بيت الوسط"، فإنها، حسب أوساط "حزب الله"، "أمر عمليات" أميركي وسعودي. وهذا يقود إلى أن يكون الرد حكومة معركة مع أميركا والسعودية على أرض المحور الإيراني. ولا أحد يجهل مضاعفات هذه النقلة الكبيرة للبنان في الصراع الجيوسياسي: دخول في حصار مالي واقتصادي وعزلة ديبلوماسية وصراع أهلي داخلي.
والسؤال هو: من يستطيع تحمل ذلك وإدارته في عمق ورطة ومأزق يهددان بالإنهيار الكامل؟