بُصيلات شعرنا... منشأ سرطان الخلايا الصبغية؟

5 دقائق للقراءة

كشف بحث جديد أن سرطان الخلايا الصبغية لا يبدأ في البشرة فحسب، بل داخل بصيلات الشعر أيضاً. تغادر الخلايا البصيلات حين تصبح سرطانية وتتجه نحو طبقة الجلد الخارجية.

أثبت العلماء هذا الأثر على نموذج جديد من الفئران المصابة بسرطان الخلايا الصبغية البشري وأكدوها في نماذج من النسيج البشري.

نُشرت النتائج حديثاً في مجلة "تواصل الطبيعة"، حيث اعتبر الباحثون أن سرطان الخلايا الصبغية يبدأ في خلايا غير ناضجة تنتج الأصباغ في بصيلات الشعر، ثم ينتقل إلى طبقة الجلد الخارجية. يُعتبر هذا الشكل من السرطان عدائياً وصعب العلاج في مراحله المتقدمة.

صحيح أن 1% فقط من المصابين بسرطان الجلد يتعرضون لسرطان الخلايا الصبغية الغازي، لكنّ هذا المرض مسؤول عن معظم حالات الوفاة المرتبطة بسرطان الجلد. يبدأ السرطان في الخلايا الصبغية التي تنتج أصباغ الميلانين المسؤولة عن لون الشعر والبشرة والعينين.

تُركّز الدراسة الجديدة على الخلايا الجذعية الصبغية التي لم تصل بعد إلى مرحلة النضج النهائية.

صمّم الباحثون سلالة فئران وراثياً لإجراء الدراسة، ما يسمح بتحسين نماذج الحيوانات المستعملة لفهم طريقة نشوء سرطان الخلايا الصبغية البشري ومسار تطوره.

اعتبر الباحثون الذين استعملوا النماذج السابقة من المرض أن التعرض لأشعة الشمس هو أبرز عامل خطر للإصابة بسرطان الخلايا الصبغية. لكن يكشف النموذج الجديد من الفئران أن البيئة الخلوية داخل بصيلات الشعر قد تنتج السرطان أيضاً في الخلايا الجذعية الصبغية.

يقول المشرف الأول على الدراسة، كي سون، باحث في طب الأمراض الجلدية وعلم الأحياء الخلوي في كلية الطب التابعة لجامعة نيويورك: "أثبت نموذج الفئران الذي استعملناه للمرة الأولى أن الخلايا الجذعية الصبغية الورمية في بصيلات الشعر قد تنشئ السرطان. يمكن أن نستفيد من هذا الاكتشاف لتطوير أدوات تشخيص وعلاجات جديدة لسرطان الخلايا الصبغية".

استعمل الباحثون النموذج الجديد كي يثبتوا نشوء السرطان بمراحله الثلاث في بصيلات الشعر قبل وصوله إلى البشرة.

في المرحلة الأولى، تخضع الخلايا الجذعية الصبغية لتغيرات جينية تجعلها سرطانية. وفي المرحلة الثانية، يتوسع السرطان عبر تعريض الخلايا السرطانية لمؤشرات النمو (إنها المؤشرات التي تعزز نمو الشعر أيضاً).

وفي المرحلة الثالثة، تتحرك الخلايا الصبغية السرطانية الجديدة صعوداً في بصيلات الشعر وتغادرها وتدخل إلى طبقة الجلد المحيطة لترسيخ الأورام ثم الانتشار على عمق إضافي.

توضح هذه النتائج برأي الباحثين المعطيات البيولوجية لسرطان الخلايا الصبغية، وقد تُمهّد لظهور أفكار جديدة حول طريقة كبحه.

انطلاقاً من خلية جذعية واحدة، تتحول الذرية إلى جنين بأعضاء وأنسجة متعددة ومتنوعة وفيه مئات الأنواع الخلوية المختلفة. تحصل هذه العملية كلها بفضل قدرة الخلايا الجذعية على الانقسام والتكاثر والتحول إلى عدد هائل من الخلايا المتخصصة.

كذلك، تستطيع الخلايا الجذعية أن تُغيّر نوع الخلايا الأخرى. تكون هذه المرونة ميزة إيجابية خلال مرحلة النمو، لكنها قد تصبح خطيرة في سن الرشد لأنها تزيد مخاطر نشوء السرطان في هذه المرحلة.

يظن العلماء أن هذه المرونة تُصعّب تحديد الخلية الجذعية التي تشهد نشوء سرطان الخلايا الصبغية. عند رصد منشأ المرض، من الأسهل أن نتعقب مسار السرطان ونُسهّل معالجته. وبما أن الخلايا الصبغية تنتج الأصباغ التي تُحدد لون البشرة والعين والشعر، احتاج الباحثون إلى طريقة فاعلة للتلاعب بالخلايا الجذعية الصبغية حصراً في بصيلات الشعر. لتحقيق هذه الغاية، صمّموا وراثياً فصيلة فئران سمّوها c-Kit-CreER. في هذا النموذج من القوارض، استطاعوا تغيير جينات الخلايا الجذعية الصبغية في بصيلات الشعر من دون التأثير على تلك التي تقع في مناطق أخرى من الجسم. ومن خلال تعديل الجينات في نموذج الفئران الجديد، تمكنوا أيضاً من جعل تلك الخلايا تتوهج وترسم مسار الخلايا السرطانية المشتقة منها، بغض النظر عن وجهتها النهائية. سمحت هذه العملية بتعقب رحلة الخلايا الجذعية الصبغية كلها، من بصيلات الشعر إلى طبقة الجلد الخارجية، ثم إلى باطن الجلد حيث يتشكل الورم السرطاني. في مجموعة أخرى من التجارب، اختبر الباحثون ما حصل عند إسكات مؤشرات البيئة الخلوية في بصيلات الشعر واحداً تلو الآخر.

أثبتت هذه التجارب أن الخلايا الجذعية الصبغية لا تتنقل وتنقسم لتشكيل الأورام، حتى لو اكتسبت خصائص سرطانية، إلا إذا تلقّت مؤشرَين محددَين من بيئتها: "موقع التكامل بلا أجنحة" (Wnt)، والأندوثيلين. يعزز هذان المؤشران في العادة تكاثر الخلايا الصبغية ونمو الشعر في البصيلات.

يضيف سون: "يجب أن نتأكد من هذه النتائج عبر إجراء اختبارات بشرية إضافية طبعاً، لكنها توحي بأن سرطان الخلايا الصبغية قد يبدأ في الخلايا الجذعية الصبغية التي تنشأ في بصيلات الشعر والطبقات الجلدية، ما يعني أن بعض أنواع السرطان يشتق في الأصل من خلايا جذعية متعددة".