ألكسندر غراي

بكين تتطلّع إلى جزر المحيط الهادئ وتستغلّ الفراغ الأميركي الاستراتيجي

29 حزيران 2022

المصدر: Foreign Policy

02 : 05

رئيس وزراء دولة ساموا المستقلة فيام نعومي ماتافا ووزير الخارجية الصيني وانغ يي أثناء توقيع إتفاقية بين البلدين
في شهر كانون الثاني، أدلى خبير الشؤون الآسيوية في البيت الأبيض، كيرت كامبل، بتصريح أعلن فيه أن جزر المحيط الهادئ هي المساحة التي ستشهد على الأرجح "مفاجأة استراتيجية" خلال سنة أو سنتين في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ. كان ذلك التصريح غريباً. يُفترض ألا يتفاجأ أحد بمساعي بكين إلى تطوير منشآت مزدوجة الاستخدام أو قواعد عسكرية في المحيط الهادئ، ما يشير إلى مختلف الخيارات التي تستكشفها الصين في المنطقة، بما في ذلك جزيرة "مانوس" في بابوا غينيا الجديدة، و"بلاك روك" في فيجي، ورصيف ميناء "لوغانفيل" في فانواتو. في الأسابيع الأخيرة، تأكدت توقعات كامبل على ما يبدو، فقد عبّرت واشنطن عن قلقها من جولة وزير الخارجية الصيني وانغ يي في ثماني دول جزرية في المحيط الهادئ، وتوقيعه على اتفاقيات ثنائية مع بلدان عدة، ومحاولة إبرام ميثاق إقليمي طموح. فشل وانغ في إقرار الاتفاق الإقليمي الذي كان يطمح إليه، لكنّ نطاق الطموحات الصينية في منطقةٍ يتجاهلها صانعو السياسة في واشنطن زعزع جهاز الأمن القومي الأميركي. في الوقت نفسه، تتعدد المسائل التي لا تزال مجهولة حول اتفاقيات الصين الثنائية، ما يزيد المخاوف من تلاحق أحداث غير مرغوب فيها.

بعدما تجدّد اهتمام وسائل الإعلام الأميركية بجزر المحيط الهادئ للمرة الأولى منذ عقود وتعهدت الحكومة الأسترالية الجديدة بتقديم موارد مضاعفة إلى هذه المنطقة المهمة، حان الوقت كي يضع الأميركيون وأقرب شركائهم الإقليميين استراتيجية شاملة وطموحة. تبدو المخاطر المطروحة هائلة لدرجة أن تصبح المقاربات الاعتيادية مستحيلة. أثبتت زيارة وانغ لخبراء السياسة الخارجية الأميركية أن جزر المحيط الهادئ ليست مجرّد عنصر بسيط من الاستراتيجية الأميركية الخاصة بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، بل إنها قد تؤثر على نجاح أو فشل تلك الاستراتيجية في نهاية المطاف.

بدأ اهتمام الصين بمنطقة المحيط الهادئ في أواخر العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، ثم تسارع على مر العقد الماضي وراح ينبّه البعض في واشنطن إلى التهديدات المتزايدة هناك. نظّمت إدارة ترامب زيارات رفيعة المستوى إلى تلك المنطقة، وقد شمل بعضها نائب الرئيس ووزيرَي الخارجية والدفاع. كذلك، استضاف الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ترامب قادة بالاو وجزر مارشال وولايات ميكرونيسيا المتحدة في البيت الأبيض، في العام 2019، وبذل جهوداً كبرى لتجديد "اتفاقيات الارتباط الحر" بعد انتهاء صلاحيتها مع تلك الدول الثلاث (تنصّ هذه الاتفاقيات على تلقي دعم مالي أميركي مقابل السماح للولايات المتحدة بالانتشار عسكرياً في المنطقة). لكن يثبت الاتفاق الأمني الجديد بين الصين وجزر سليمان وجولة وانغ في تلك الجزر أن بكين تدرك أهمية المنطقة استراتيجياً أكثر من واشنطن بكثير.

حان الوقت إذاً لوضع استراتيجية حقيقية. تنشط بكين في أنحاء المحيط الهادئ، فتُعيّن دبلوماسيين رفيعي المستوى في مناصب أساسية، وتعرض حُزَماً مكثفة من مشاريع البنى التحتية (غالباً ما تكون مثقلة بديون عالية الفائدة)، وتقدّم الحوافز إلى النُخَب المحلية، وترسل كبار المسؤولين إلى المنطقة بانتظام. كذلك، تُعنى ستة مراكز بحثية صينية على الأقل بشؤون هذه المنطقة، وتنشر الصحف الدفاعية والاستراتيجية الصينية المرموقة مقالات متكررة عنها. تعرف بكين إذاً الأهمية الاستراتيجية التي تحملها سلسلة الجزر الثانية لتحقيق طموحاتها الإقليمية والعالمية الكبرى.

أمام هذا الوضع، يجب أن يبدأ الأميركيون وشركاؤهم الإقليميون (أستراليا، نيوزيلندا، تايوان، اليابان، فرنسا، بريطانيا) بالتصدي لهذا الهجوم جدّياً. حان الوقت لطرح سلسلة اقتراحات لتحويل المحيط الهادئ من مساحة فرعية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى جهة رائدة بما يتماشى مع أهميتها الاستراتيجية.

تجديد "اتفاقيات الارتباط الحر": ستنتهي صلاحية الاتفاقيات بين الولايات المتحدة وبالاو وجزر مارشال وولايات ميكرونيسيا المتحدة في العامَين 2023 و2024، لذا يجب أن تسارع إدارة بايدن إلى تجديد هذه الاتفاقيات المحورية التي تحظى بدعم الحزبَين الجمهوري والديمقراطي داخل الكونغرس. لا تسمح تلك الاتفاقيات للولايات المتحدة بالوصول عسكرياً إلى الدول الثلاث فحسب، بل إنها تعطي واشنطن الإذن بمنع وصول أي قوة أخرى. تبقى المتطلبات المالية الخاصة بالدول الثلاث ضئيلة. لكن في ظل الإصرار على تأجيل تجديد الاتفاقيات، تعمد بكين إلى توسيع نشاطاتها في كل دولة على أمل أن تُضعِف مكانة واشنطن هناك. تشمل بالاو راداراً بالغ الأهمية، وتضمّ جزر مارشال منشآت جوية وفضائية أساسية، وأصبحت ولايات ميكرونيسيا المتحدة أكثر اندماجاً مع الخطط الدفاعية الأميركية. لهذه الأسباب، سيكون الامتناع عن تجديد الاتفاقيات في أسرع وقت، وبالتالي المجازفة بتكثيف التدخّل الصيني، خطأً استراتيجياً فادحاً.

توسيع نطاق الاتفاقيات كي تشمل كيريباتي وناورو وتوفالو: هذه المناطق هي أصغر الدول الجزرية في المحيط الهادئ وأكثرها هشاشة، وهي معرّضة للتدخل الصيني وتستهدفها بكين في مناسبات متكررة. جذبت كيريباتي تحديداً انتباه بكين، وهي تشمل مطاراً مدعوماً من الصين على بُعد ألف ميل تقريباً من هاواي، ويفترض المحللون أن هذا المشروع يحمل غايات عسكرية. بدعمٍ من أستراليا ونيوزيلندا، يجب أن تعرض الولايات المتحدة اتفاقيات على هذه الدول الثلاث لترسيخ السيادة التي اكتسبتها بأصعب الطرق، تزامناً مع حماية المنافع الاقتصادية الناجمة عن توثيق العلاقات مع واشنطن وكانبيرا وويلينغتون. أصبحت هذه الفكرة محط جدل منذ عقود، لكن حان الوقت لمساعدة هذه الجزر الأساسية على حماية استقلالها وسيادتها في وجه الضغوط الصينية المتزايدة.

تعزيز الحضور الدبلوماسي الأميركي في جميع جزر المحيط الهادئ: قررت واشنطن تقليص منشآتها الدبلوماسية في المحيط الهادئ في نهاية الحرب الباردة، وهي تدفع ثمن هذا القرار منذ ذلك الحين. يجب أن تطرح الإدارة الأميركية اقتراحاً فورياً أمام الكونغرس الأميركي لتوسيع حضورها الدبلوماسي في جميع الدول الجزرية في المحيط الهادئ خلال سنة. اليوم، تغطّي السفارة في بابوا غينيا الجديدة شؤون فانواتو وجزر سليمان. وتضطر السفارة في فيجي لتمثيل تونغا وكيريباتي وناورو وتوفالو. تعهدت إدارة بايدن بتنفيذ التزامات الرئيس السابق المرتبطة بفتح سفارة في جزر سليمان، لكن يجب أن تسرّع وزارة الخارجية الأميركية خطواتها في هذا الإطار. يُفترض أن تُعيّن واشنطن دبلوماسياً مخضرماً له فريق كفؤ وحضور دائم لمنافسة الجهود الدبلوماسية الصينية المتواصلة.

تقديم المساعدات التنموية التي يريدها شركاء واشنطن: تتفوق بكين في دول نامية كثيرة لأنها تطلق مشاريع البنى التحتية هناك، وغالباً ما تترافق هذه الخطط مع بنود خفية تزيد ديون المتلقي وتُخضعه للإكراه الصيني وتجعله أكثر عرضة للتدخل السياسي. لكن تحظى هذه المشاريع عموماً بشعبية واسعة وسط الرأي العام والنخبة السياسية والاقتصادية. في المقابل، تتجنب واشنطن منذ وقت طويل المشاريع التنموية الكبرى في منطقة المحيط الهادئ، فتفضّل التركيز على برامج أصغر نطاقاً في مجالات الصحة والتعليم والحُكم الرشيد. من دون القيام باستثمارات مهمة في المشاريع التي تحتاج إليها الدول الجزرية، مثل الطرقات والموانئ والمطارات وبنى تحتية أخرى، سيبقى الأميركيون وشركاؤهم متأخرين عن غيرهم. لتحسين الوضع، يجب أن تحضّر الإدارة الأميركية والكونغرس مبادرة خاصة بالبنية التحتية في جزر المحيط الهادئ. ويُفترض أن تتلقى أستراليا، ونيوزيلندا، واليابان، وتايوان، والقطاع الخاص عموماً دعوة للمشاركة، مع أن جزءاً من أهم المشاريع الاستراتيجية سيفتقر على الأرجح إلى عائدات استثمارية كافية لجذب الرساميل الخارجية.

التكلم بلغة الشركاء: تدرك واشنطن وكانبيرا وويلينغتون أهمية المحيط الهادئ من الناحية الاستراتيجية، لكن يُفترض أن تدعم هذه الجهات العلاقات الاستراتيجية عبر التكلم بلغةٍ تترك أثراً إيجابياً لدى الدول المشارِكة. بدأت إدارة ترامب تُشرِك وكالات حكومية أميركية متنوعة، بدءاً من خدمة الطقس الوطنية وصولاً إلى الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، لمعالجة مسائل مثل الصيد غير الشرعي وغير المنظّم، وارتفاع مستوى البحار، وتآكل التربة، والاتجار بالحياة البرية، وعواقب حوادث الطقس الحادة. تؤثر هذه المسائل كلها على الحياة اليومية في جزر المحيط الهادئ، ويمكن بناء روابط وثيقة وشراكات طويلة الأمد عبر معالجة هذا النوع من المشاكل. تبرز الحاجة إلى وضع استراتيجية شاملة لجزر المحيط الهادئ، من إعداد مجلس الأمن القومي وبمشاركة جميع أطراف الحكومة الأميركية، لتحديد مستوى التزام واشنطن بالمسائل الأمنية في تلك المنطقة.

أخيراً، يجب أن تُعتبر جولة وانغ الشاملة في منطقة المحيط الهادئ بمثابة جرس إنذار لإيقاظ واشنطن من سباتها. لا يمكن إهدار المزيد من الوقت فيما تسعى بكين إلى توسيع نفوذها في جزر سليمان وتطوير علاقاتها مع كيريباتي، وفانواتو، وتونغا، وفيجي.

لن تكون الاستراتيجية الأميركية الجريئة في المحيط الهادئ مجرّد ردة فعل تبديها دولة رائدة عالمياً، تماشياً مع نزعتها إلى التدخل في شؤون جميع مناطق العالم، بل إنها خطوة أساسية للحفاظ على وضع استراتيجي بالغ الأهمية، فلا تواجه الولايات المتحدة أي عوائق تحول دون وصولها إلى شرق آسيا حيث سيتقرر مصير القرن الواحد والعشرين.