جاد حداد

Richard Jewell... التميّز مفقود

6 تموز 2022

02 : 01

يعرض فيلم Richard Jewell قصة حقيقية عن حارس الأمن الانطوائي الذي أنقذ حياة الكثيرين من هجوم إرهابي خلال الألعاب الأولمبية في "أتلانتا". يتّسم العمل بأداء تمثيلي قوي بشكل عام، لكنه مليء بالسخافات أيضاً.

يتولى كلينت إيستوود إخراج هذا الفيلم الذي يتمحور حول قصة واقعية عن إخفاق العدالة. إنها حكاية رمزية عن شرور تدخّل الحكومة المفرط في حياة الناس. العمل أشبه بخليط غريب بين فيلمَي Paul Blart: Mall Cop (بول بلارت: شرطي المركز التجاري) و Marty الذي صدر في العام 1955 وكان من بطولة إرنست بروغنين، وتمحور حول شاب لطيف وغير جذاب يقيم مع والدته. يقدّم معظم الممثلين في فيلم إيستوود أداءً ممتازاً، لكن يبدو أداء البعض رديئاً ومتصنعاً.

خلال الألعاب الأولمبية في "أتلانتا"، في العام 1996، زرع إرهابي يميني متطرف اسمه إيريك رودولف قنبلة أنبوبية في "سنتنيال بارك"، فقُتِل شخص واحد وجُرِح الكثيرون. لم يتم القبض عليه قبل العام 2003. لم تكن الخسائر البشرية هائلة بفضل بطولة رجل واحد: إنه حارس الأمن ريتشارد جيويل. كان هذا الرجل الجدّي والبدين يطمح للتحول إلى شرطي حقيقي يوماً ويُصِرّ على تطبيق القواعد المعمول بها. شاهد حارس الأمن حقيبة الظهر المشبوهة التي أغفل عنها رجال الشرطة العاديون، الذين يتخذهم ريتشارد قدوة له، وبدأ بتفريق الحشود.

لكن اعتبر مكتب التحقيقات الفدرالي ريتشارد مصاباً باضطراب الشخصية المعادية للمجتمع وافترض أنه زرع القنابل عمداً للعب دور البطل عند العثور عليها. من دون أدلة جازمة لتبرير توقيفه، سرّب المحققون شكوكهم إلى صحيفة المدينة وقلبوا وسائل الإعلام ضد "ريتشارد" على أمل أن ينهار ويعترف بذنبه. لكن حافظ ريتشارد على قوته بطريقة مدهشة خلال هذه المحنة، وسرعان ما واجهت وسائل الإعلام والمسؤولون في مكتب التحقيقات الفدرالي موقفاً معيباً. القصة مشابهة لمحتوى فيلم Sully: Miracle on the Hudson (معجزة سولي على نهر هدسون) من إخراج إيستوود أيضاً، حيث يقوم شاب بعمل بطولي ثم يسخر منه المسؤولون في السلك القضائي والرجال غير الأبطال المعتادون على عدم التدخل لتقديم المساعدة.

هذه هي القضية التي يريد كاتب السيناريو بيلي راي والمخرج إيستوود إعادة تجسيدها أمام الناس. القصة ممتازة وطريقة سردها ناجحة، لكن يتعلق أهم عامل بقوة أداء بول والتر هاوزر. هو يجسّد دور رجل حزين على نحو مؤسف. كذلك، تقدّم كاثي بيتس أداءً مبهراً وهادئاً بدور الأم التي تعاني منذ وقت طويل. أما سام روكويل، فيقدم شخصية "واتسون براينت"، المحامي الشجاع والفوضوي الذي يستلم قضية الشاب المظلوم. هو يجسّد شخصية حقيقية أيضاً، مع أن عدداً أكبر بكثير من المحامين شارك في القضية.

يكون "واتسون" شخصاً مستقلاً لديه ملصق في مكتبه كُتِب عليه "أخاف من الحكومة أكثر مما أخشى الإرهاب"، مع أننا لن نسمع منه أنه مقتنع بهذه المقولة في أي لحظة ولن نعرف إذا كانت هذه القضية مسؤولة عن تغيير رأيه. من اللافت أيضاً أن يُعلَّق العلم الكونفدرالي إلى جانب العلم الأميركي في خلفية مشاهد المؤتمرات الصحفية المتكررة.

على صعيد آخر، تتعدد السخافات التي يعرضها هذا الفيلم. تتمحور القصة في الأساس حول توجيه التُهَم من دون أدلة وافية، لكن يؤكد الفيلم رغم غياب الأدلة على أن الصحافية الحقيقية "كاثي سكراغز" (أوليفيا وايلد بأداء سخيف وفظ) تقيم علاقات جنسية مع مصادر المعلومات لاستكشاف تفاصيل هذه القصة. يعني ذلك إقامة علاقة مع المسؤول في مكتب التحقيقات الفدرالي، "توم شو" (شخصية خيالية تُستعمَل لتمثيل المسؤولين الحقيقيين). لكن يؤكد هذا الدور ضعف أداء الممثل جون هام. تحتاج هذه الشخصية إلى بعض التعاطف والكوميديا كي تعطي وسامته المفعول المنشود، لكنه لا يصيب الهدف هذه المرة. سكراغز الحقيقية ماتت، وبالتالي لا يمكنها مقاضاة صانعي العمل، وكأن إيستوود وراي لم يكتفيا بطرح معلومات خاطئة حول عملها الصحفي، بل إنهما ذهبا إلى حد التشهير بها.

في مطلق الأحوال، يبقى هاوزر نجم الفيلم وهو الذي يرفع مستوى العمل، فيقدم شخصية عميقة ووحيدة وضعيفة ويحافظ على التوازن الهش بين السخرية والكوميديا. يبدو دوره غامضاً، فهو الضحية البطل الذي أنقذ حياة الناس فعلاً لكنه حُرِم من لحظة المجد والاحتفال، فيما أثبت جميع المسؤولين المحيطين به مدى خبثهم وقلة كفاءتهم.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.