جاد حداد

موسيقى مستوحاة من الثقب الأسود

4 دقائق للقراءة

في ظل غياب أي تسجيلات لأصوات الكون "الحقيقية"، قد تفكر أيضاً بالموسيقى. حاول العلماء تجسيد تلك الأصوات بطريقة مبتكرة عبر الألحان الموسيقية. لكن تبقى هذه الجهود مجازية وبعيدة عن واقع الفضاء الملموس.

ما الذي يحصل إذا أضفنا عناصر علمية حقيقية إلى هذه العملية المبتكرة؟ هذا ما تفعله "سمفونية الثقب الأسود" التي ألّفها الملحّن ديفيد إيبيت ومن المنتظر أن تعزفها أوركسترا في متحف العلوم في بوسطن، ماساتشوستس.

يُحوّل هذا المشروع بكل ذكاء أبحاثاً متطورة عن الثقوب السوداء إلى لحن سمفوني كهربائي يتألف من خمس حركات. هو يجمع بين مقاطع سردية من العلماء ومؤثرات بصرية غامرة ومشابهة للقبة السماوية انطلاقاً من صورٍ التقطتها أدوات علمية مثل "تلسكوب أفق الحدث": تشمل هذه المجموعة الواسعة من الأدوات شبكة عالمية من المقارب الراديوية التي التقطت أول صورة لثقب أسود.

تطلق هذه العناصر رحلة مدهشة عبر خصائص ثقبٍ أسود قد يكون من أكثر الظواهر غموضاً في الكون، بدءاً من كتل الغبار الدوارة في محيطه وصولاً إلى شعاع المادة المؤينة التي يبثها وتُعرَف باسم النفاثات النسبية.

اعتبر إيبيت تجسيد هذه التعقيدات عاملاً أساسياً، فقال: "هذه العملية ليست مجرّد تجربة متجانسة تهدف إلى الانغماس في الفراغ. بل إننا نتعامل مع هذه المناطق المختلفة من الغبار والصخور والغيوم شديدة السخونة، وهي تلمع مع ومضات من الضوء وتشمل قرصاً وعدسة الجاذبية... إنها قصة غنية تستحق أن يكتشفها الناس".

تعاون إيبيت مع باحثين من "مركز الفيزياء الفلكية" و"مبادرة الثقب الأسود" في كامبريدج، ماساتشوستس، لتحويل أحدث بيانات عن الثقوب السوداء إلى موسيقى.

لا يزال قطاع "صوتنة" البيانات صغيراً، لكنه غني جداً ويسمح بنقل المعلومات عبر مزايا صوتية مثل النغمة أو النبضة أو الإيقاع. قد تتعلق تلك المعلومات بأي موضوع، بدءاً من أنماط بَلْورة الملح وصولاً إلى آثار التغير المناخي على شجر الأرز.

تشتق البنية الموسيقية للسمفونية الجديدة من انبعاثات كهرومغناطيسية من ثقب أسود والظواهر المحيطة به، وتتزامن مع تخفيض مستوى الموجات الراديوية وزيادة أشعة "غاما".

يرتكز جزء من السمفونية على محاكاة ثقبَين أسودَين مندمجَين، وهو يسمح بتمديد الزمان والمكان أو حصرهما عبر موجات الجاذبية لتحديد "الانزلاقة" من نوتة موسيقية إلى أخرى (Glissando) على آلة الترومبون.

لإنتاج هذا اللحن، يتعلق عامل أساسي بإيجاد الآلات التي تناسب "شخصية" عناصر الثقب الأسود: يمكن التعبير عن النفاثات النسبية مثلاً عبر غيتار كهربائي مُعدّل، بينما يمثّل البوق الفرنسي كتل الغبار.

تلاعب إيبيت بقائمة "الأصوات الفضائية" المعروفة في هذه المرحلة بالذات، فخالف التوقعات حيناً والتزم بالقواعد المتعارف عليها أحياناً. تبدو أولى مقاطع السمفونية مألوفة مثلاً في النسخة المصوّرة من الأوبرا الفضائية.

يوضح إيبيت: "أتمنى أن نكون قد نقلنا تلك اللحظات المألوفة كلها، علماً أنها تتبع إيقاعها الخاص بسبب البيانات المدرجة في القطعة الموسيقية. هذا العامل يوجّه الموسيقى نحو مسار غير اعتيادي، على أمل أن ينتج عملاً جديداً يرقى إلى مستوى التوقعات".

تستكشف "سمفونية الثقب الأسود" ظاهرة حديثة وغير معروفة، ويمكن اعتبارها مُلهِمة بقدر ما هي مليئة بالمعلومات الجديدة. تتطلع هذه الموسيقى إلى مستقبل الفيزياء الفلكية عبر مقطع يمثّل "هوائي مقياس التداخل الليزري الفضائي" الذي سيتولى يوماً مطاردة موجات الجاذبية.

أخيراً، يستنتج إيبيت: "نريد أن يشعر الناس، بعد سماع هذه القطعة الموسيقية، بالدهشة والفضول ويقدّروا قيمة الكون والثقوب السوداء، ولا ننسى أهمية الموسيقى والفنون والطابع المشترك الذي تحمله هذه العوامل. يمكننا أن نحتفل بهذه الظاهرة من دون شروط مسبقة".

توقف لبرهة وتخيّل صوت الكون! ما الذي يخطر في بالك؟ هل تفكر بزمجرة الرياح في كوكب بعيد خارج المجموعة الشمسية، أو الانفجارات الجامحة على سطح الشمس؟ أم تفكر بكل بساطة بالعدم وسط فراغ الفضاء غير المحدود؟