الحلقة الاولى
بشير في مواجهة وليد
في العشرين من شهر حزيران، عقب يوم واحد على دخول ميليشيات القوات اللبنانية إلى جبال الشوف، التقى الجميّل وجنبلاط في القصر الرئاسي في بعبدا. كان رئيس الجمهورية آنذاك، إلياس سركيس قد دعا إلى تشكيل "لجنة خلاص"، ضَمّت ممثلين عن الطوائف الأساسية، بهدف مناقشة مسألة الاجتياح الإسرائيلي وتداعياته. تشكلت اللجنة من رئيس الوزراء شفيق الوزان، ووزير الخارجية فؤاد بطرس، وبشير الجميّل ووليد جنبلاط، ونبيه برّي، رئيس حركة أمل الشيعية، ونصري المعلوف. جنبلاط، الذي كان قد عبّر في السابق عن رفضه الانضمام إلى اللجنة، وافق في النهاية على طلب الرئيس سركيس، بعد أن ضُمِنَت موافقة بعض القادة السياسيين السُّنة، وفي مقدَّمهم صائب سلام ورشيد كرامي، واتُفق على توسيع اللجنة بحيث ينضم إليها عدد أكبر من الشخصيات. قبل هذا الاجتماع، ما كان قائدا الحرب الشابان قد التقيا على الإطلاق، وإنما كانا يتبادلان الرسائل من خلال شبكة من المحاورين، أقلّه منذ العام 1980. ولقد كانت آخر محاولة لهما للتوافق في 1980 - 1981، ولكن ثمة مَنْ يظنّ أن حافظ الأسد قوّضها لكونه ما كان يستسيغ فكرة من هذا النوع. إذن، قبل الدعوة إلى الاجتماع، كان الرجلان قد عقدا اجتماعاً جانبياً دام خمساً وأربعين دقيقة تقريباً. وبحسب المحضر الرسمي لوقائع هذا اللقاء، سأل الجميّل جنبلاط دعم ترشيحه في انتخابات رئاسة الجمهورية بحيث يفوز بها، كما طلب منه المساعدة على إنهاء الاجتياح العسكري الإسرائيلي، عبر إقناع حلفائه الفلسطينيين بالاستسلام.
في المقابل، قُدِّمت لجنبلاط فرصة الارتقاء إلى منصب الرجل الثاني في الجمهورية، بحيث يتمتع بصلاحيات تجعله مسؤولاً أمام الرئيس وحده دون غيره. وبحسب جورج فريحة، رئيس فريق العمل الخاص ببشير، كان تعاون جنبلاط لنجاح المشروع ضمانة في غاية الأهمية. إذ أراد الجميّل في الواقع إعادة إرساء التحالف الدرزي الماروني الذي كان قائماً قبل العام 1840، بحيث يتقلّد الموارنة والدروز السلطة الرئيسة. ولكن مَنْ يخض في تاريخ القرون الماضية، يجد أن الموارنة درجوا على إضمار نوع من أنواع الوهم صَوَّر لهم أن الدروز يشاطرونهم مطمحهم اللبناني القومي، وأن العودة إلى الإمارة اللبنانية كانت أمراً مقبولاً ومعقولاً لديهم.

صدرت الطريقة السافرة التي خاطب بها بشير جنبلاط عن أمرٍ وقع قبل شهر على الاجتياح الإسرائيلي، تمثّل في الرسالة التي طلب جنبلاط من مبعوث بشير أن يوصلها إليه، يعبّر له فيها عن إرادته بتفادي أية مواجهة في جبل لبنان. مع ذلك، لم يسفِر الاجتماع الأول بين الرجلين عن أية نتائج ملموسة. كان من المحتمل أن يؤخذ طرح الجميّل بالاعتبار، لما ينطوي عليه من إمكانية تمكين الدروز سياسياً وإعطائهم حِصّة أكبر من الدولة اللبنانية. ولكن، نظراً للخطاب السياسي الذي كان جنبلاط يعتمده في تلك المرحلة، فإنه يسهل الافتراض أن ذكرى القرن التاسع عشر لم تنسجم مع ذاكرته ولا مع ذاكرة الدروز الجماعية. إذ كان من شأن أية إحالة إلى تلك الحِقبة أن تستدعي صوراً عن غَدْر الموارنة، والاضطهاد الذي ذهب ضحيته أسلاف جنبلاط، بخاصة تلك الصور عن المصير الذي دُبِّر للشيخ بشير جنبلاط فقضى عليه، والذي سبقنا إلى التوقف عنده. ومن ناحية أخرى، كان الموارنة يدركون جيداً هذا الواقع وهم أسهبوا في الإفصاح عن عدم استعدادهم إطلاقاً للثقة بالدروز. وعلى نحو مثير للاهتمام، ثمّة مثل لبناني شعبي [سائد لدى المسيحيين بشكل خاص] يدعو إلى اعتماد هذا الخط في السلوك، كونه يسدي إلى المرء نصيحة يقول له فيها: "تعَشَّ عند الدرزي ونام عند المسيحي"، وهو يشدد بالتالي على طبيعة الدروز الغَدّارة، التي تسوِّل لهم قتل ضيفهم أثناء نومه. ومن جهتنا، نستطيع الافتراض بلا أي حذر أو خشية أن هذا المثل ما كان صنيعة الدروز، ولا هم عملوا على نشره بين الناس وفي الأمصار، بل إنه تعبير عن رؤية شركائهم في الوطن لهم. ثمّة مقالة نشرت في جريدة العمل بعنوان "وليد جنبلاط وعُقدة بشير الجميّل"، تستطيع التأكيد على هذه النقطة، إذ تعرِض هذه الصفحة لقصة تحكي كيف أن وليد جنبلاط، ومُذ خلعت عليه عشيرته عباءة الزعامة، أضمر غيظاً وحقداً حِيال الموارنة، بخاصة منهم بشير الجميّل. وبحسب ما ورد في هذه المقالة، فإن هذه سِمَة ورثها عن أبيه. غير أن الأمر الأكثر أهمية الذي يصِرّ عليه صاحبه وليد، وهذا اسم مستعار عائد إلى نبيل خلف، فهو التالي:

لقد كان اسم بشير مزعجاً للجنبلاطيين لأنه يذكّرهم بنهاية سيطرتهم الإقطاعية على البلاد منذ بشير الثاني الكبير. وإنّ بشير الجميّل يجسّد اليوم من دون ريب أو مبالغة هذا التحدي الذي يشكله المسيحيون (أو الموارنة) في تاريخ هذا الوطن: تحدّي النهوض والعنفوان الوطني. وهو وهم في ذلك لا يبغون البتة الافتراء على حق أحد، بل الدفاع عن حقوق الجميع وإنما في أحجامها الحقيقية وليس بأحجام الاحتلالات الأجنبية. لقد كان الموارنة في أذهان البعض قادرين على أي شيء (تجارة، ثقافة، سياسة، خدمات) ما عدا التحوّل إلى مجتمع عسكري مقاتل. وها هم مع بشير الجميّل يثبتون أنهم أشرس جماعة مقاتلة على امتداد المنطقة كلها.
مــعــركــة قُــبَّــيْــع - الــقــرَيّــة: الــشــرارة الأولــى
في السابع والعشرين من شهر حزيران، أي بعد مضي سبعة أيام على اجتماعهما، ردّ جنبلاط على طرح بشير. وبالإضافة إلى القوات اللبنانية المدفوعة على عجل إلى الشوف، أرسلت فرقة صغيرة إلى منطقة عاليه - المتن، حيث حطّت رحالها في دير مار الياس الواقع في قرية الكحلونية، على بعد بضعة أميال غرب الطريق الدولية بيروت - دمشق. وما لبث هؤلاء الجنود التابعون للقوات اللبنانية أن استقوَوْا بالوجود الإسرائيلي في المنطقة، فشرعوا يسيّرون دوريات في بعض من القرى المحيطة، مفتشين بعض البيوت بحثاً عن السلاح. ومع بَدْء الاجتياح، كانت القيادة العسكرية في الحزب التقدمي الاشتراكي قد أصدرت تعليمات إلى كل وحداتها بالإحجام عن المجاهرة بحمل السلاح، والإبقاء على الاحتراس واليقظة لا غير، بخاصة أثناء الليل. غير أن التجاوزات الموصولة للقوات اللبنانية، المتمثلة خصوصاً بمداهمة المنازل بحثاً عن أسلحة واستجواب الناس، كانت كافية بالتأكيد لتستفِز ردّاً درزياً عنيفاً. وعند الفجر، لاحظ الدروز، الذين كانوا يقومون بحراسة قرية القريّة تحركات انطلقت من ثكنة القوات اللبنانية وسدّدت آلياتها باتجاه قريتهم. ولقد أكّد لي غالبية الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات والذين قاتلوا في هذه المعركة، أن القوات اللبنانية أو مَن اعتادوا الإحالة إليهم بالكتائب، أخذتهم على حين غِرّة ودخلت قراهم فجأة. ويعود السبب الرئيس في هذه المفاجأة إلى أنهم حسبوا هؤلاء الجنود إسرائيليين، لأن بذلاتهم العسكرية وآلياتهم كانت شبيهة تماماً بتلك الخاصة بقوات الجيش الإسرائيلي. راحت القوات اللبنانية تفتّش المنازل، وتلُفُّ وتدور حول بعض القرويين الذين جمعوا في ساحة البلدة، وهو ما رأى فيه الدروز نذير شؤم قد يؤدي في النهاية إلى مَقْتَلَة يذهبون ضحيتها. كان الدروز قلقون بشكل خاص من أن يتكرر "سيناريو" العام 1976 الذي حصل في قرية صاليما حيث، وانتقاماً لمقتل بعض من مقاتليهم، أفاد الكتائب من وجود الجيش السوري في تلك الحِقبة، وأغاروا على الدروز، وقتلوا عدداً منهم. وبعيد دخول الجيش الإسرائيلي منطقتهم، انتدب أهالي المتن جهاد بوفخرالدين، وقد كان قائداً عسكرياً في الحزب التقدمي الاشتراكي، لينقل إلى الإسرائيليين مخاوف ناسه ورفضهم القاطع لأي وجود للقوات اللبنانية داخل مناطقهم.
لن نسمح لكم بدخول قرانا إن كانت الكتائب (القوات اللبنانية) ستدخل في أعقابكم أو تستخدم قواتكم كغطاء تتدثر به لتكسب منفذاً إلى مناطقنا. وإن أجزتم لها بذلك، فسنجد أنفسنا ملزمين بقتالكم. فإما أن تضمنوا الحؤول دون إقدام الكتائب على إقامة نقاط تفتيش ومعابر ومراكز، وإما، إن اخترتم عكس ذلك، لن تدخلوا المتن إلا على جثثنا.
كان كامل ضَوّ أحد المعتقلين في ساحة القرية، وهو شيخ عجوز يبلغ من العمر تسعة وسبعين عاماً، أجبر أسوة بغيره من أبناء قريته على الجلوس أرضاً لأكثر من ثماني ساعات، ثم أجبروا بعدها على العودة إلى منازلهم وملازمتها بموجب الإقامة الجبرية التي فرضت عليهم، لستة أيام بلياليها، وهي المدة التي طالتها المعركة التالية لاعتقالهم في الساحة. وإذ آلمته الإهانة وأرهقه الملل، توجّه ضَوّ إلى أحد معتقِليه بالقول: "لسنا معتادين على الجلوس هكذا (لثماني) ساعات"، فردّ عليه ميليشيوي القوات اللبنانية حانقاً بالقول: "اخرس! لقد جعلتمونا (أي أنتم الدروز) نقبع على الأرض لأكثر من ثماني سنوات*". إن الطريقة التي اعتمدها الجندي للردّ تعكس كيف أن العديد من مقاتلي القوات اللبنانية، وعلى الرغم من تعليمات بشير الواضحة، كانوا يمتثلون للرغبة في الانتقام أكثر من امتثالهم للإيديولوجية السياسية. وفي هذا الصدد، يستذكر حليم بوفخرالدين، وهو من مواليد بلدة قبَّيع، يومَ دخل في مُشادَّة مع مقاتل من القوات اللبنانية، في مستشفى مدينة عاليه، قبل بضعة أيام على دخولها العاصف إلى بلدته. إذ عقب تبادل قصير الأمد للنيران بين الحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية، نقل أحد المقاتلين الدروز إلى المستشفى مصاباً بجروح خطِرة. وفي وقت بدأ حليم يعالج إصابته، انقضّ عدد من مقاتلي القوات على قسم الطوارئ طالبين القبض على المريض وتوقيفه. وبوصفه طبيباً، واجه حليم هؤلاء الرجال وقائدهم الذي كان فتيّاً، ذا وِقفة عدوانية للغاية، تكسو وجهه لحية بدا متباهياً بها، ويُشْهِر مسدساً راح يلوح به. ذاك كان إيمانويل الجميّل، ابن أخت بشير. قال إيمانويل لحليم: «اسمع دكتور. نحن الدولة (اللبنانية]) هنا. من الآن فصاعداً، إرادتنا هي التي ستسود؛ عليك أن تعتاد على الأمر". لم يتعرّف حليم على الرجل في حينه، ولكنه لم يتأخر برؤيته ثانية، بعد مضي أسبوع على المشادّة، عندما كان يتفقد جثته على بعد خطوات قليلة من منزله، حيث سقط قتيلاً.