آدم شمس الدين

غير إصلاحية البتة... لا بل تذكّر بممارسات الإرث اللعين

موازنة 2022 الأسوأ منذ بدء الإنهيار

8 آب 2022

02 : 00

إضراب الموظفين... إلى متى؟

تفصلنا 4 اشهر عن نهاية العام 2022 ، ولا يزال النقاش في جنس ملائكة وأرقام موازنة العام 2022 مستمراً. وحتى كتابة سطور هذا المقال، يتحرك سعر صرف الدولار في سوق موازية من دون حسم سعر الصرف الذي يمكن اعتماده في الموازنة، إن كان على منصة صيرفة أو غير صيرفة.

صحيح ان الالتزام بالمواعيد الدستورية لم يكن يوماً من ميزات السلطة، لكن من يتابع الأخذ والرد بين وزارة المالية ولجنة المال والموازنة في البرلمان حول بنود الموازنة والملاحظات عليها يصاب بحنين غريب الى الماضي القريب.

قبل الانهيار الكبير كانت لجنة المال والموازنة بشخص رئيسها ابراهيم كنعان تدرس النقاط والفواصل في بنود الموازنة حرصاً منها على المالية العامة، كما تدعي! وقتها كانت محاولات اللجنة لسد ثقوب الهدر في خزينة المالية العامة كما تزعم، تجري في ظل تشكل تسونامي مالي تمكن من الاطاحة بالخزينة والمالية والبلاد برمتها.

الثقوب صارت فجوة هائلة

اليوم تتابع اللجنة عملها كالمعتاد والثقوب صارت فجوة، وثقبأ أسود مخيفاً ساخراً من مسرحيات التدقيق والتمحيص بين «المالية» واللجنة. هل من سلطة تحكم أي دولة في العالم تمر بأزمة تعد واحدة من اسوأ ثلاث أزمات في التاريخ الحديث يمكن ان تقنع أحداً انها تريد الخروج من أزمة وهي غير قادرة على اقرار موازنة... أي موازنة كانت؟ السؤال ضروري بصيغته، خاصة وأن الحكومة تتحدث بشكل علني عن رغبتها بالتوصل الى اتفاق وبرنامج مع صندوق النقد الدولي، وهو ملاذها الوحيد.

في السابع من نيسان أعلن عن الاتفاق المبدئي بين الصندوق والدولة اللبنانية. في البند الثالث من الاتفاق المبدئي، يشترط الاتفاق اقرار حكومة لبنان موازنة عام 2022.

مر 4 اشهر على الاتفاق و11 شهراً على المهلة الدستورية لاقرار الموازنة، والموازنة بأسعار صرفها ودولارها الجمركي وبنود انفاقها لم تقر حتى هذه اللحظة. ما حدا بصندوق النقد الى المطالبة ولو في كواليس المفاوضات باقرار موازنة 2023 قبل الاعلان عن امكانية التوصل الى برنامج معه.

الى أن يقضي الله أمرا كان مفعولاً، هل يمكن الركون الى موازنة 2022 في حال اقرارها كموازنة انقاذية، هل ترتقي الى مستوى الازمة التي تعصف بالبلاد؟


* صالح: مقاربة المساعدات الاجتماعية مؤشر الى استمرارية العقلية التدميرية لإدارة مالية الدولة



أمين صالح


تشبه موازنات ما قبل 140 سنة

بالنسبة للمديرالسابق للمحاسبة العمومية في وزارة المالية أمين صالح لم تلتزم موازنة العام 2022 بالحد الادنى من روحية الموازانات العامة لأي موازنة حديثة في المقاربات الاقتصادية والمالية الحديثة. «الموازنة في العصر الحديث لم تعد صكّاً تشريعياً تقدّر فيه نفقات الدولة ووارداتها عن سنة مقبلة وتُجاز بموجبه جباية الضرائب وإنفاق الأموال العمومية. بل باتت تأخذ في الاعتبار التوازن الاقتصادي والمالي، أي أنّ الموازنة لم تعد منفصلة عن الرؤية الشاملة للاقتصاد ككل». يتابع صالح بالقول ان مفهوم هذه الموازنة كما سالفاتها حتى في زمن الاستقرار الوهمي «يشبه الى حدّ بعيد المفهوم الوارد في النظام العام للمحاسبة العمومية الفرنسي الصادر بتاريخ 31 أيار 1862، أي منذ نحو 140 سنة، والذي أبقى خصائص الموازنة لجهة تقدير وإجازة ولمدّة محدودة، وأغفل دورها الاقتصادي والمالي».

مقاربة صالح تحيلنا الى الخلاصة التالية: ثمة حكومة تقارب أزمة تعد من ثلاث أسوأ أزمات منذ القرن التاسع عشر بمفهوم «محاسباتي» يعود الى القرن التاسع عشر. الموازنة التي لم تقر، ترفد بأعباء اضافية لم ترصد لها الايرادات الموازية في ظل عدم اقرار سعر صرف محدد أو اسعار صرف ولم تحدد فيها تعرفة الدولار الجمركي. المساعدات الاجتماعية التي أقرت للموظفين في القطاع العام والتي تأتي على شكل سلف خزينة هي الفضيحة بحد ذاتها بالنسبة لصالح ولمن يريد التسويق لها على أنها تأتي في سياق اصلاحي.

صحيح ان خطة التعافي المالي للحكومة أتت على ذكر عجز في الموازنة في الفترة الاولى، نظراً لضرورة اقرار مساعدات اجتماعية، الا ان صالح يرى ان المقاربة المحاسبتية لكيفية اعطاء المساعدات تعطي مؤشراً الى استمرارية العقلية التدميرية لإدارة مالية الدولة. يقول صالح انه «في السابق كانت سلف الخزينة التي تعطى لمؤسسة كهرباء لبنان مثلاً تخالف قانون المحاسبة العمومية، اذ ان وزارة المالية التي كانت تعطي السلف، تعلم جيداً انه لا امكانية لتسديدها واستمرت في اعطائها. اليوم سلف الخزينة للمساعدات الاجتماعية لا تخالف قانون المحاسبة العمومية فحسب، بل ايضا الدستور نظراً لاعتمادها موافقة رئيسي الحكومة والجمهورية فقط».

يذهب صالح أبعد من ذلك في نزع اي صفة اصلاحية عن الموازنة لا بل باتت نموذجاً تدميرياً. «لم يحصل في تاريخ الدولة اللبنانية أن اعطت ادارات عامة سلف خزينة لكي تنفق على الادارة العامة، وعليه، مقاربة المساعدات الاجتماعية بحد ذاتها تدل على الانفلاش الانهياري في البلد، وفوضى ما بعدها فوضى في ادارة المالية العامة... هلق فلتت نهائيا».


* قرم: عصفورية... أموال لمجلس الجنوب وصندوق المهجرين رغم مرور 33 سنة على انتهاء الحرب!


جورج قرم



بتنا في عصفورية مالية

تحذير زير المالية السابق جورج قرم سبق تحذير رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في الوصول الى العصفورية. يرى قرم أن الموازنة بحد ذاتها تعطي عينة على «أننا بتنا في عصفورية مالية، وهذه الادارة هي ادارة متعمدة، تعددية أسعار الصرف حسب نوع العمليات في أزمة شبيهة هي وحدها ضرب جنون».

يسأل قرم: «قبل الدخول في اي نقاش جدي، كيف لموازنة في أزمة شبيهة، وعلى الرغم من مرور 30 عاماً على انتهاء الحرب الاهلية، ترصد في ميزانيتها أموالاً لصندوق مهجرين ومجلس جنوب وما شاكل من مجالس وصناديق؟».

ينتقد قرم الحرص المتزايد لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي إبان الأزمة واستمرارها، ويسأل: «أين كانا طوال السنوات الماضية؟ أين كانا حين كانت أهم وثيقة وهي قطع الحساب لكل الموازنات غائبة وغير مقرة؟ أين كان اصدقاء لبنان الذين كانوا يعلمون بأن ادارة المالية بهذه الطريقة ستؤدي الى هذا الانفجار الكبير، ورغم ذلك أتخموا البلاد بمؤتمرات دعم ساهمت في تعميق الانهيار وتكبير حجم الانفجار المالي؟».

تجميل رديء

تعد الموازنة الوثيقة التي يستند اليها لمعرفة أداء الدولة المالي، سابقاً كانت السلف التي تعطى يميناً ويساراً، وسيلة هروب وتجميل كوضع الغبار تحت سجادة المنزل دون التخلص منه. اليوم ومع وصول حال السلطة الى حد عدم قدرة تجميل القبيح أو رش العطر لتغطية رائحة العفن المنبعثة من دفاتر الحسابات، لجأت الى مقاربة أخرى... زيادة مساحيق التجميل ورش المزيد من العطور الرديئة .






يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.