كل المؤشرات تدل على أن الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران قد انهارت فعليًا، وأن المنطقة دخلت مرحلة شديدة الخطورة عنوانها التصعيد المفتوح مع انضمام ساحات جديدة الى الصراع وتحديدًا اليمن فيما هامش الحركة أمام إيران وحلفائها يضيق تدريجًا.
لبنان أمام منعطف سياسي وأمني بالغ الخطورة، والاستحقاقان المنتظران خلال الأسبوعين المقبلين، والمتمثلان في لقاء الرئيس جوزاف عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض في 21 تموز، وجولة المفاوضات المرتقبة في روما الأسبوع المقبل.
لم يعد عامل الوقت يعمل لمصلحة لبنان، فالأيام الأحد عشر التي انقضت على توقيع صيغة اتفاق الإطار اللبناني - الإسرائيلي برعاية أميركية مباشرة، من دون أن يترجم حتى الآن إلى خطوات ميدانية، تزيد من المؤشرات على وجود محاولات لعرقلة انطلاقته.
صدّرت الزيارة الثانية لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان المشهد الداخلي، في لحظة إقليمية دقيقة أعقبت طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الرئيس السوري أحمد الشرع انخراط دمشق في الملف اللبناني، ولا سيما في ما يتصل بسلاح "حزب الله".
ما كُتب ووُقّع في واشنطن لم يعد قابلا للمحو بالتهويل ولا باستحضار قاموس التخوين والفتنة الذي اعتادت عليه منظومة الممانعة كلما خسرت جولة.
تنطلق الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن برعاية أميركية، حيث سيجتمع وفدا البلدين، السياسي والعسكري، على وقع إصرار لبناني كامل على نقطتين أساسيتين: تثبيت وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي، تمهيداً لتحول سياسي عنوانه عودة الدولة اللبنانية إلى موقع القرار والتفاوض.
العقوبات الجديدة التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية على 3 أفراد و5 كيانات مرتبطة بـ"حزب الله"، بينهم رئيس تيار المردة سليمان فرنجية ونائب رئيس المجلس السياسي لحزب الله محمود قماطي ووائل قسطنطين، ليست مجرد إجراء عادي.
أطل علينا نظام الملالي وذراعه اللبنانية، الميليشيا المحظورة عسكريًا، برواية انتصار لا تشبه إلا الخيال السياسي، وكأن آلاف القتلى والجرحى، والبلدات المدمّرة، والمليون مهجّر، مجرّد تفاصيل هامشية لا تستحق الذكر.
في خضمّ التطورات الإقليمية الثقيلة، اتجهت الأنظار إلى المملكة العربية السعودية وقرار ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بإعادة فتح الأسواق السعودية أمام الصادرات اللبنانية، الذي شكّل بارقة أمل للدولة ومؤسساتها.
بينما كانت الصواريخ تتقاطع فوق سماء لبنان، وتتزايد المخاوف من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة بين إسرائيل وإيران، أثبتت واشنطن، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، أنها الجهة الوحيدة القادرة على صناعة الوقائع ورسم حدود الاشتباك، واضعة حدًا لمسار تصعيدي كانت طهران تدفع المنطقة إليه بلا حساب.
اتُّخذ القرار الحاسم، برعاية أميركية مباشرة ودعم دولي وعربي: لا سلاح خارج الشرعية اللبنانية، ولا انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان إلا بعد تفكيك البنية العسكرية لـ "حزب الله"، ولا مكان لإيران في لبنان.
إذا كان للتجارب القاسية التي مرّ بها اللبنانيون درس ثابت، فهو أن "حزب الله" لم يكن يومًا شريكًا في أي مسار يؤدي إلى قيام دولة فعلية قوية وقادرة، بل كان في كل محطة مفصلية ينقضّ على التسويات والاتفاقات كلما شعر بأن الدولة قد تستعيد قرارها أو أن المؤسسات قد تسترد شيئًا من سلطتها المصادَرة.
في مشهدٍ غير مسبوق منذ عقود، تتقاطع المواقف العربية والدولية والروحية حول عنوان واحد: دعم الدولة اللبنانية في مواجهة من صادر قرارها لعقود وألحق بها دمارًا هائلًا سياسيًا ومؤسساتيًا واقتصاديًا.
دخلت واشنطن بثقلها على خط فرض أمر واقع ضمن المواجهة المباشرة مع ما بات يُعرف بـ "الدولة العميقة" المرتبطة بـ "حزب الله"، عبر انتقالها إلى سياسة الاستهداف المنهجي، من خلال تحريكها عصا العقوبات التي طالت نوابًا وشخصيات أمنية ومالية مرتبطة بمنظومته.
معركة "العفو العام" فُتحت على مصراعيها كأكثر المعارك حساسية داخل البرلمان في لحظة شديدة التعقيد، حيث يضغط الاكتظاظ المتزايد داخل السجون، على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية أصلا، والأصوات ترتفع للمطالبة بمعالجة ملف الموقوفين الإسلاميين والمبعدين قسرًا إلى إسرائيل.ز
خلصت الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية برعاية أميركية في مقر وزارة الخارجية في واشنطن، إلى تسجيل تقدم دبلوماسي ملموس لمصلحة لبنان، بحسب الوفد اللبناني المشارك. واتفق الأطراف على تمديد وقف إطلاق النار الحالي لمدة 45 يومًا إضافيًا، لإفساح المجال أمام انطلاق مسار أمني برعاية أميركية في 29 أيار، بمشاركة وفود عسكرية من لبنان وإسرائيل.
تلاقت سخونة الميدان الجنوبي في ضوء التصعيد الإسرائيلي، مع حماوة الملفات المطروحة على طاولة الخارجية الأميركية التي تجمع الوفدين اللبناني والإسرائيلي في جولة ثالثة من المحادثات المباشرة برعاية أميركية.
تتجه الأنظار إلى واشنطن حيث تُعقد في الرابع عشر والخامس عشر من الجاري الجولة الثالثة من المحادثات اللبنانية - الإسرائيلية، في محطة تبدو الأكثر حساسية ودقة منذ انطلاق هذا المسار.
تشق مسيرة الحكم السيادية طريقها نحو المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركية. وتتجاوز هذه المسيرة أفخاخ إيران التي يتولى زرعها "حزب الله" بالنيابة عن مشغله في طهران، وكان آخرها العدوان على شخص البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الأمر الذي أثار عاصفة إدانة جمعت مختلف الأطياف في الوطن.
بين واقع ميداني دقيق مشوب بمغامرات "حزب الله" التي لا تنتهي وقرار دولي ممسوك بقبضة من البيت الأبيض، يجد لبنان نفسه أمام خيارين إما المضي في المسار التفاوضي بشروط الدولة وحدها، أو البقاء رهينة اشتباك مفتوح بقرار مباشر من الحرس الثوري الإيراني يهدد بإسقاط كل ما تحقق.