إسرائيل ترفع سقف تهديداتها بتوسيع الحرب جنوبًا، فيما تصعّد واشنطن ضغوطها على الدولة اللبنانية. أمّا إيران، فتُبدي لبيروت من طرف اللسان حلاوة دبلوماسية، وتُبقي في الوقت نفسه على ورقة "حزب الله" خنجرًا مغروسًا في ظهر اللبنانيين.
بين شحنات المتفجرات التي تعبث بأمن لبنان، سواء كانت وجهتها الجنوب أم الداخل، والغموض الذي يلفّ مصير محادثات تامبا العسكرية، يبقى الفيصل في قدرة الدولة على بسط سلطتها وهيبتها وعدم السماح لـ«حزب الله» بأن يتحكم بمصير اللبنانيين.
بعد ستة وثلاثين عامًا على 13 تشرين الأول 1990، يشكّل استحضار تلك المحطة إنذارًا من تكرارها بأشكال مختلفة، ما دام قرار حصرية السلاح بيد الدولة مشتّتًا، وما دام اللبنانيون مهدّدين بدفع أثمان قرارات لم يتّخذوها. فالمأساة لا تتكرّر بالضرورة بالصورة نفسها، بل قد تعود من خلال تفلّت السلاح، ومرور المتفجّرات، والعجز عن محاسبة المسؤولين.
من "متفجّرات" ضهر البيدر إلى اعتداءات الحوثيين على المملكة العربية السعودية، ينضح محور الممانعة بما فيه من إرهاب وخراب، وتتكشّف مجدّدًا تداعيات منظومة "حزب الله" على أمن وسلامة اللبنانيين.
في بلد أنهكته الحروب، وحوّلته أيديولوجيات الممانعة إلى ساحة لصراعات الآخرين، يأتي فيلم "شربل"، من إنتاج MTV وNMPRO، ليضيء مجدّدًا على وجه لبنان الذي يعكس صورة السماء على الأرض، حيث تُصان كرامة الإنسان بدل التضحية به على مذبح الحروب، ويكون الإيمان رسالة حياة ومحبة وسلام، لا ذريعة لتقديس الموت.
تحلّ الذكرى الثالثة لحرب الإسناد فيما لا يزال لبنان يكتوي بجمرها، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. لكن، وتحت شعار "رُبّ ضارّة نافعة"، تبدّلت موازين القوى محليًا وإقليميًا، وتلقّى "المحور الإيراني" هزائم استراتيجية لم تكن تخطر على بال أكثر المتفائلين قبل السابع من تشرين الأول 2023، وإن بقيت له أذرع قادرة على التعطيل والتخريب.
بدل أن يتعقّل "الحزب" ويعيد حساباته، رأفةً بناسه أولا، يواصل أمينه العام الشيخ نعيم قاسم بيع الأوهام في طواحين "الممانعة"، إذ يرى أن "تحرير الجنوب أمام أعيننا"، وأن "المقاومة التي صمدت مع مجاهديها وشعبها استطاعت أن تقدّم أسطورة في الصمود خلال كل هذه الفترة من العدوان المتواصل".
يقف لبنان في حال ترقّب لما ستؤول إليه التطورات الميدانية، ولمسار التفاوض اللبناني -الإسرائيلي، ولما يمكن أن تحمله الجولة المقبلة، وكذلك للهموم الاقتصادية والمعيشية التي تتراكم فوق كاهل اللبنانيين. وبينما تتبدّل قواعد اللعبة في الإقليم، هل يلتقط لبنان إيقاع التحوّلات الكبرى من حوله، أم يواصل الدوران والمراوحة؟
برز تشدد أميركي في ملف بسط سيادة الدولة، مع مطالبة واضحة بالانتقال من المواقف إلى التنفيذ. وتقول المعلومات إن الجانب الأميركي طرح على المسؤولين اللبنانيين سؤالا مباشرًا: لماذا تنجح سوريا في اتخاذ خطوات عملية، فيما يدور لبنان في حلقة مفرغة منذ اتفاق الإطار حتى اليوم؟
الجديد في المشهد اللبناني أنه لا يزال أسير قديمه. فالعناوين الأساسية تتحرك بين مدّ وجزر من دون اختراق حاسم. تارة يتقدّم الملف الأمني، وطورًا ينشط المسار الدبلوماسي، وطورًا آخر تتصدّر الهموم الاقتصادية والمعيشية الحدث الداخلي. لكن هذه العناوين، على اختلافها، مترابطة ومتفاعلة، فيما مفتاح حلّها واحد: الدولة.
في انتظار كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم، واللقاءات المرتقبة في واشنطن مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومسؤولين في الإدارة الأميركية، اصطدم رئيس الحكومة نواف سلام في نيويورك بجدار التدخل الإيراني الوقح في الداخل اللبناني، في دلالة واضحة على مضيّ إيران في انتهاك السيادة اللبنانية.
حركة دبلوماسية كثيفة تحيط بلبنان من كل جهة، ولا سيما في أروقة الأمم المتحدة، لكن السؤال يبقى عمّا إذا كانت هذه الدينامية ستفضي إلى بركة، في ظل استمرار محاولات "حزب الله" لإجهاض الفرص المتاحة أمام الدولة، فضلا عن احتقان داخلي يتصاعد على وقع ارتفاع الأسعار وكلفة المحروقات عالميًا.
من نيويورك إلى واشنطن، يتحرك لبنان على خطّ دبلوماسي دقيق، فيما الملفات الأكثر إلحاحًا تبقى عالقة في مربع المراوحة: لا موعد محدد بعد لجولة جديدة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، ولا تقدّم في تنفيذ صيغة اتفاق الإطار، فيما يتقدم ملف سلاح ميليشيا «حزب الله» بوصفه العقدة الأساس التي تحول دون إحراز أي تقدم ميداني.
في بلد يرزح تحت رزمة من الأزمات السيادية والأمنية والاقتصادية المتراكمة، تخوض الدولة اللبنانية معركة شاقة لتفكيك إرث ثقيل خلّفته سنوات من هيمنة "حزب الله" ومنطق الدولة العميقة على كل "شاردة وواردة" في الحياة السياسية.