لم يكن تسيير قافلة الوطن من ساحات جنوب الوطن الى شماله مروراً بعدد من ساحات الانتفاضة اللبنانية أمراً طبيعياً من حيث التكلفة المادية واللوجستية. ومع ذلك انطلقت قافلة الثورة من ساحات الجنوب الى لبنان الاسبوع الماضي، قافلة صغيرة لكنها كبيرة في المضمون، إنطلقت من "صور وبنت جبيل والنبطية وكفرمان وصيدا والشوف"، الى حلبا الشمالية.
من حيث المنطق، إطلاق القافلة ليس صعباً بالرغم من أنها تنطلق من الحدود المحاذية لفلسطين وصولاً للحدود السورية، لأنها تسير على الارض اللبنانية وتنقل مواطنين لبنانيين.
لكن المشكلة بأن هذه القافلة اخترقت الحواجز الاصطناعية المركبة والمعلبة من قبل أحزاب السلطة، التي تمترست خلف حواجز إصطناعية وهمية "مذهبية وحزبية" كانت تسيطر على الشوارع وتمنع اللبنانيين من التلاقي، في إطار مفهوم الدولة الموحدة الذين يحملون هويتها ويدفعون ضرائبها التي تسرق من قبل هذه الطبقة السياسية الفاسدة وتغييب المشاريع الانمائية والانتاجية.
لقد كسر جدار الخوف عند الجمهور اللبناني المتخلي عن المفاهيم الحزبية والطائفية التي ساهمت بتصعيد الانتفاضة الشعبية، رداً على الفساد والمحاصصة المذهبية والطائفية التي أسرت الشعب اللبناني ضمن مفاهيم الزبائنية والرعايا، وتغييب مفهوم المواطنة لديه.
إنتفاضة الشعب اللبناني أبهرت العالم كافة نتيجة الممارسات الاخلاقية الراقية في عملية الاعتراض وفي طرح الشعارات والمواقف التي مارسها شبان وشابات الحراك، فالرد كان من خلال تعابير حضارية راقية، فمثلاً كان العرض الاستقلالي الشعبي الذي جسده الحراك بمناسبة عيد الاستقلال وكثير من الأمور التي تجسدت، والتي أظهرها الحراك، حيث ظهرت فيها قدرة الشعب، فالطبقة التي كانت عاجزة عن ادارة حراك وطني كبير كالحراك اللبناني لكونها كانت تستطيع فقط ادارة حراك طائفي مذهبي.
لم تكن القافلة تتحدى أحداً أو ترد على أحد، لكنها كانت تقول للجميع بأنها تسير على الارض اللبنانية، وتعبر عن حقها بالوصول الى آخر نقطة في لبنان لكون الدستور اللبناني يكفل حق اللبناني بالتعبير عن رأيه ويسمح له بالتظاهر السلمي.
فالقافلة التي جابت كل الساحات اللبنانية في مناطق التظاهر كانت تعبر عن رأي المتظاهرين في حقها بالاعتراض والتواصل في ما بينهم، كانت الساحات تعبر بدورها عن مدى قدرتها بصنع عجائب تُفشل السلطة واحزابها في اعتراضهم على القافلة وتشويه صورتها، ومحاولة المنع غير الباشر من خلال بعض الشخصيات والاحزاب المشاركة في الحراك.
لكن القافلة خرجت من حدود القوقعة والمناطقية لتشكل بدورها رسالة للجميع على كيفية صناعة السلام والتلاقي وشجب كل المحاولات التقسيمية والابتعاد عن ربوع الوطن، فكانت الساحات المتظاهرة متعطشة للتلاقي وصناعة انجاز جديد يسجل للثوار في تحد مباشر للعزل والتقوقع.
الساحات كانت تنتظر الثوار في الاوقات المحددة لتلتقي مع القافلة وتنتظر أهل الجنوب أهلهم وشركاءهم في الوطن ورفاقهم في المصير الثوري، نتيجة المطالب الموحدة التي كانت الساحات ترفعها بشعارتها وهتافاتها وتجمعاتها والإصرار على المطالبة بالحقوق المشروعة للجميع.
فمن ساحة برجا التي تلاقى فيها ثوار الجنوب مع الاقليم مروراً بساحة خلدة حيث توقفت القافلة امام نصب الشهيد علاء ابو فخر، والتقت مع قافلة الشوف في نقطة انطلاق نحو العاصمة لتضع اكليلاً من الزهر على اضرحة الشهداء، كون الجنوب المقاوم جزءاً من الوطن الكبير وساحته المنتفضة. لتكمل السير نحو ساحة جل الديب التي كانت تتحضر لرفع قبضة الثورة في الساحة الجميلة حيث كان اهلها ينتظرون في الساحة لاستقبال الوفد، فيشكلون معاً رافداً جديداً الى ساحة جونية التي كانت بدورها تنتظر موكب الثورة بالزغاريد والورود، وبخاصة النساء اللواتي انتظرن الموكب ليسيروا معاً الى ساحة الزوق في غزير، والانطلاق نحو ساحة جبيل والبترون، كأن الجميع في عرس وطني يلتقون فيه مع اجزاء الوطن حيث يشكلون جميعاً رافداً جديداً نحو الساحات الاخرى في الشمال.
القافلة تسير سير الفاتحين نحو الشمال تتوقف في المنية حيث ينتظر الثوار فيوزعون الحلوى على الوافدين، لتنطلق نحو العبدة وببنين لتستقبل الحافلة بالترحاب واستعراض الخيل واللباس الشعبي والزغاريد والهتافات، وينضم العديد من المتظاهرين ايضاً الى القافلة وصولاً الى حلبا حيث الانتظار الكبير وتوزيع الورود والماء والاكل لتعود ادراجها نحو ساحة النور، حيث تدخل الحافلة الى ساحة طرابلس ساحة عبد الحميد كرامي دخول الفاتحين في ساحة عروس الثورة.
يعود الثوار من طرابلس بعد عناء 13 ساعة سير بالمواكب نحو ارض الوطن في الجنوب. فالقافلة لم تكن سوى الامتداد الطبيعي لقافلة بوسطة الثورة التي منعت من دخول الجنوب بعد الاعتراض عليها، والتي تمّ الافراج عنها في ساحة ايليا - صيدا بسبب الاعتراض والشائعات التي روجها المروجون ضد البوسطة لتعود أدراجها نحو عكار.
فالقافلة كانت امتداداً طبيعياً للقافلة التي تم منعها ولكن هذه القافلة كانت تسير بشكلها الطبيعي من دون الشائعات والاقاويل والبيانات، لأنها تحمل رسالة حب للجميع وتعبر عن مفاهيم المواطنة الحقيقية، وتسير تحت العلم اللبناني، التي تتجسد في التلاقي في الساحات وتؤسس للتواصل القادم بعيداً من الحزبية والمذهبية تحت شعار واحد نستعيد وطناً من قبضة الفاسدين".
*كاتب باحث لبناني