حمزة كارجيك

ميلوراد دوديك... أوفى عميل لبوتين في البلقان

15 تشرين الأول 2022

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزعيم الصرب ميلوراد دوديك | صربيا، 17 كانون الثاني 2019

في أواخر السنة الماضية، أطلق دوديك مساراً كان ليمهّد لانفصال جمهورية صرب البوسنة. لكن منعته الحرب الروسية في أوكرانيا من المضي قدماً، مع أنه اعترف بأن الحرب أجّلت خططه بكل بساطة.

توشك ولاية دوديك الرئاسية في البوسنة على الانتهاء غداة انتخابات 2 تشرين الأول. هو لم يترشح للرئاسة هذه المرة بل ركّز على حماية نفوذه في جمهورية صرب البوسنة وإدارتها كنظام إقطاعي، ما يعني أن هذا الكيان البوسني سيبقى موالياً لروسيا ويشكّل قاعدة صلبة لها في البلقان.

أصبحت سياسات دوديك وتوجهاته سبباً لزعزعة استقرار البوسنة والمنطقة ككل. في بداية العام 2017، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على دوديك رداً على استفتاء نظّمه لاعتبار تاريخ 9 كانون الثاني "يوم جمهورية صرب البوسنة". في ذلك التاريخ من العام 1992، عمد متمردو صرب البوسنة إلى إنشاء مؤسساتهم الموازية وغير القانونية التي مهّدت لاندلاع الحرب وارتكاب أعمال عنف بمستوى الإبادة الجماعية.

في شهر كانون الثاني الماضي، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على دوديك بعدما عرقل تنفيذ "اتفاقية دايتون" من العام 1995، فقد اتخذ الخطوات اللازمة لانتزاع كفاءات الدولة ونقلها إلى جمهورية صرب البوسنة. عارض مكتب الممثل السامي، الذي يشرف على التنفيذ المدني لاتفاقية دايتون، هذه الخطوة التي أنتجت شكلاً من الجمود السياسي. ثم قامت المملكة المتحدة بالمثل وفرضت عقوباتها الخاصة على دوديك في شهر نيسان.

فيما ينتظر دوديك الوقت المناسب لفصل الكيان الذي يديره، يبدو أنه يحاول تحويل البوسنة إلى صراع مجمّد. يستوحي هذا الزعيم الانفصالي تحركاته من صراعات مشابهة في المناطق السوفياتية السابقة، وهو يبني نسخته الخاصة من أشباه الدويلات.

بالإضافة إلى تطبيق سياسات متطرفة، بدأ دوديك يعمّق علاقاته مع روسيا أكثر من أي وقت مضى، ففتح مكتباً تمثيلياً لجمهورية صرب البوسنة في موسكو، في محاولة منه لتطبيق سياسة خارجية بديلة عن تلك التي تعتمدها سراييفو رسمياً. كذلك، زار دوديك روسيا في عدد من المناسبات خلال العقد الماضي، ويقال إنه قابل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سبع مرات منذ العام 2014.

حين أقدمت روسيا على غزو أوكرانيا في شهر شباط الماضي، أعلن دوديك دعمه لبوتين. على عكس العضوَين الآخرَين في المجلس الرئاسي للبوسنة، شفيق دزافيروفيتش وزيليكو كومسيك اللذين أدانا الغزو، رفض دوديك أن يتبنّى موقفاً مماثلاً ودعم الغزو الروسي صراحةً واعتبره "مبرّراً". وعندما عزل عدد كبير من السياسيين الأوروبيين الرئيس الروسي بعد الغزو، اجتمع معه دوديك في شهر حزيران ثم في أيلول، ودعم تنظيم استفتاءات في المناطق الأوكرانية التي تحتلها روسيا.

يُعتبر موقف دوديك من روسيا اليوم مختلفاً عن سياساته في أواخر التسعينات، فقد كان يُعتبر إصلاحياً في تلك الفترة، حتى أن وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت أشادت به حينها. لكن تغيّرت عوامل كثيرة منذ ذلك الحين. في العام 1998، طرح دوديك نفسه كسياسي معتدل وحظي بدعم مسؤولين دوليين في البوسنة كانوا يتمتعون بنفوذ قوي في البلد بعد الحرب. لكن أطلقت عودته إلى رئاسة حكومة جمهورية صرب البوسنة في العام 2006 حقبة جديدة من النزعة القومية الانفصالية المتشددة. ثم فرض دوديك سيطرته الكاملة على جمهورية صرب البوسنة في آخر 16 سنة.

هكذا كشف دوديك وجهه الحقيقي وتبيّن أنه حاكم مستبد محلياً وسياسي موال لروسيا في هذه الزاوية من أوروبا. أصبح دوديك اليوم من أشرس السياسيين المعادين للغرب، وهو يعارض مساعي البوسنة للانتساب إلى حلف الناتو، بما يتماشى مع موقف موسكو. تشكّل هذه التطورات كلها مصدر قلق لمعظم المواطنين في البوسنة، فهم يفضلون مساراً موالياً للغرب. يكشف استطلاع أجراه المعهد الجمهوري الدولي حديثاً أن 58% من البوشناق و52% من الكروات يفضلون السياسات الداعمة للاتحاد الأوروبي والغرب. يدعم 69% من البوشناق و77% من الكروات انتساب البلد إلى الناتو، بينما تقتصر هذه النسبة على 8% في أوساط صرب البوسنة.

بالإضافة إلى معارضة ضم البوسنة إلى المؤسسات الغربية، يظن عدد من المحللين أن دوديك وموسكو يسعيان إلى منع تقوية الدولة البوسنية وزيادة فاعليتها. في هذا السياق، ذكرت ماجدة روج، محللة سياسية مرموقة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، في بيان سياسي جديد: "لطالما اضطلعت روسيا بدور تخريبي في البوسنة بأقل كلفة".

في السنوات القليلة الماضية، عارض المسؤولون الروس قرارات مكتب الممثل السامي، ولم يتقبلوا أحكام الإبادة الجماعية التي أصدرتها محاكم جرائم الحرب الدولية، وأطلقوا مواقف متزايدة ضد طموحات الناتو في البلد.

دعمت روسيا دوديك ثم الزعيم البوسني الكرواتي المتشدد دراغان كوفيتش مؤخراً. ثمة تحالف صلب بين هذين الزعيمَين، ولطالما أعاق كلاهما مسار البوسنة. هما يحاولان بهذه الطريقة أن يمنعا البلد من تلبية معايير الانتساب إلى الناتو.




دراغان كوفيتش وميلوراد دوديك


يضمن تقارب المصالح بين روسيا وهذين الزعيمَين الانفصاليَين في البوسنة تأجيل توسّع حلف الناتو في البلقان. تعتبر روسيا هذه المقاربة قليلة الكلفة، فهي تبقي الناتو خارج المنطقة التي قام فيها الغرب باستثمارات هائلة منذ إبرام "اتفاقية دايتون". بعبارة أخرى، أصبحت المنطقة التي كانت موالية للغرب في السابق متنازعاً عليها. من دون ترسيخ مكانة البلقان كجزءٍ أساسي من حلف الأطلسي، ستبقى هذه المنطقة أشبه بقنبلة موقوتة في أوروبا.

توجّه سكان البوسنة إلى صناديق الاقتراع في 2 تشرين الأول لانتخاب مجلس الرئاسة الثلاثي، وأعضاء الاتحاد ومجالس الكانتونات والممثلين عنهم، ورئيس جمهورية صرب البوسنة وأعضاء مجلسها. قرر دوديك الترشّح لرئاسة صرب البوسنة ولن يبقى عضواً في النظام الرئاسي الثلاثي المحلي.

يُعتبر أي مقعد في مجلس رئاسة البوسنة (أعلى منصب رسمي في البلاد) امتيازاً كبيراً، لكن يكمن النفوذ الحقيقي في كيانات جمهورية صرب البوسنة وكانتونات الاتحاد. كان دوديك واحداً من ثلاثة أعضاء يتناوبون على الرئاسة، وقد عجز في مناسبات عدة عن فرض قراراته كما كان يفعل سابقاً. في المقابل، تمنحه رئاسة جمهورية صرب البوسنة سلطة مطلقة في مجموعة كبيرة من المسائل، من دون أن يضطر لتطبيق آلية جماعية لاتخاذ القرارات. ونظراً إلى غياب كانتونات مشابهة لتلك الموجودة في اتحاد البوسنة والهرسك داخل جمهورية صرب البوسنة، ستتوسع قدرة دوديك على فرض سطلته بدرجة هائلة. هذا ما دفعه إلى الترشّح لمنصبه السابق في "بانيا لوكا". في غضون ذلك، انتُخِبت زيلكا سفيانوفيتش، التي تحظى بحماية دوديك، كثالث عضوة في مجلس رئاسة البوسنة.

فاز دوديك بمعظم الأصوات في السباق الذي خاضه، وفق لجان الانتخابات المركزية في البوسنة، لكن جاءت ادعاءات تزوير الانتخابات لتعكّر عليه انتصاره. مع ذلك، تكشف نتائج لجنة الانتخابات في البوسنة أنه يتفوق في هذا السباق الذي سيعيده إلى منصبه القديم. تعني هذه النتائج، إذا تم التأكيد عليها، أن لاعباً أساسياً وموالياً لروسيا في البوسنة والبلقان سيتابع السيطرة على جمهورية صرب البوسنة ويحافظ على صلاحية فرض نفوذه من خلال الشخصية التي يدعمها في سراييفو.

ستزداد أهمية دعم دوديك لروسيا بعد تراجع قدرته على التواصل مع العواصم الغربية في ظل العقوبات الأميركية والبريطانية المستمرة. لا شك في أنه سيتابع دوره التخريبي الذي ضمن عودته إلى السلطة في العام 2006.

وبعد انتخاب المرشّحة التي يدعمها دوديك في سراييفو، سيتمكن من التأثير على قرارات رئاسة البلد من دون تولي هذا المنصب بنفسه. على غرار دوديك، تخضع سفيانوفيتش للعقوبات البريطانية، لكنها لا تواجه عقوبات أميركية، ما يعني أنها لا تتعرّض للضغوط نفسها عند التواصل مع المسؤولين الغربيين.

أخيراً، سيتوقف نفوذ دوديك في مؤسسات البوسنة وسياستها الخارجية على انضمام حزبه إلى الائتلاف الحاكم على مستوى الدولة. سبق وأعلن أن جمهورية صرب البوسنة تريد منصب وزير الخارجية. لكن يعني حصول حزبه على هذا المنصب استنزاف مؤسسات البوسنة وإضعاف سمعتها الدولية على مر أربع سنوات، وقد يعني هذا الواقع أيضاً أن تستفيد روسيا من حليف أكثر قوة في هذه المنطقة من أوروبا.