برونوين مادوكس

ريشي سوناك... هل يُنقذ بريطانيا؟

29 تشرين الأول 2022

المصدر: Foreign Affairs

02 : 00

سوناك متحدّثاً في مجلس العموم في أول يوم له رئيساً لوزراء بريطانيا | لندن، 26 تشرين الأوّل 2022 (أ ف ب)
كان وقوف ريشي سوناك أمام منبر متنقل، خارج مقر رئاسة الحكومة البريطانية، للإدلاء بتصريحه الأول كرئيس وزراء بريطانيا نقطة تحوّل بارزة على مستويات عدة. هو يبلغ 42 عاماً، ويُعتبر أصغر رئيس وزراء في تاريخ بريطانيا الحديث. حتى أنه أول شخص أسمر وهندوسي يستلم هذا المنصب.

لا تقتصر أهمية الحدث على هذه العوامل الرمزية، بل تنذر هذه التطورات أيضاً بعودة محتملة إلى الحُكم المستقر بعد 44 يوماً من الأزمات المتواصلة في عهد سلفته ليز تراس، وبعد ست سنوات من الدراما السياسية المحتدمة.

تراس شخصية سياسية غير مألوفة، فهي تفتقر إلى الكاريزما أو قوة الإقناع، ومع ذلك يعتبر الكثيرون دورها تخريبياً. لكنها لم تُخرّب في نهاية المطاف إلا عهدها كرئيسة وزراء وسبّبت كارثة حقيقية لحزب المحافظين. يُعتبر هذا الحزب من أنجح المنظمات السياسية في العالم، لكنه يجازف الآن بخسارة قوته في الانتخابات العامة المقبلة وتكبّد خسائر لا يمكن إصلاحها. أصبحت مهمة إنقاذ البلد والحزب على عاتق سوناك الآن.

كان سقوط تراس وصمة عار هائلة في بلدٍ يتعامل أصلاً مع تكاليف الاضطرابات الاقتصادية والسياسية المتراكمة على مر ست سنوات منذ التصويت على قرار الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، في حزيران 2016.

جــــــــاءت الاضطرابات المتواصلة في القيادة البريطانية لتزعزع مكانة المملكة المتحدة في العالم. قد لا يكون هذا الضرر دائماً لكن يتطلب إصلاحه جهوداً كبرى. يجب أن تثبت الحكومة تماسكها، فتبدأ مثلاً بإصلاح علاقاتها المضطربة مع أوروبا.

تبقى مشكلة قيادة بلدٍ معقد تطغى عليه الحكومة المركزية في لندن ويشمل أطرافاً بآراء متباعدة ورغبات متزايدة في اكتساب هوية مناطقية أكبر من أسماء مثل تيريزا ماي أو بوريس جونسون أو ليز تراس. هذا الوضع أعاد تأجيج الاقتراح الذي يخيّم على أوساط السياسة البريطانية دوماً: هل حان الوقت للتخلي عن النظام الانتخابي المبني على «التصويت التعددي» واستبداله بنسخة من التمثيل النسبي؟ يظن مؤيدو هذا الاقتراح أن أي مقاربة مماثلة ستسمح للمحافظين بعزل داعمي «بريكست» المتشددين في مختلف الأحزاب ومنعهم من التقرب من معسكر اليمين بهدف استمالتهم. في المقابل، يظن المعارضون أن ذلك الاقتراح لن يُحدِث فرقاً كبيراً على مستوى استقرار الأحزاب أو الحكومات لأنه سينتج تحالفات تبقى فيها تلك الأصوات حاسمة. لكن قد يكون تغيير نظام التصويت أكثر قدرة على تمثيل تعقيدات بريطانيا المعاصرة، وقد يقنع عدداً متزايداً من الناخبين بأن أصواتهم لها قيمة في ظل حملات التشكيك الواسعة بأهمية الحكومة اليوم.

يطرح حزب العمال نسخته الخاصة من هذه المشاكل لجذب الناخبين في مختلف مناطق المملكة المتحدة ومن جميع الانتماءات العرقية. خصّص زعيم حزب العمال، كير ستارمير، جزءاً كبيراً من وقته لمحاربة العناصر اليسارية المتشددة داخل حزبه. وجد حزب العمال صعوبة في التفوق في الاستطلاعات طوال سنوات، لكنه يتفوق اليوم على حزب المحافظين بفارق لم يكن يحلم به، حتى أنه قد يكسب أغلبية مطلقة في نهاية المطاف. لهذا السبب، من المستبعد أن تَصْدُر أي دعوات إلى تبنّي مبدأ التمثيل النسبي من هذا المعسكر في الوقت الراهن.

وصل سوناك إلى السلطة وسط هذه الفوضى كلها. يجب أن يدرك أولاً أن جزءاً من مؤسسات البلد زاد قوة بسبب الاضطرابات التي سبّبتها تراس. قام البرلمان بواجبه عبر محاسبة المسؤولين وإجبار الحكومة على تفسير مصدر الأموال التي تنوي إنفاقها. كان فشل تراس في هذه المهمة السبب الذي دفع الأسواق وأعضاء البرلمان إلى التمرد على ميزانيتها. سيمرّ وقت طويل قبل أن يحاول أي رئيس وزراء تجنّب تعليقات مكتب مسؤولية الميزانية (هيئة مستقلة لمراقبة المال العام)، كما فعلت تراس، وقبل أن يطرح خطة إنفاق وضرائب غير مسؤولة لكن جاذبة سياسياً.

حافظ بنك إنكلترا على استقلاليته وتمسّك بمعالجة التضخم رغم رغبة تراس الواضحة في تكليفه بهدف آخر يتعلق باستهداف النمو، ما يعني تصعيب جهود هزم التضخم. من الضروري أن يتابع البنك هذه المقاربة نظراً إلى التهديدات التي يطرحها التضخم على حياة الناس اليومية وفرص حُكم البلد إذا أصبحت المشكلة راسخة داخلياً. بدأ الخوف من التضخم يزيد المطالب بتحسين الأجور ويطلق الإضرابات. لكن تعلو أيضاً الأصوات التي تدعو البنك إلى تبرير تحركاته بكل وضوح. يتوسّع هامش الوعي العام عند ارتفاع أسعار الفائدة دوماً لدرجة أن تؤثر قرارات التكنوقراط غير المُنتَخبين بشدة على حياة الناس. يجب أن يأخذ سوناك هذا الوضع بالاعتبار حين يشرح أهمية استقلالية البنك وضرورة هزم التضخم في أسرع وقت.

يُفترض أن تبدأ أي خطة واسعة يطلقها سوناك لتجديد الثقة من الداخل، تزامناً مع كشف الخطط الضريبية ومستوى الإنفاق العام بكل وضوح. ستكون جميع الخيارات المتاحة شائكة. على غرار عدد كبير من الديمقراطيات التي تشمل سكاناً متقدمين في السن، لا تملك المملكة المتحدة الأموال اللازمة لتقديم الخدمات العامة التي يريدها الشعب. لكن يواجه البلد أيضاً زيادة في كلفة خدمة الصحة الوطنية، حيث تبلغ مدة انتظار العلاج مستويات قياسية.

على صعيد آخر، يحتاج سوناك إلى خطة دقيقة لكبح تكاليف الطاقة التي تشكّل مصدر قلق واضطرابات في حياة الكثيرين. تعهد وزير المال، جيريمي هانت، بتمديد السقف الذي حددته تراس في شهر أيلول لفواتير الطاقة، فقال إنه سيبحث عن الطرق المناسبة لحماية أفقر الناس من تكاليف الطاقة المرتفعة. سيكون هذا التعديل في السياسة المعتمدة منطقياً. في الوقت الراهن، تستفيد جميع الأُسَر من هذه المنافع، بغض النظر عن مداخيلها أو ثرواتها. في غضون ذلك، يجب أن يضع سوناك سياسة متماسكة في مجال الطاقة انطلاقاً من مجموعة مبادرات متنوعة كان قد أطلقها أسلافه. لا تزال المحطات النووية الجديدة متأخرة بسنوات عن خطط بنائها، لذا يجب أن يتخذ سوناك قراره حول إمكانية بناء محطات أخرى ويحدد طريقة دفع تكاليفها، نظراً إلى المخاوف المستجدة من أخذ التمويل من الشركات الصينية.

يُعتبر التكسير الهيدروليكي لاستخراج الغاز الطبيعي مسألة مثيرة للجدل داخل البرلمان، لأن هذا الموضوع يؤجج المخاوف المحلية ويسيء إلى التزامات بريطانيا في ملف التغير المناخي. يجب أن يقرر سوناك ما إذا كانت الحاجة إلى تأمين إمدادات أقل كلفة وبعيدة عن الغاز الروسي أهم من هذا الجدل، ثم يُقيّم قدرته على حصد الدعم في البرلمان.

يُفترض أن تكون مصداقية الحكومة محلياً ركيزة لأي جهود تهدف إلى إصلاح سمعة المملكة المتحدة خارجياً، لكن سيضطر سوناك لتعديل جزء من علاقات البلد الأساسية أيضاً. في هذا المجال، ستقوده الظروف أولاً إلى أوروبا، نظراً إلى تقارب العمليات التجارية والروابط الثقافية بين الطرفَين حتى الآن. يجب أن تُعطى الأولوية لاتخاذ قرار حاسم حول أيرلندا الشمالية، علماً أن الطرفَين تكلما عن اقتراب إقرار سلسلة تسويات قد تسمح بتدفق معظم السلع بين أيرلندا الشمالية والبر الرئيسي من دون تكبد تكاليف هائلة.

إنه الحد الأدنى المطلوب أيضاً لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، حيث أوضحت إدارة جو بايدن أنها تريد أن تضع حداً للاضطرابات التي تُهدد السلام في المنطقة. قد تصبح المحادثات مع الاتحاد الأوروبي حول التدابير اللازمة لتحسين تنقّل الناس وتبادل السلع والخدمات والرساميل مع المملكة المتحدة أكثر سهولة بعد حل مسألة أيرلندا الشمالية. لكن ستبقى هذه المشاكل شائكة طوال سنوات. يدرك الاتحاد الأوروبي أن بريطانيا تحاول كسب بعض المنافع من وجودها في السوق الموحدة، لكن من دون تقبّل قيودها، وهو لا يتعاطف مع هذه الجهود لأي سبب.

كذلك، لا يزال ملف الهجرة، بما في ذلك هجرة الطلاب والعمال الذين يحملون تأشيرات، مثيراً للجدل في أوساط حزب العمال والمحافظين في آن. كان لافتاً أن ترحّب الهند بفوز سوناك، بما في ذلك رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الذي تمنى أن تزيد قوة هذا «الجسر الحي» مع بلاده.

أخيراً، قد يحصل سوناك على أقوى ركيزة لإعادة بناء سمعة البلد على الساحة الدولية بفضل الدعم الكبير الذي تقدّمه المملكة المتحدة لأوكرانيا. كان بوريس جونسون يحب الظهور إلى جانب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أمام الكاميرات، وقد أكد على هذا الموقف الداعم عبر إرسال أسلحة ومساعدات منذ بداية الحرب. وكان ذلك الدعم كفيلاً بتقوية مكانة لندن تجاه حلفائها، حتى أنه أعاد التأكيد على التزام بريطانيا بالدفاع عن الحرية وحماية السيادة وحُكم القانون. إنها قيم البلد الأساسية، وهي تشكّل ركيزة لمكانته في العالم. قد يتحسن موقع البلد أيضاً إذا أثبت رئيس الوزراء الجديد قدرته على إنهاء ولايته بالكامل.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.