عيسى مخلوف

القطيع السعيد!

26 تشرين الثاني 2022

02 : 00

جورج أورويل صاحب كتاب "مزرعة الحيوان"

لم يكن ممكناً إتقان لعبة التزييف والتزوير كما الحال الآن، مع التقدّم العلمي والتطوّر التقني والتكنولوجي. هناك استراتيجيّات للتلاعب بالواقع وبالحقائق، ومنها استراتيجية تسليع كلّ شيء بما في ذلك المشاعر والعواطف الإنسانيّة، بالإضافة إلى استراتيجية تعمل على تحويل انتباه الجمهور عن القضايا الاجتماعيّة الحقيقية وعن التغييرات التي تقرّرها النخب السياسيّة والاقتصاديّة، وذلك من خلال إغراق الناس في طوفان من الأخبار والمعلومات الملفّقة والتي لا تحمل في ذاتها أيّ أهمّيّة. الهدف من ذلك إبقاء الجماهير في حال من الجهل والغباء، بعيداً عن التفكير والحسّ النقدي، فضلاً عن جعل الغباء ميزة يُعتَدّ بها. هذا النّهج المُبَرمَج يمرّ بقنوات عدّة تأتي في مقدّمها وسائل الإعلام. ولقد سبق لعدد من المفكّرين والعلماء، ومنهم عالم الألسنيّات الأميركي نعوم تشومسكي، أن درسوا بعمق استراتيجيّات تطويع البشر من أجل إحكام القبضة عليهم وتدجينهم تماماً.

لقد أدّت الثورة العلميّة في السنوات الخمسين الماضية إلى تطوّرات سريعة خلقت فجوة كبيرة بين معرفة الجمهور المحدودة والنخب التي تمسك بزمام الأمور، ما جعل هذه النخب تعرف عن الإنسان، على المستويين النفسي والجسدي، ما لا يعرفه هو عن نفسه. من يملك إذاً وسائل الإعلام والإعلان، ومعها اليوم وسائل التواصل الاجتماعي، هو الذي يتحكّم في صياغة الرأي العام ويفرض وجهة نظره الأحاديّة من خلال عمليّة تضليل متكاملة. وهكذا يصبح عمل تلك الوسائل، ومن ترتبط بهم وتأتمر بأوامرهم، تأمين "العَلَف" اليومي اللازم للقطيع، وتوجيه مشاعره وحاجاته في الاتجاه الذي تريده.

في دول كثيرة من دول العالم الثالث، الإمساك بالرأي العام لا يحتاج إلى نخب متعلّمة ولا إلى تكنولوجيا حديثة ومراكز بحوث. الرأي العام ينقاد ولا يفكّر. يتّكئ في وجوده على من يفكّر عنه، في السياسة والدين والحياة اليوميّة. يستسلم لما يُقال له، وما يُقال له يصبح عصاه وحقيقته المُطلَقة. ألم يقل الأديب سعيد تقي الدين، ذات يوم، إنّ "الرأي العام بغل كبير يصعب عليك جرّه إلى حظيرة الصواب"؟ قال تقي الدين كلامه هذا في دولة ترزح تحت نظامها الطائفي وتناحراته التي لا تنتهي. في هذا النظام، لا يأتي الفاسدون والمجرمون من عَدَم. هناك، في الغالب، قاعدة شعبيّة لهؤلاء. الحاضنة الشعبيّة للقاتل، هنا، أكبر بكثير من الحاضنة الشعبيّة للمقتول. ألم يصوِّت القطيعُ مجدّداً - وفي سلوك "قطيعي" نادر - للمسؤولين عن خراب بلده وتدمير عاصمته وسرقة أمواله وتهجير أبنائه! لا يطرح القطيع أسئلة ولا يشعر بالقلق، بل يطفح بالاطمئنان حتّى وهو يندفع نحو الهاوية. إنه كُتلة غرائز سلبيّة مُتراصّة هائجة تؤلِّه الزعيم وترفع شعارات تأتي من أزمنة سحيقة. المشكلة الكبرى أنّ المسؤولين عن الخراب، في هذا المكان، وإن انقطع نسلهم فجأةً، سيلجأ القطيع إلى انتخاب من يشبههم، ليس في الشكل، وإنّما في المسار السياسي والإنساني والأخلاقي. أليس هذا ما يحصل في مناطق أخرى من العالم، ومنها البرازيل التي انتخب نصف شعبها تقريباً اليميني المتطرّف جايير بولسونارو؟ حتى بعد هزيمة هذا الأخير، ألا يزال شبح سلطته مخيّماً على البرازيل ومهدّداً إيّاها بالعودة إلى الحكم، وتكريس البؤس الاجتماعي، وتدمير ما تبقّى من غابة الأمازون؟ نعم، لقد ذهبَ بولسونارو، لكنّ "البولسوناريّة" لم تبارح مكانها.

الشعبويّة ميل فاشي بامتياز، وهناك متخصّصون يُسَوِّقون لها. وهي لا تنحصر في العالم الثالث وحسب، بل يمكن أن تنتشر أينما كان، وتهدّد الدول الديمقراطيّة نفسها. هناك فئة تنمو أكثر فأكثر في موازاة نموّ اليمين المتطرّف. الشعبويّة سوسة تنخر الشجرة من الداخل.

إذا كان ثمّة قطيع في كلّ بلد في العالم، فثمّة قطعان يسقط معها أيّ اعتبار. قطعان جامحة تقوِّض أسس الدول التي تنوجد فيها، وتحوّلها إلى مَزارع. لكن، ليس أيّ مزرعة كان، بل المزرعة التي خصّص لها الروائي البريطاني جورج أورويل إحدى أبرز رواياته. في السياسة كما في الاجتماع: القَطيع ليس مجموعة من الخِراف، بل خَروف واحد. خَروف واحد مُعاد ومُكرَّر، بالمئات والألوف والملايين، ويَخرج دائماً من مصنع واحد هو مصنع العبوديّة.