كول ستانغلر

شركة شحن فرنسية عملاقة تُحوّل مارسيليا إلى عاصمة المتوسط؟

3 آذار 2023

المصدر: Foreign Affairs

02 : 00

باخرة شحن تابعة لشركة CMA CGM في مارسيليا

يطغى برج شاهق على خط الأفق، ويُطلِّ على البحر الأبيض المتوسط وميناء مارسيليا، ويعلو فوق مجموعة من أسقف القرميد والمشاريع السكنية الباهتة. تبدو ناطحة السحاب الزجاجية الفاخرة أشبه بمنارة للثراء والنفوذ، وهي تتميز عن جميع المباني الأخرى في هذه المدينة المعروفة بطبقتها العاملة.

إنه مقر CMA CGM، ثالث أكبر شركة شحن للحاويات في العالم، ولم يسبق أن كانت الظروف داخل هذا المكان إيجابية لهذه الدرجة. لم تصبح هذه الشركة العائلية الخاصة معروفة على نطاق واسع خارج فرنسا بعد، لكنها تحصد في الوقت الراهن عائدات سنوية تساوي شركات كبرى مثل HP و Boeing وMorgan Stanley. حققت هذه الشركة العملاقة في مارسيليا أرباحاً بقيمة 17.9 مليار دولار في العام 2021، وكان العام 2022 يتجه إلى تحقيق أرباح قياسية أيضاً رغم تباطؤ القطاع ككل. هذه المكاسب التي بدت مستحيلة سابقاً ملأت جيوب رئيس الشركة الفرنسي اللبناني ومديرها التنفيذي، رودولف سعادة، فتحوّلت عائلته إلى خامس أغنى عائلة في فرنسا، فهي ترأس واحدة من شركات عملاقة قليلة يقع مقرها الرئيسي خارج العاصمة باريس.


تشمل شركة CMA CGM حوالى 3 آلاف موظف، وهي تُعتبر من أكبر الشركات الخاصة التي توظّف الناس في مارسيليا منذ فترة. هذا الوضع ليس جديداً، لكن توسّع التزام الشركة المالي تجاه هذه المدينة بكل وضوح. في العام 2019، نقلت الشركة مقر Ceva Logistics الرئيسي من جنيف إلى مارسيليا، فأضافت بذلك 200 وظيفة مكتبية قيّمة إلى قاعدة الضرائب المحلية. وفي السنة نفسها، افتتح ردولوف سعادة فرعاً ناشئاً في المدينة. في السنة الماضية، كشفت الشركة عن خطط لفتح مركز تدريبي وبحثي جديد للخدمات اللوجستية وقطاع النقل بحلول نهاية العام 2023. بقيادة تانيا سعادة زيني، موّلت مؤسسة CMA CGM مبادرات محلية، بما في ذلك عقد شراكة مع حديقة وطنية مجاورة ودعم منظمات غير ربحية تعمل في أفقر أحياء المدينة.



في أيلول 2022، اشترى رودولف سعادة معظم حصص الصحيفة المحلية "لا بروفانس" مقابل 81 مليون يورو. وفي تشرين الثاني الماضي، اشترت CMA CGM حقوق الرعاية الخاصة بقميص فريق كرة القدم المحبوب محلياً، "أولمبيك مارسيليا"، بدءاً من الموسم المقبل.

برأي عدد كبير من سكان مارسيليا، بدأت هذه العائلة تخرج أخيراً من قطاع العمل المعزول الذي حصرت نفسها داخله طوال عقود، بالقرب من الميناء الذي ترسو فيه السفن السياحية.



رحّب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بهذا الاستثمار الأخير، وقد كشفت حكومته حديثاً عن خطة أوسع لمساعدة مارسيليا، وهي أحدث مبادرة ضمن سلسلة مبادرات تقليدية تقوم بها الدولة لدعم المدينة.

كان ماكرون يشجّع فريق "أولمبيك مارسيليا" في شبابه، وهو أثبت إعجابه الشديد بمارسيليا في مناسبات عدة. قد لا يصدّق معظم سكان المدينة مشاعره، علماً أن اليساري الشعبوي جان لوك ميلانشون حصد في الجولة الانتخابية الأولى أصواتاً تفوق جميع المرشحين الآخرين في آخر استحقاقَين لانتخاب رئيس فرنسي، ومع ذلك يُصِرّ مسؤولون من داخل أوساط ماكرون على صدق عواطفه تجاه المدينة.



من الواضح أن عائلة سعادة تحمل رؤية طويلة الأمد لمارسيليا. يتعلق أحد السيناريوات الطموحة بتحويل المدينة إلى مركز أكبر حجماً للشحن والخدمات اللوجستية. رغم قرب مارسيليا من البحر، لا تقدّم هذه المدينة عدداً كبيراً من فرص العمل في أي من القطاعات. لا يقع الميناء التجاري الكبير بالقرب من المدينة، فهو على بُعد ساعة من الشمال الغربي، في المنطقة الصناعية "فوس سور مير". قد تسمح الاستثمارات المتواصلة بانضمام المدينة إلى طرقات الترانزيت الكبرى مثل أنتويرب، وهامبورغ، وروتردام.

يقول كاتب قصص الجرائم المقيم في مارسيليا، فرانسوا تومازو: "يعود السؤال نفسه إلى الواجهة مراراً وتكراراً: ما هي العاصمة الحقيقية للبحر الأبيض المتوسط؟ لم تكن مارسيليا عاصمة أي شيء يوماً، لكن قد يتحقق هذا الحلم أخيراً وتصبح مارسيليا مركزاً بحرياً مهماً".



في غضون ذلك، كثّفت عائلة سعادة استثماراتها في لبنان، فضخّت الأموال في البلد بعد تفجير مرفأ بيروت في العام 2020. وأقدمت هذه العائلة على شراء محطة الحاويات في ميناء طرابلس في العام 2021، واشترت في السنة الماضية محطة الحاويات في العاصمة. حتى أنها أبدت اهتمامها بشراء الصحيفة اللبنانية الوحيدة الناطقة باللغة الفرنسية، "لوريون لوجور". لكن كما حصل في فرنسا، تتجنب عائلة سعادة الأضواء قدر الإمكان. برأي جوزيف باحوط، مدير "معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية" في الجامعة الأميركية في بيروت، هم يحبون النفوذ لكن من دون لفت الأنظار.



لكنّ الثروة الطائلة التي تملكها عائلة سعادة ومكاسبها الضخمة جعلتها تحت الأضواء في فرنسا رغماً عنها. بعد الفوز بعشرات المقاعد في الانتخابات التشريعية، في شهر حزيران الماضي، دعا التحالف التشريعي اليساري الجديد في فرنسا إلى فرض ضريبة على الأرباح الفائقة، ما يعني استهداف شركات سجّلت ارتفاعاً "استثنائياً" في العائدات منذ زمن كورونا وبدء أزمة الطاقة في أوروبا، على غرار شركة CMA CGM. في السنة الماضية، اضطر رودولف سعادة للمثول أمام لجنتَين برلمانيتَين (الأولى في مجلس الشيوخ والثانية في الجمعية الوطنية)، فدافع عن نموذج العمل الذي تُطبّقه شركته وسلّط الضوء على سلبيات الضريبة المقترحة.



سأل سعادة لجنة الجمعية الوطنية في شهر أيلول الماضي: "إذا عوقبتُ أنا لأنني مضطر لدفع ضريبة خاصة، فما الذي سيفعله المنافسون؟ هل ستجلبونهم أيضاً للمشاركة في جلسة استماع مماثلة؟".

يُصِرّ مانويل بومبار، نائب من الحزب اليساري "فرنسا الأبيّة" شارك في ترؤس جلسة الاستماع نفسها، على عدم استهداف عائلة سعادة شخصياً عبر الضريبة المفروضة على الأرباح الفائقة. انتُخِب بومبار حديثاً عن دائرة في وسط مارسيليا، وهو يربط هذا التدبير بالعدالة الاقتصادية. هو يقول خلال مقابلة من مكتبه، على بُعد مسافة قصيرة من مقر CMA CGM: "لا يتعلق الهدف الأساسي بمعاقبة هذه الشركة بالذات. لكن حين تزيد ثروة عائلة معينة بمعدل 30 مليار يورو سنوياً، لا خطب في أن نطالب باستعمال جزء صغير من ذلك المبلغ لمساعدة أشخاص يعيشون حياة أكثر صعوبة. هم يموّلون برامج كثيرة، ويشاركون في هذا النوع من الأعمال الخيرية. لكن عند التمسك بمبدأ العدالة الاجتماعية، لا يمكن أن يصبح كل شيء تحت رحمة أرباب العمل أو المؤسسات الكبرى... لا أظن أن الرؤية الفرنسية تصبّ في هذا الاتجاه أيضاً، بل يتمسك البلد بالعدالة الاجتماعية. نحن نؤمن بوجود أداة فاعلة لإعادة توزيع الثروات: الضرائب".



لكن من المستبعد أن تُحقق هذه الجهود أهدافها، حتى الآن على الأقل. في شهر تشرين الثاني الماضي، استبعد بومبار أن تصوّت الجمعية الوطنية، التي تسيطر عليها أغلبية نسبية تدعم ماكرون، لهذا النوع من الضرائب بحلول نهاية السنة، وتكلم عن صعوبة فرض ضريبة بأثر رجعي على الأرباح المفاجئة.

لكنّ هذا التركيز المفرط على الأرباح المفاجئة يخفي أحياناً مسألة بنيوية أكثر أهمية، وهي تتعلق بوجود نظام ضريبي تفضيلي لأقصى الدرجات. منذ العام 2003، استفادت CMA CGM من "ضريبة الحمولة" التي يتم احتسابها بحسب كمية السلع التي تتعامل معها الشركة نسبةً إلى العائدات التي تُدرّها. فُرِض هذا التدبير في الوقت نفسه تقريباً في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي، وكان مُصمّماً لإبقاء مقرات شركات الشحن العملاقة داخل أوروبا. تدفع شركة CMA CGM في فرنسا نسبة تقتصر على 2% من أرباحها، مقارنةً بمعدل الضرائب النموذجي في الشركات (25%).



خلال جلسة الاستماع البرلمانية في أيلول الماضي، قال سعادة إن أي زيادة للأعباء الضريبية على شركات الشحن الأوروبية ستُجرّدها من الامتيازات، ثم تساءل: "إذا فُرِضت ضريبة أوروبية من هذا النوع، كيف سنتعامل مع الشركات الآسيوية؟ إذا كانت هذه الضريبة حتمية في مطلق الأحوال، فيجب أن تكون عالمية".

هذا الاقتراح يستحق التفكير. لكن أغفل سعادة على ما يبدو عن محاولة مشابهة في الفترة الأخيرة لفرض ضريبة متزايدة وموحّدة على شركات الشحن حول العالم، لكن ساهم القطاع الذي يعمل فيه في إسقاط الاقتراح. كُشِف النقاب عن الاتفاق الضريبي البارز على الشركات العالمية في تشرين الأول 2021، وهو يفرض حدّاً أدنى بنسبة 15%، ويهدف إلى فرض الضرائب على الشركات بحسب مكان عملها، ويشمل إعفاءً أساسياً: لا يمكن تطبيقه على الشحن البحري.



شركة CMA CGM منتسبة إلى مجلس الشحن العالمي الذي مارس ضغوطاً كبرى لإعفاء الشحن الدولي من ذلك الاتفاق حين بدأت تفاصيله تتسرب من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. دعمت الحكومة الفرنسية من جهتها ذلك التوجه إلى إبرام اتفاق ضريبي عالمي، وانتقدت شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة، مثل "غوغل"، و"آبل"، و"فيسبوك"، و"مايكروسوفت"، لأنها تتحايل على مسؤولياتها المالية. لكن وفق مصدر مطّلع على المفاوضات الضريبية العالمية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لم يقاوم الوفد الفرنسي بشكلٍ صارم الجهود الذي بذلتها شركات الشحن لإيجاد ثغرة تصبّ في مصلحة القطاع ككل. (فضّلت وزارة المالية الفرنسية عدم التعليق على هذه المسألة).

على مستويات عدة، تَحقق هذا الهدف على طريقة عائلة سعادة، ما يعني كسب النفوذ من دون لفت الأنظار. إذا أصبح الحد الأدنى العالمي للضرائب المفروضة على الشركات ساري المفعول يوماً، سيتحول إعفاء قطاع الشحن إلى مدخرات بقيمة مليارات الدولارات لصالح شركة CMA CGM، وهو انتصار ستتّضح إيجابياته خلال السنوات المقبلة.