في وقت اضطرّ فيه معظم المواطنين الى ملازمة منازلهم للحدّ من انتشار وباء الكورونا، بدا الأمر صعباً جداً على الكثيرين، وبخاصة الذين اعتادوا على الخروج اليومي والتنقّل، حتى أنّ البعض شعر وكأنّه داخل السجن.
في هذا الإطار يشير الإعلامي والإختصاصي في علم النفس الإيجابي ميلاد حدشيتي الى أنّ الكورونا وباء عالمي شلّ الكرة الأرضية، وهذا يعني أننا في خطر، والإعتراف بأننا في خطر هو المفتاح الأول للتعامل بشكل صحيح مع الأزمة. وتابع: "لكن هذا الإعتراف لا يعني الإستسلام، وبالتالي من غير المقبول أن نقول أننا غير قادرين على فعل شيء تجاه هذا الأمر". وإذ شدّد على أنّ المطلوب في هذه المرحلة هو أن نتمتّع بالمرونة النفسية التي ستساعدنا على تخطّي هذه المرحلة بأكثر إيجابية ممكنة، لفت الى أنّ الكورونا كما بات معلوماً يشكّل خطراً أكبر على الأشخاص الذين يعانون من ضعف في المناعة، فالهلع والخوف والمشاعر المزعجة والقلق المستمر من شأنها أن تخفض المناعة في الجسم وهذا ما أثبتته الدراسات. بينما المشاعر الإيجابية مثل التفاؤل والأمل والإمتنان والرجاء وغيرها، من شأنها أن ترفع المناعة، وتساهم بالتالي في تعزيز قدرتنا على التغلب على الفيروس. وبما أنّنا بطبيعتنا البشرية اعتدنا على الحركة، وإذا أبطأنا من حركة جسمنا سيقوم هو بدوره بإبطاء الأفكار البناءة، وجّه ميلاد عدداً من النصائح التي تساعد على اجتياز مرحلة الحجر المنزلي بأقلّ سلبية ممكنة:
عندما نستفيق صباحاً، علينا أن نأخذ قراراً بخلع ملابس النوم وارتداء الملابس العادية. فملابس النوم من شأنها أن تعطينا شعوراً بأننا نعاني من مرض، وبالتالي تحدّ من قدرتنا على التأقلم مع الأزمة.
يمكننا أيضاً أن نمارس بعض التمارين الرياضية التي تساعد جسمنا على الشعور بالحركة والتخلص من شعور الخمول الدائم.
يجب أن نضع خطة عمل، وكأننا ذاهبون الى عملنا كالمعتاد. أي أن نقوم بتنظيم أوقاتنا، فنعطي وقتاً للقراءة، وقتاً للتسلية، وقتاً للعمل، وقتاً للجلوس مع العائلة ووقتاً للمطبخ.
لا بدّ من الانتباه الى نقطة مهمة، وهي أنّ ضغط الحياة وسرعتها لم يسمحا لنا سابقاً بالقيام بأمورعدة. أما اليوم فقد أتيح لنا أن نقوم بها. مثلاً يمكننا أن نأخذ دورات تعليمية عبر الإنترنت، أو أن نتعلم لغة جديدة أيضا عبر الانترنت، أو أن نقرأ أو أن نهتمّ في ترتيب منزلنا وأغراضنا الخاصة.
حتى جلوسنا في المنزل لا يجب أن يكون في زاوية واحدة، بل يجب أن نتنقّل قدر الإمكان بين الغرف لنتفادى الروتين.

تجنّبوا مشاهدة هذه الأفلام
منذ أن بدأت أزمة الكورونا حتى انتشرت على مواقع التواصل الإجتماعي مقاطع من أفلام عن الأوبئة، من بينها : Contagion, Outbreak, The last days وغيرها، وكان من شأنها أن تنشر المزيد من الهلع، لا سيما وأنها تتضمّن مشاهد مشابهة كثيراً لما نعيشه اليوم. وفي هذا الإطار شدّد حدشيتي على ضرورة الابتعاد عن مشاهدة هذا النوع من الأفلام، وقال: "على العكس فلنتّجه الى الأفلام المسلية والمضحكة التي تمنحنا مشاعر من الفرح، وتساعدنا على التعامل بمرونة أكبر مع هذه الأزمة". ولفت الى أنّ أخطر ما يمكن أن نفعله في هذه الفترة هو أن نصبّ كل تركيزنا على موضوع الكورونا، أي أن نتسمّر أمام الشاشات لمتابعة أخبار الفيروس. وتابع: "هُنا لا بدّ من أن نتّخذ قراراً بأن نتابع حياتنا بشكلها الطبيعي، أي إذا كنا في السابق نستمع الى نشرة أخبار واحدة، فعلينا اليوم أن نستمرّ في هذا النمط. يجب أن نحدّ من الأوقات التي نسمح فيها لدماغنا أن يتجه بتفكيره الى الكورونا، ويدخلنا بالتالي تلقائياً في دائرة من المشاعر المزعجة".
ضرورة التصدّي للأفكار السلبية
في ظلّ الجو العام المشحون بالقلق، فإن عقل الإنسان قد ينحاز تلقائياً نحو أفكار سلبية من الصعب التخلّص منها. وهنا أشار حدشيتي الى ضرورة مواجهة هذه الأفكار عبر اللجوء الى ممارسة أي تصرّف بنّاء أو أمور تشعر صاحبها بالراحة والسعادة، وتابع: "أما إذا شعر بعض الأشخاص بأنّ الأفكار التي تسكنهم هي أفكار سوداوية خارجة عن سيطرتهم، خاصة الأفكار الانتحارية، أتمنى عليهم أن يتواصلوا مع متخصّصين عبر الأرقام التي تضعها الجمعيات المعنية بهذا الموضوع، وهذا من شأنه أن يساعدهم على تخطي هذه الأزمة". وأكّد على أنّ الانسان استطاع أن يتجاوز الكثير من الأزمات، وهذه الأزمة كسابقاتها ستنتهي، وسنتغلّب عليها بالوعي والصبر.
فبالمقابل، يرى حدشيتي أن هذه الأزمة رغم كل مساوئها، إلا أنّ لها جوانب إيجابية أيضاً، وأوضح: "فهي تعلّمنا أن نحدّد أولوياتنا وأن نعيد النظر في أمور مهمة في حياتنا، مثل أهمية العائلة والحوار والاهتمام بمن نحبهم. كما أنّها علمتنا قيماً إنسانية كثيرة مثل المحبة والتعاون والتعاضد وحماية النفس لنحمي من نحبّ. فبعد كل أزمة يمر بها الانسان ستكون أمامه فرصة للنمو ولرؤية الأمور بشكل مختلف".
وختم بالقول: "لا يجب أن نسمح للكورونا بأن يستغلنا. إنّما علينا نحن أن نستغله لنتعلم درساً جديداً في حياتنا الشخصية أو المجتمعية، وأن نعيد النظر في الكثير من الأولويات".