أحمد عدنان

الخليج بعد "كورونا": الحرب لإنعاش الاقتصاد

7 دقائق للقراءة

في سنة 1929، ثم سنة 1933، عرف العالم الكساد الاقتصادي الكبير، ومن نتائجه كما نعلم الحرب العالمية الثانية. تراجعت أخبار الكساد لمصلحة أخبار الحرب، التي حلت محلها - لاحقا - أخبار الإعمار وعلى رأسها مشروع مارشال.

ومن نافل القول التأكيد، أننا ككوكب، سقطنا بالفعل في هاوية كساد اقتصادي عظيم لن يرحم احداً بفعل جائحة كورونا القاتمة، وفي الوقت الذي تنشغل فيه القطاعات الصحية والعلمية بالتخطيط للانتصار على فيروس كوفيد 19، تنشغل الأوساط السياسية والأمنية والاقتصادية بالتفكير في مواجهة اليوم التالي بعد الجائحة.

في اللحظة الراهنة، تواجه الدول تحدياً مزدوجاً، تحدي مواجهة كورونا، ثم تحدي مواجهة الكساد العظيم، والانتصار على التحدي الأول يضمن موقع الدولة في العالم الجديد، ويتحدد ترتيبها في هذا العالم، وفق تعاملها وأدائها مع التحدي الثاني الذي لا يقل خطورة عن الفيروس العنيد.

كما قلت سلفاً، يمكن القول إن دول الخليج، ضمنت - إلى حد بعيد - موقعها في العالم الجديد، وأظنها كذلك ستحقق ترتيباً عالياً فيه، ومع ذلك لا بد من الانتباه الى جملة قضايا.

أولا، من المتوقع ان يصل الخلاف بين الولايات المتحدة الأميركية وبعض الغرب وبين الصين وبعض الشرق إلى مستويات حرجة. في الماضي، حين تصادم الشرق والغرب انحازت دول الخليج إلى المعسكر الغربي، وأثبتت الأيام صواب رهانها يوم انهار الاتحاد السوفياتي. المشكلة ان المعطيات اليوم تبدلت، فالشرق هو المشتري الاول للنفط من دول الخليج، والغرب هو البائع الأول لهذه الدول سلع التقنية والحداثة، وبالتالي فالمطلوب خطة سياسية مدروسة تجنبنا التخلف في مضمار الحداثة كما تحافظ على مصالحنا الاقتصادية.

ثانيا، من المرجح ان تتفكك نظرية "الصين مصنع العالم" لصالح أسواق جديدة، فلن يقبل العالم بمصنع واحد له، بل على الأرجح ستعود بعض الصناعات إلى وطنها الأم، وسينتقل البعض الآخر إلى دول وأسواق أكثر قرباً من مبدأ السلامة، ومنها الهند، وبعض الدول الأفريقية، وأهمية هذه النقطة انها قد تعزز دور مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن بحكم الحصة الأفريقية في المتغيرات الجديدة.

ثالثا، حرصت بعض الدول الخليجية على الاستثمار في القطاع السياحي، وهو قطاع بحاجة إلى الوقت من أجل التعافي، والمطلوب الآن مقاربة هذا الاستثمار من زاوية جديدة تواكب المتغيرات. وهذه القضية لا تنحصر في دول الخليج، بل تمتد إلى دول الإقليم الأكثر اعتماداً على السياحة، وبعض هذه الدول لها تحالفاتها الخليجية.

رابعا، إن الحديث عن القطاع السياحي هو رمز بسيط للمشكل الاقتصادي الكبير عربياً في مرحلة ما بعد كورونا، وتحديداً في جوار دول الخليج: ارتفاع معدلات البطالة، شح رأس المال وجبنه، وتصلب معدلات النمو والتنمية، وبالتالي ارتفاع معدلات الجريمة، وربما اضطرابات وتوترات، ليكون السؤال البديهي: ماذا ستفعل إذا اشتعلت النيران في منزل جارك الطيب او جارك الشرير؟!.

خامسا، على الأرجح، دول الخليج ستكون الأقل تضرراً من الكساد العظيم، وفي كل الأحوال هناك حاجة إلى دراسة اقتصادية دقيقة للمستقبل - في ظل المستجدات الراهنة - وكيفية التعامل معه باتجاه ليبرالية اقتصادية رصينة وهادئة. والحق يقال، ان الإجراءات الاقتصادية التي اتخذها العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبدالعزيز، تعكس وعياً عالياً بالمتغيرات وبالمستجدات حاضراً ومستقبلاً.

ومن هذه التساؤلات ننطلق إلى صلب الموضوع، ربما تكون جائحة كورونا فرصة ذهبية لدول الخليج، فالكساد العظيم الذي سيغطي العالم بحاجة إلى الترياق السحري، أي سلعة النفط، من أجل الانتعاش.

خمسة مشاريع تنموية

في المرحلة الماضية، لم يخسر النفط من سعره فقط، فتراجع السعر يعكس خسارة لقيمة السلعة نفسها، لذلك سعت رؤية 2030 في السعودية الى تنويع مصادر الدخل وهجر الاقتصاد الريعي، وكذلك فعلت الإمارات.

حين ننظر إلى خريطة المنطقة، سنجد 5 مشاريع تنموية من الممكن ان تشكل نقاط ارتكاز لإنهاض الاقتصاد العالمي : 1- رؤية 2030 وكل امتدادتها مثل مشروع نيوم. 2- إعادة إعمار سوريا. 3- إعادة إعمار اليمن. 4- إعادة إعمار ليبيا. 5- إعادة إعمار إيران.

ستلتقي رؤية 2030 بكل سلاسة مع الحاجة العالمية لإنعاش الاقتصاد، فالمشروع قائم بالفعل في دولة مركزية آمنة ومستقرة وذات مصداقية، وهذه الدولة تتشارك القيم والطموح مع العالم الحر. لذلك، فالمجتمع الدولي سيكون أكثر حرصاً على دعم "الرؤية" وإنجاحها سريعاً - في شقها التنموي بالذات - حتى يستفيد هو، ومن ثم يستمر الإنعاش والازدهار إلى بقية المشاريع، وبالطبع كل مشروع سيخلق شبكة مصالح وأرباح تحرك المياه الراكدة مجدداً.

من السهل في السياسة أن نقول أين سنصرف الأموال، لكن السؤال الأصعب في علم الاقتصاد، من اين سنجلب هذه الأموال التي سنصرفها؟!. الجواب ببساطة على المستوى الدولي، نحن بحاجة إلى أن نعيد للنفط بعضاً من قيمته المفقودة، والحل التقليدي بخفض الإنتاج لن يحقق ذلك.

إيران الهدف النموذجي

كلنا يعلم بأن الاقتصاد محرك أساس للحروب، والعكس صحيح، الحرب محرك رئيس للاقتصاد، لذلك نحن بحاجو دوليًا إلى حرب لها أهداف واضحة: 1- ترفع أسعار النفط إلى بعض مجدها القديم. 2- ان لا تعيق بيع النفط ولا تعطل إمداداته. 3- أن تزيح العوائق السياسية امام التنمية في سوريا واليمن وليبيا. 4- ان تخلق ممولين جدداً للاقتصاد العالمي.

وبالنظر إلى هذه الأهداف نشير بدقة إلى مسرحَي عمليات، المسرح الليبي الذي يجب ان ينتهي فيه الصراع بعودة الدولة ودحر الميليشيات. لكن الأهم هو المسرح الإيراني.

إيران هي الهدف النموذجي للحرب المقبلة، فالنظام تضرر كثيرا من العقوبات الاقتصادية، وتفاقم ضرره بعد جائحة كورونا، وإزاحة هذا النظام الطائفي العقائدي الداعم للإرهاب يتيح قلب المعادلات نهائيا في المنطقة، خصوصا في سوريا واليمن، وربما تكون عضواً مسالماً وممولا في العالم الجديد، وبالتالي تنطلق مسيرة السلام والإعمار بزخم اكبر، فضلاً عن أن إيران نفسها بحاجة إلى إعادة إعمار بعد سنوات العزلة والتخلف والإرهاب.

أمام إيران حينها 3 خيارات، أن تبيع ميليشياتها المتفرقة في المنطقة لحفظ النظام في صورة انطوائية جديدة، او ان تسلك نهجها العدواني المعتاد فتسرّع من نهايتها المحتومة او تشتري الوقت في انتظار تغير المعادلات، وأخيراً أن تفرض عليها أزماتها الداخلية الانكفاء والاستسلام.

لكن السؤال العريض، كيف يمكن ضرب إيران مع حفظ تدفق النفط عبر الخليج؟ ربما تكون الإجابة في تقرير نشره مركز الأمن الأميركي الجديد قبل أيام، إذ نصح المركز الإدارة الأميركية باتباع نموذج إسرائيل في التعامل مع إيران في سورية، حملة "المنطقة الرمادية" نموذجاً لحرب الظل.

الالتفاف حول خيارات المملكة الاقتصادية والسياسية اصبح مصلحة دولية، لذلك لن تثير العجب رؤية أعداء المملكة يحاولون التقرب إليها في المرحلة المقبلة، فالمملكة حجزت موقعها في العالم الجديد، أما أغلب أعدائها ففي دائرة الخطر، إن كان بسبب جائحة كورونا، أو بسبب الكساد العظيم بعدها، فالميليشيات غارقة في دوائر المرض والجوع والقصف والزوال، وإيران تواجه ما جنته يداها، وحتى قطر لن يثير الدهشة لهاثها إلى التصالح مع الدول المقاطعة مهما كانت الشروط والمطالب، فمحورها الإقليمي يتضعضع، ولن يتسامح المجتمع الدولي مستقبلا مع السياسات المتلونة والمنافقة.

العالم بعد كورونا، يطوي حقيقة تحالفات وموازين وخرائط القرن العشرين مع التهام الأرض لأجساد البشر وأموالهم، وكلمة السر هي الولايات المتحدة، إما الانكفاء كما جرى بعد الكساد الكبير، او التوسع الشره كما جرى بعد الحرب العالمية الثانية، وفي الحالتين، إذا أردت السلام فاستعد للحروب.