جاد حداد

Last Night in Soho... بين الواقع والخيال

5 دقائق للقراءة

في فيلم الكوميديا والرعب Last Night in Soho (الليلة الماضية في سوهو) للمخرج إدغار رايت، تحلم بطلة القصة «إيلويز تيرنر» المعروفة بلقب «إيلي» (توماسين ماكنزي) بأن تصبح مصممة أزياء. لكن يطاردها شبح والدتها التي كانت تحمل الحلم نفسه. انتقلت أمها إلى لندن في الماضي، لكنها انتحرت هناك في نهاية المطاف. تشاهد «إيلي» وجهها الآن في كل مرآة.

تحب «إيلي» أساليب وموسيقى الستينات، فتقرر مثل أمها الانتقال إلى لندن لدخول جامعة خاصة بتصميم الأزياء. لكنّ جدّتها المهووسة بحمايتها (ريتا توشينغام بأداء مؤثر) تشعر بقلق شديد عليها: هي تشاهد رؤى وتنتابها عواطف لا يشعر بها الآخرون كونها تستطيع التواصل مع محيطها بطريقة خارقة للطبيعة. تتلقى «إيلي» المبدعة استقبالاً بارداً من زملائها في الجامعة، ثم يبدؤون بمضايقتها لأنها ترتدي ملابس من صنعها وتحمل جذوراً متواضعة من بلدة «كورنوال»، فتقرر الخروج من حرم الجامعة وتستأجر شقة تقليدية من السيدة «كولينز» التي تبدو صارمة لكنها حنونة على ما يبدو (ديانا ريغ في آخر دور لها قبل وفاتها).

هذا الوضع الجديد يناسب «إيلي» إلى أن تحلم بأنها «ساندي» (أنيا تايلور جوي)، شابة شقراء أنيقة كانت تعيش في لندن، في العام 1966. سرعان ما يتلاشى الخط الفاصل بين الواقع والخيال وتتحول أحلام «إيلي» إلى كوابيس. شاركت كريستي ويسلون كيرنز (من أعمالها فيلم 1917) في كتابة السيناريو الذي يجمع بين المتعة، الفوضى، السلاسة والأناقة، لكنه يخسر تماسكه في نصفه الثاني.

تتفاجأ «إيلي» بما تقرأه عن المدينة الكبيرة التي انتقلت إليها وتبدأ البحث عن لندن التي سمعت عنها في أغانيها المفضلة. يشبه أداء توماسين ماكنزي في هذا الدور شخصية «توم» التي قدمتها في فيلم Leave No Trace (بلا أثر). هي شابة دخيلة على المدينة الجديدة وسرعان ما تصبح عالقة في أرض غريبة، فتحاول التكيف مع فقدانها لوالدتها. هي تستعمل حنينها إلى فترة الستينات كشبكة أمان، ثم تبدأ بشراء ملابس من تلك الحقبة وتصبغ شعرها باللون الأشقر. يحمل الجزء الأول من الفيلم بعض عوامل النجاح أيضاً، إذ تضطر فتاة البلدة التي تقيم الآن في مدينة شاسعة لتجنب فساد مجتمعها الجديد.

لكن يبدأ الفيلم بالتعثر بسبب الشخصية الشريرة في القصة. تصبح «ساندي» في مرحلة معينة تحت مراقبة «جاك» (مات سميث)، عميل يمثّل عدداً كبيراً من الفتيات. يكون «جاك» قواداً ولا تعرف «ساندي» حقيقته. هو يستعمل تعطّشها للشهرة ضدها، فيقنعها بأنّ عرض نفسها على الآخرين سيساعدها على تطوير مهنتها. تبدأ «إيلي» بالخوف منه، لكن لا يصل هذا الخوف إلى المشاهدين للأسف. لا يعني ذلك أن شخصية «جاك» ليست من الشخصيات الشريرة التي يسهل أن يكرهها الجمهور، لكن لا يطوّر رايت هذه الشخصية بما يكفي لجعلها مرعبة بمعنى الكلمة.

ترك رايت بصمته سابقاً في فيلم الكوميديا Shaun of the Dead (شون الموتى) عن كائنات الزومبي. ليس مفاجئاً إذاً أن يعود إلى التكتيك نفسه في هذا الفيلم أيضاً. وسط انعكاسات ملوّنة ومتغيرة وسريالية، يبدو أن مجموعة من الكائنات المهووسة تهاجم «إيلي» طوال الوقت. لا تبث هذه الأشباح رعباً حقيقياً لأننا نعجز عن تحديد طبيعتها ولأن رايت لا يستعمل طريقة مناسبة لعرضها. كان تراجع الخطوط الفاصلة بين «إيلي» و»ساندي» ليصبح أكثر إثارة للاهتمام، لو أصبحت الشخصيتان أكثر ترابطاً ولم تقتصر العلاقة بينهما على العيش في المكان نفسه في زمانَين مختلفَين.

على صعيد آخر، يتعثر الفيلم بسبب خطأ شائع يرتبط بنَسْب صفات معينة إلى الشخصيات بحسب لون بشرتها. لبث مشاعر الخوف في أحد المشاهد مثلاً، وهو المشهد الأكثر رعباً في الفيلم ولو عن غير قصد، يرتدي الشخص الأسود الوحيد في الفيلم (مايكل أجاو) زياً بمناسبة هالووين، لكن تنتهي ليلته بمواجهة تهمة محاولة اغتصاب امرأة بيضاء. يصعب أن نناقش تفاصيل المشهد من دون كشف أحداث رئيسية، لكن يجب أن يفهم صانعو العمل أن اختيار ممثل أسود البشرة ليس كافياً، نظراً إلى التاريخ العنصري الذي يحمله هذا النوع من المشاهد. في المرحلة اللاحقة، يتابع ذلك الرجل الأسود مساعدة الشخص الأبيض الذي كاد يودي بحياته، وهو قرار مبالغ فيه وغير واقعي بأي شكل.

بعيداً عن المواضيع الأساسية، مثل التعلّق بالماضي والشخصيات الذكورية السامة، تتراجع العوامل التي تضمن نجاح العمل. لا يتطرق رايت مثلاً إلى قطاع الخدمات الجنسية، أو الاستغلال الجنسي لتحقيق المكاسب، أو الصحة النفسية، إلا بطريقة سطحية وعابرة. هو يتكل في المقابل على فكاهة مبتذلة، ومشاهد عنف مفرطة، ويكرّم أفلاماً أفضل من هذا العمل بكثير. تكون هذه العوامل كافية في الحالات العادية، ولطالما كانت كذلك في الماضي، لكنها لا تتماشى مع مواضيع الفيلم الثقيلة هذه المرة. حتى أن النهاية غير المتوقعة لن تفاجئ الكثيرين.

باختصار، تبدو قصة «إيلي» غير مكتملة، إذ يقضي عليها أسلوب الفيلم عموماً وتعجز مقاربة المخرج عن التعويض عن نواقص العمل. يشمل الفيلم موسيقى تصويرية خاصة بمشاهد القتل وموضة تقليدية أنيقة تحمل توقيع مصممة الأزياء أوديل ديكس ميرو، لكنه يقع في فخ الملل للأسف.