حسان الزين

سؤال

28 تشرين الأول 2023

02 : 00

أين الثقافة في لبنان؟

ليس السؤال عن الآداب والفنون، وهذه وتلك إن لم نقل إنّهما في تراجع فإنّهما في تقلّص وانزواء إلى الذات ومساحات هامشية وضيّقة.

ويتجاوز الأمرُ السؤالَ عن «المثقفين والمثقفات»، بغاية انتقاد استقالاتهم الفردية والجماعية من الشأن العام، والنيل من «تهافت» فئات واسعة منهم والتحاقها بالقوى المذهبيّة وحواشي الزعماء، أو ببحثها عن مصالحها الشخصية في وظائف وأعمال خاصة، في لبنان والمهجر.

السؤال عن الثقافة، بمعناها الإبداعي الواسع، التي تضيء على الواقع وتطرح أسئلة وتقترح إجابات تفتح نقاشات وسجالات. وبالتالي، فإن السؤال مطروح على اللبنانيين واللبنانيّات عموماً والقوى السياسية خصوصاً، بما في ذلك الاحتجاجية والاعتراضية.

أين الثقافة في لبنان، أي أين البحث والدرس اللذان يواكبان ما يجري في العالم والمنطقة، ولبنان ضمناً وكحالة خاصّة، وأين الأسئلة والإجابات من خارج الصندوق، واين الكلام الجديد؟

بهذا المعنى، فإن السؤال عن الثقافة هو الأهم والأكثر إلحاحاً في لبنان الآن وغداً. وكان الأمر كذلك في ما مضى، لا سيما مع الانهيار الاقتصادي والمالي والأزمة السياسية والاجتماعية، لكنّه بقي مهملاً. والخوف من أن يستمر الوضع على حاله.

ففيما الأحداث في العالم والمنطقة تتسارع لا نقرأ، ولا نجد بشكل عام، ما يسير على ذاك الإيقاع، أو في الأقل ما يحاول السير بما تقتضيه الظروف وتستدعيه الحاجة. وفيما يتفاقم السؤال عن الراهن والمستقبل نقرأ خطابات قديمة تنتمي إلى الغابر من الأيّام والصراعات والأيديولوجيّات والانتماءات. وفيما تتزايد الأسئلة التي تستوجب استخدام السياسة علماً وطاقةً نقرأ مواقف ارتجالية، وفي أفضل الأحوال عاطفية. وفيما يُمتحن العالمُ والضميرُ الإنسانيُّ، ومعهما القوانين الدولية والعلاقات بين الأمم والحضارات، نقرأ مزاجات شخصية وأحكاماً مسبقة وردود أفعال ضيّقة. وفيما يُعطّل العقل وتُعلّق العقلانية نقرأ استسلاماً للدعاية السياسية والانحيازات القبلية. وفيما تُطلق آلة الحرب والقتل والتمييز بين البشر نقرأ خطابات مذهبية وعنصرية أحياناً.

الثقافة التي يُسأل عنها في مثل هذه الظروف هي تجاوز الاستهلاكية المتحكّمة باللعبة السياسية، عقلاً وخطابات وممارسات. فمن دون تلك الثقافة، التي هي طاقة جماعية تجدد معرفة الواقع والضمير، لن تُكسر الحلقة المغلقة التي يغرق فيها لبنان.

وإذ لا يُنتظر ذلك من القوى السياسية الفاعلة، وهي ستهتم كالعادة بترتيب بيوتها وتحصين متاريسها وتعزيز حصصها وتحصيل أولويّاتها وتعميم خطاباتها انطلاقاً من الصراع في الإقليم والعالم وحساباتهما، يُسأل عمّن يبادر إلى هذه المهمّة.

لا أحد جاهز لذلك. هذه حقيقة. وعلى الرغم من هذه المأساة الناتجة من تدمير قوى السلطة الحياة السياسية والدولة ومؤسساتها إضافة إلى الواقع الاقتصادي والاجتماعي الصعب، فإن المهمة ملقاة على عاتق المجتمع، ومنه المثقفون والمثقفات وحالات الاحتجاج وقوى الاعتراض. وهذه أيضاً حقيقة لا بد من الاعتراف بها. لعل الاعتراف يخرجنا، كمواطنين ومواطنات، من التقاعس وتكرار الخطابات المستعملة، ويدفعنا إلى مواكبة ما يجري في الكوكب، والحوار في شأنه وفي ما يخص بلدنا، بل ما يعني كل منا معرفياً وأخلاقياً، عالمياً ووطنيّاً وشخصيّاً.