ديان ليونغ

فيتنام... على ساحة اللاعبين الدوليين

17 كانون الثاني 2024

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

رئيس الحزب الشيوعي الفيتنامي نغوين فو ترونغ مع بايدن | فيتنام، ١٠ أيلول ٢٠٢٣

في النصف الثاني من العام 2023، تصدّرت فيتنام عناوين الأخبار الدولية لأنها استضافت أقوى زعيمَين في العالم خلال بضعة أشهر، مع أن سياسات القوى العظمى تغفل عن هذا البلد في الحالات العادية. وفي شهر أيلول الماضي، بلغت زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن ذروتها عند إبرام اتفاق تاريخي لرفع الولايات المتحدة إلى أعلى مكانة ديبلوماسية في فيتنام، فنشأت شراكة استراتيجية شاملة بين البلدَين. كانت هذه المكانة تقتصر سابقاً على الصين، والهند، وروسيا، وكوريا الجنوبية. بعد مرور ثلاثة أشهر على تلك التطوّرات، اجتمع الرئيس الصيني شي جينبينغ مع رئيس الحزب الشيوعي الفيتنامي، نغوين فو ترونغ، في هانوي. تعهّد الرجلان بناء «مستقبل مشترك» وتعزيز العلاقات الاستراتيجية عبر تنسيق الجهود في مسائل مثل الدوريات البحرية، والتجارة، ومكافحة الجريمة.

خلال الفترات الفاصلة بين هذه الزيارات الرفيعة المستوى، عقدت فيتنام شراكة استراتيجية شاملة أخرى لم يتنبّه إليها الكثيرون. نشأت هذه الشراكة مع اليابان، وقد تكون الأهم من بين الشراكات الثلاث لفهم مستقبل السياسة الخارجية الفيتنامية، حتى لو لم تَلْقَ هذه العلاقة المستجدة اهتماماً دولياً كبيراً. أصبحت اليابان شريكة أساسية للبلد، فيما تحاول فيتنام رسم مسارها الخاص عبر تنويع مصادرها الاقتصادية وتطوير علاقاتها مع مجموعة واسعة من اللاعبين الدوليين، تزامناً مع تجنّب التورّط في سياسات القوى العظمى.

ترتكز قواعد السياسة الخارجية الفيتنامية على قاعدة أساسية محورها الامتناع عن معاداة بكين. الصين هي أهم شريكة تجارية لفيتنام، وكانت تفيد البلد تاريخياً وتطرح التحديات عليه في آن. خلال فترات المقاومة ضد القوات الفرنسية والأميركية بين الأربعينات والسبعينات، قدّمت بكين دعماً مفيداً لهانوي على شكل أموال، وأسلحة، ومستشارين.

لكن بدأت مرحلة مضطربة في العام 1979، حين أقدمت الصين على غزو البلد «لتلقين فيتنام درساً»، لأنها أسقطت نظام الخمير الحمر الإلغائي الذي كانت تدعمه الصين في كمبوديا. أدّت تلك الحرب القصيرة والدموية إلى زعزعة العلاقات بين الصين وفيتنام، وتركت وراءها إرثاً يقوم على انتشار المشاعر المعادية للصين وسط الرأي العام الفيتنامي. تأجّجت تلك المشاعر لاحقاً بسبب النزاعات الإقليمية المستمرّة بين البلدين في بحر الصين الجنوبي.

لكن رغم هذا التاريخ المشحون بالتقلبات، يدعم السخاء الاقتصادي الصيني اقتصاد فيتنام، وهو الذي جعل هانوي تحاول إرضاء بكين. تقيم فيتنام علاقة حذرة مع الصين منذ عقود، فهي تتعاون مع بكين من جهة وتسعى إلى الدفاع عن مصالحها من جهة أخرى.

اتّضح خوف هانوي من إثارة استياء الصين حين تردّدت في البداية في تطوير علاقتها مع واشنطن. عندما زار وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، هانوي في نيسان الماضي، قبيل رحلة بايدن، فرضت السلطات الفيتنامية رقابة مشدّدة على وسائل الإعلام المحلية منعاً لإثارة حفيظة بكين في ظل تدهور العلاقات الأميركية الصينية.

خضعت مقالة حول اجتماع بلينكن مع رئيس الوزراء الفيتنامي، فام مينه تشين، لرقابة مشددة مثلاً بعد فترة قصيرة من نشرها في الصحيفة الفيتنامية المؤثرة «توي تري». شمل عنوانها الرئيسي كلاماً منسوباً إلى بلينكن («الشمس بدأت تشرق على علاقة الولايات المتحدة وفيتنام»)، وقد أثار على الأرجح مخاوف أجهزة الرقابة الفيتنامية. كذلك، بقيت تغطية زيارة بايدن حذرة بالقدر نفسه. في المقابل، استُقبِل شي جينبينغ وسط ضجة صحافية واسعة خلال زيارته البلد في كانون الأول.

لم تنتقد بكين تطوّر العلاقات الأميركية الفيتنامية بشكلٍ مباشر، لكن ألمحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، إلى احتمال أن تعكس تلك الشراكة «عقلية الحرب الباردة»، ودعت واشنطن إلى احترام طموحات البلدان الآسيوية المرتبطة بالاستقرار والتنمية.

لكنّ قرار فيتنام بتكثيف تواصلها مع طوكيو لم ينشر المخاوف نفسها. على عكس الولايات المتحدة، لا تطبّق اليابان استراتيجيات احتواء عدائية ضد الصين. لطالما كانت العلاقات اليابانية الصينية متوترة تاريخياً وتكثر النزاعات الإقليمية التي تشوبها في الوقت الراهن، لكن بذل البلدان في الفترة الأخيرة جهوداً كبرى لتحسين هذه العلاقة الثنائية والحفاظ على استقرار المنطقة.

في الوقت نفسه، تقترح اليابان حلاً معيّناً لمعضلة البنية التحتية في فيتنام. في الوقت الراهن، تتكل فيتنام على الاستثمارات الصينية لتنفيذ مشاريع البنى التحتية الأساسية. عبّرت السلطات الفيتنامية والرأي العام المحلي عن قلقهم من أداء المقاولين الصينيين نظراً إلى سجلهم الحافل بالتأجيلات، وتجاوز التكاليف المتفق عليها، وسوء نوعية البناء.

موّلت القروض الصينية خط مترو «كات لينه ها دونغ» في هانوي مثلاً وتولى مقاول صيني بناءه. كان يُفترض أن ينتهي المشروع في العام 2013، لكن تكررت التأجيلات، وزادت التكاليف، وكثرت الحوادث المرتبطة بالبناء والسلامة العامة. لم يصبح ذلك الخط قابلاً للتشغيل قبل العام 2021.

وفي بلدٍ تنتشر فيه أعمق المشاعر المعادية للصين، تخشى هانوي توسّع مظاهر البغض وسط الرأي العام إذا وافق البلد على تلقي أموال إضافية لتنفيذ مشاريع البنى التحتية في إطار «مبادرة الحزام والطريق» الصينية. تشارك فيتنام في هذا المشروع بحذر.

لكن رغم إظهار بعض الدعم الديبلوماسي لـ»مبادرة الحزام والطريق»، تشعر فيتنام بالقلق حتى الآن من اتكالها المفرط على الاستثمارات الصينية، وينجم هذا القلق جزئياً عن مخاوف شائعة من الوقوع في فخ ديون محتمل ومواجهة تداعيات استراتيجية بسبب توثيق العلاقات مع بكين.

في المقابل، تهدف الاستثمارات اليابانية إلى تخفيف اتكال فيتنام على الصين بوتيرة تدريجية. تُعتبر اليابان من أهم شركاء فيتنام التجاريين، وهي مصدر مهم لاستثماراتها الخارجية. لطالما كان دور اليابان أساسياً في تمويل ودعم مشاريع البنى التحتية الكبرى، قبل رفع مستوى الشراكة بين البلدين، منها تحديث سكك الحديد في المدن، وبناء الطرقات السريعة، وتطوير الموانئ في عمق البحار.

لكن كجزءٍ من الشراكة الاستراتيجية المستحدثة، تعهدت اليابان تعزيز تعاونها الاقتصادي والأمني مع فيتنام بدرجة إضافية، فزاد تركيزها على الاستثمار في مشاريع البنى التحتية عالية الجودة، وهي مشاريع أساسية لتحقيق النمو الاقتصادي والتكامل في شبكات الربط الإقليمي في فيتنام.

تعهّدت واشنطن من جهتها زيادة استثماراتها في المشاريع التنموية الفيتنامية كجزءٍ من شراكتهما المستحدثة. قد تكون الاستثمارات الأميركية في فيتنام وافرة، لكنها لا تلبّي مباشرةً حاجة فيتنام المُلحّة إلى بنية تحتية ملموسة. غالباً ما تموّل الولايات المتحدة المشاريع التنموية الطويلة الأمد في قطاعات مثل الزراعة، وحقوق الإنسان، والتغير المناخي، والصحة.

قد يؤثر الدعم الأميركي في نهاية المطاف على اقتصاد فيتنام. خلال زيارة بايدن، أعلنت واشنطن عن عقد شراكة مع هانوي لاستكشاف فرص تطوير نظام أشباه الموصلات العالمي عبر دعم فيتنام في مساعيها لإنشاء نسختها الخاصة من قطاع أشباه الموصلات. لكن يبقى التمويل الأميركي العام لهذا المشروع محدوداً بموجب قانون الرقائق والعلوم. وفي الفترة الأخيرة، ألغت شركة تصنيع الرقائق الأميركية، «إنتل»، استثماراً كبيراً في فيتنام. لم تبرر «إنتل» قرارها، لكن صرّح مصدر مطّلع لوكالة «رويترز» بأن الشركة كانت قلقة من الإجراءات البيروقراطية المعتمدة وإمدادات الطاقة.

بغض النظر عمّا تفعله الولايات المتحدة لتبرير تحركاتها، يبقى توجّهها الاستراتيجي نحو فيتنام جزءاً من جهودها الرامية إلى التصدي للنفوذ الصيني في المنطقة. تتمسك فيتنام من جهتها بسيادتها ولا تريد التورّط في سياسات القوى العظمى. لهذا السبب، اتكلت هانوي على توازن ديبلوماسي حذر للحفاظ على استقرارها، وتجنبت الانحياز العلني إلى طرف دون سواه، واستفادت من الفرص التي تقدّمها ديناميات السلطة المتبدلة في المنطقة.

في نهاية المطاف، قد لا يتوقف مستقبل فيتنام على تطوير علاقاتها مع عمالقة العالم، بل على شراكتها الهادئة مع اليابان. لا يعني ذلك ألا تقدّر فيتنام قيمة المبادرات التي تطلقها واشنطن وبكين، لكنها تحبّذ في المقام الأول إيقاع التنمية الثابت، والاستقرار، والقدرة على تقرير المصير، بدل استعراض القوة. تُعتبر علاقتها مع اليابان جزءاً من استراتيجيتها الواسعة لتحقيق هذه الأهداف من خلال تطوير روابطها مع لاعبين إقليميين أساسيين. (من المتوقع أن تعقد فيتنام شراكة استراتيجية شاملة مع أستراليا هذه السنة، وهي تفكر بإبرام شراكات مشابهة مع سنغافورة وأندونيسيا).

لطالما كانت سياسة هانوي الخارجية مرنة وبراغماتية، لكنها طوّرت في السنوات الأخيرة استراتيجيتها الديبلوماسية، التي تحمل اليوم اسم «استراتيجية الخيزران»، لإعطاء الأولوية «لإقامة صداقات إضافية مقابل تقليص عدد الأعداء»، كما قال ترونغ في أحد تصريحاته. لا يُعتبر هذا التوجّه مجرّد ردة فعل على المنافسة القائمة بين القوى العظمى، بل إنه جزء من جهود البلد المدروسة للصمود في عالمٍ بدأ يصبح متعدّد الأقطاب مع مرور الوقت. لن تُحدد القوى العظمى وحدها طبيعة الخطاب الجيوسياسي في هذا العالم، بل سيتوقف مساره على مجموعة متنوعة من الجهات الدولية.