جاد حداد

Voice from the Stone... أداء غير مقنع

7 شباط 2024

02 : 00

تطغى أجواء قاتمة على فيلم Voice from the Stone (صوت من الحجر) بشكل عام، لكن يشوبه خطأ كارثي كونه يفتقر إلى أي تشويق حقيقي. إنها نسخة أخرى من القصص الرومانسية الخارقة للطبيعة كتلك التي نشاهدها في حكايات كلاسيكية مثل The Fall of the House of Usher (سقوط منزل آشر)، وRebecca، و The Turn of the Screw(دوران المسمار). يتولى قسم تصميم الإنتاج وإدارة التصوير مهمّة تقديم مؤثرات بصرية مشابهة لعالم الأشباح. تدور الأحداث في حقبة الخمسينات داخل قصر قديم في منطقة «توسكانا» الإيطالية. العمل مقتبس من حكاية للكاتب الإيطالي سيلفيو رافو. لكن تبدو القصة عموماً غير مقنعة رغم الأجواء الغامضة ومحاولة صانعي العمل إقامة التوازن المناسب للتعبير عن مظاهر الانحلال والاضطرابات العائلية في آن.

تجسّد الممثلة البريطانية إيميليا كلارك دور البطولة في هذه القصة، وهي اشتهرت بشكلٍ أساسي بتقديم شخصية سيّدة التنين ذات الشعر الأبيض «دينيريس تارجيريان» في السلسلة الشهيرة Game of Thrones (صراع العروش). هي تحاول هذه المرة تجسيد دور ممرضة جدّية تفتخر بقدرتها على مساعدة الأولاد المرضى، فتختار أحذية وملابس بسيطة وترتسم على وجهها ابتسامة متعجرفة في معظم الأوقات. تحمل هذه الشخصية اسم «فيرينا» وهي تتمتع بأعلى درجات الثقة بالنفس، حتى أن ثقتها قد تبدو مفرطة عند معرفة الوضع الشائك الذي يواجهه أحدث مريض تتعامل معه: إنه «جايكوب» البالغ من العمر تسع سنوات (إدوارد درينغ). يبدو هذا الفتى عابساً طوال الوقت وتمتلئ عيناه بمشاعر الألم وانعدام الثقة، وهو لم يتفوه بكلمة واحدة منذ وفاة والدته الحبيبة «مالفينا» (كاترينا مورينو) التي كانت عازفة بيانو وماتت نتيجة إصابتها بحمّى غامضة قبل سبعة أشهر و16 يوماً.

في بداية الفيلم، سنشاهد «مالفينا» وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة وتقول لابنها: «ستأتي امرأة أخرى. تأكد من ذلك». لكن يعجز «جايكوب» عن التقرب من «فيرينا»، تحت أنظار صورة والدته الجميلة التي تحدّق به من أعلى الجدار، ويميل إلى تجنّب التواجد معها في مكان واحد. هو يفضّل أن يجلس فوق مقلع حجارة مليء بالماء داخل تلك القلعة الشاسعة قبل أن يغوص في البحيرة المجاورة. قد يتجول أحياناً في الغابة فيما يقوم رجل متجهّم وكبير في السن بعمله في مكان مجاور. وبما أن «فيرينا» تكتفي في هذه المرحلة بمحاولة استدراج الفتى ودفعه إلى التكلم معها حين تستطيع العثور عليه، يسهل أن يسأم المشاهدون من هذا النمط المتكرر من الأحداث بعد فترة. لكن وسط هذه الألاعيب التي تترافق مع محاولات اختباء متواصلة، تكتشف «فيرينا» في مرحلة لاحقة أن «جايكوب» مقتنع بأنه يستطيع سماع والدته وهي تتكلم معه عبر جدران تلك الفيلا.

يزداد الوضع تعقيداً بسبب والده «كلاوس» (مارتون سوكاس)، وهو نحّات تجد «فيرانا» صعوبة في التعامل معه بسبب سلوكه البارد وملامحه القاسية. حين يمتنع هذا الرجل عن قول عبارات عميقة (مثل «ثمة قوة هائلة في صمته»)، هو يلعب بالحصى أو يروي كيف كانت القطط الحية تتسلل داخل جدران القصر في السابق. لكن في خضم محاولات «فيرانا» المتكررة للعثور على «جايكوب» المختفي عن الأنظار كالعادة، ستقابل «ليليا» (الممثلة الإيطالية المخضرمة ليزا غاستوني)، وهي مساعدة «مالفينا» اللطيفة ذات الشعر الأبيض. هي ترتدي اللون الأسود بالكامل وقد تكون الشخصية الوحيدة التي ترحّب بالممرضة الجديدة بطريقة ودّية وتعطيها بعض المعلومات التي تجهلها عن تاريخ هذه العائلة الحزينة.

يمرّ وقت طويل ومزعج من دون أن يقع حدث مريب أو مشوّق على الشاشة. ثم تمزّق «فيرينا» تنورتها أثناء ملاحقتها لـ»جايكوب» الذي تسلّق شجرة، فتقنعها «ليليا» بارتداء واحد من فساتين «مالفينا». يتأثر والده «كلاوس» بمظهرها سريعاً، إذ تبدو ممرضة ابنه مشابهة إلى حد كبير لزوجته الراحلة. ورغم عدم وجود أي شرارة بينهما في المشاهد السابقة، يطلب منها فجأةً أن تقف أمامه وهي عارية لإنهاء تمثال زوجته، فتبدأ برؤية خيالات جنسية حول رب عملها.

غالباً ما تكون الصحوة الجنسية جزءاً من هذه القصص، لكن نادراً ما تُعرَض بهذا الشكل المفاجئ وتخلو من أحداث تمهيدية قبل أن تبلغ ذروتها في مرحلة لاحقة. وحتى في الزمن المعاصر، تبقى فكرة أن نشاهد امرأة وهي تفقد صوابها فجأةً رجعية على نحو مريع. في هذه القصة، تبدأ «فيرينا» بسماع صوت «مالفينا» وهي تُكلّمها وتحاول في الوقت نفسه أن تأخذ مكانها داخل القصر.

ربما أراد المخرج إيريك هاول أن يقلّد قصصاً مشوّقة أخرى من حقبة الخمسينات أو الستينات، بما يشبه الحكايات المستوحاة من الكاتب إدغار آلن بو، كتلك التي كانت السبب في شهرة المخرج روجر كورمان. لكن هل كان مضطراً لتشجيع الممثلين في فيلمه على التعبير عن مشاعرهم بهذا الأسلوب المتكلّف والمبالغ فيه؟ باستثناء أداء غاستوني المقنع، لا مفر من أن نشعر بأن الممثلين الآخرين يقدّمون مشاهدهم من داخل جدار حجري، ما يبقيهم منفصلين بالكامل عن المشاهدين وراء الشاشة.