أغاثي ديماري

الصين... لماذا تُفضّل ترامب؟

13 شباط 2024

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

الرئيس الصيني شي جينبينغ ونظيره الأميركي السابق دونالد ترامب في بكين | 9 تشرين الثاني 2017

كان العالم مختلفاً بالكامل عما هو عليه اليوم قبل استلام دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة في كانون الثاني 2017. في تلك الفترة، لم تكن الفكرة المرتبطة بالتهديد الذي تطرحه بكين على الأمن العالمي شائعة في واشنطن، وبدا فرض الرسوم الجمركية على الواردات الأوروبية خياراً غير وارد. كذلك، كانت القيود المفروضة على صادرات التكنولوجيا اقتراحاً يقتصر على عدد صغير من خبراء السياسة. من الواضح أن ترامب غيّر وجه العالم وأثّر في المقام الأول على علاقات الولايات المتحدة والصين.

ونظراً إلى مواقف ترامب النارية من بكين، بما في ذلك وعده بتصعيد الحرب التجارية بين البلدَين، يسهل أن نفترض أن القادة الصينيين يفضّلون الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن على ترامب الذي سيكون مرشّح الحزب الجمهوري على الأرجح. لكن لا تعكس هذه الفرضية الواقع، بل إنها تخفي مشهداً مختلفاً. يبدو أن الصين تفضّل دعم ترامب. تدرك بكين أن فرص تحسين علاقاتها مع واشنطن معدومة، بغض النظر عن هوية الرئيس الأميركي المقبل. واستناداً إلى ألاعيب بكين القديمة للتعامل مع الغرب، قد تصبّ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في مصلحة الصين، أقله في المجال الاقتصادي، لخمسة أسباب.

ترامب سيزيد الانقسامات بين الولايات المتحدة وأوروبا

في كانون الأول 2023، ذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن أجهزة الاستخبارات الصينية كانت تستعمل السيناتور البلجيكي السابق فرانك كريلمان لمصلحتها طوال سنوات. اختصر مستشاره الصيني الهدف من تلك العلاقة قائلاً: «هدفنا هو إحداث شرخ في العلاقات الأميركية - الأوروبية».

كان منطق تفكير الصين بسيطاً: يبقى ترسيخ انعدام الثقة بين الولايات المتحدة وأوروبا أفضل طريقة لمنع نشوء سياسات عابرة للأطلسي قد تنعكس سلباً على المصالح الصينية، بما في ذلك فرض قيود مشتركة على الصادرات. انطلاقاً من هذه الفكرة، يبدو أن عهد ترامب الثاني سيصبّ في مصلحة الصين. قال ترامب في العام 2018: «أظن أن الاتحاد الأوروبي هو خصم لنا. يكفي أن ننظر إلى ما يفعله بنا في مجال التجارة». اليوم، لا شيء يشير إلى أنه غيّر رأيه.

لن يتمكن ترامب، في حال انتخابه، من مقاومة رغبته في تجديد الحروب التجارية مع أوروبا من خلال تنفيذ وعده بزيادة الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المئة على كلّ السلع. في المقابل، قد تُمهّد أي معركة تجارية لوقف التعاون الأميركي - الأوروبي المرتبط بفرض تدابير قد تؤذي المصالح الصينية. كذلك، ستتضرر بكين حتماً من وعد ترامب الأخير بفرض رسوم جمركية على الواردات الصينية بنسبة 60 في المئة على الأقل. لكن قد تتقبّل بكين دفع هذا الثمن إذا كان يترافق مع زيادة الشرخ بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

ترامب قد يُغيّر موقفه من العقوبات ضد روسيا

رغم صعوبة توقّع سياسة ترامب الخارجية، لطالما أظهر الرئيس السابق نزعة واضحة إلى التقرّب من نظيره الروسي فلاديمير بوتين. اتّضح هذا التوجّه خلال القمة الأميركية - الروسية في فنلندا في العام 2018، حين قال ترامب إنه يثق ببوتين أكثر من استخبارات بلده. إذا بقي هذا الإعجاب ببوتين على حاله، قد يقرّر ترامب رفع العقوبات عن روسيا فور عودته إلى السلطة، ما يثير رعب البلدان الأوروبية. هذا الوضع لن يرضي موسكو فحسب، بل إنه يصبّ في مصلحة بكين أيضاً. رغم المواقف التي تشير إلى وجود صداقة غير محدودة بين روسيا والصين، لطالما كانت الشركات الصينية حذرة في تعاملها مع روسيا.

زادت الصادرات الصينية إلى روسيا بنسبة كبيرة منذ العام 2022، لكنها ارتفعت بعدما سجلت مستويات متدنية سابقاً، ولا شيء يشير حتى الآن إلى رغبة الشركات الصينية في الاستثمار في روسيا في أسرع وقت.

يتعلق السبب بمخاوف من أن تفرض واشنطن عقوبات ثانوية على موسكو، فتضطر الشركات حول العالم للاختيار بين عملائها الأميركيين والروس. بالنسبة إلى معظم الشركات الصينية، سيكون التمسك بالسوق الأميركي خياراً بديهياً في ظروف مماثلة. نتيجةً لذلك، لا تهتم الشركات الصينية كثيراً بتطوير علاقاتها مع الشركات الروسية إذا كانت ستضطر للتخلي عنها قريباً. وإذا رفع ترامب العقوبات المفروضة على موسكو، لن تواجه الشركات الصينية هذه المشكلة.

ترامب قد يدعم مساعي الصين لطرح آليات مالية بديلة

لطالما سعت الصين إلى تحصين نفسها من العقوبات الأميركية عبر إزالة الدولرة، أو طرح بدائل للنظام المصرفي العالمي «سويفت» الذي يديره الغرب، أو وضع خطط لاستعمال اليوان الرقمي لتسوية المدفوعات العابرة للحدود. لكن لا تستطيع الصين تنفيذ هذه الاستراتيجية وحدها: لاستبدال الهياكل المالية الغربية بخيارات صينية، يجب أن يختار شركاء بكين التجاريون البديل غير الغربي أيضاً. سيكون المسار الذي يسمح للصين بتحقيق هذا الإنجاز شاقاً، إذ لا تجد معظم الشركات والبنوك سبباً وجيهاً للتخلي عن نظام «سويفت» المثالي وتجربة بديل صيني أصغر حجماً.

لكن قد يغيّر عهد ترامب الثاني هذا التفكير. في العام 2018 مثلاً، فرضت إدارة ترامب عقوبات على شركة الألمنيوم الروسية «روسال» من دون سابق إنذار، ثم اضطرت للتراجع عن قرارها ورفع العقوبات سريعاً بعدما أدركت أن تلك التدابير تترافق مع تداعيات عالمية هائلة.

كانت العبرة من تلك التجربة واضحة: كل شيء ممكن في عهد ترامب، وقد يتعرض أي طرف للعقوبات من دون سابق إنذار. نتيجةً لذلك، ستحاول بلدان كثيرة أن تحمي نفسها من تلك الإجراءات مسبقاً إذا عاد ترامب إلى البيت الأبيض. في هذه المرحلة، يمكن تحقيق ذلك الهدف عبر الانتقال إلى الآليات المالية الصينية البديلة. إنه انتصار آخر للصين.

فوز ترامب سيزيد هيمنة الصين على مصادر المواد الأساسية في البلدان الناشئة

ستكون أي معركة عالمية على النفوذ كفيلة بتأجيج المواجهة بين الاقتصادات الغربية والصين لضمان الحصول على المواد الخام الأساسية وإتمام العملية الانتقالية نحو الطاقة الخضراء، بما في ذلك الكوبالت، والنحاس، والغرافيت، والليثيوم، والنيكل. حتى الآن، تدور معظم هذه المعركة في الاقتصادات الناشئة والغنية بالموارد مثل بوليفيا، والبرازيل، وجمهورية الكونغو الديموقراطية، وغينيا، وأندونيسيا. لا تزال الصين متفوّقة في هذا السباق، فهي تسيطر على 50 أو 70 في المئة من تكرير إمدادات الليثيوم العالمية مثلاً. لن يكون عهد ترامب الثاني مفيداً لإقناع الاقتصادات النامية (وصفها ترامب جماعياً بعبارة «الدول القذرة» في إحدى المناسبات) بعقد شراكة مع واشنطن لتأمين المواد الخام الأساسية. قد يعتبر عدد كبير من الدول الغنية بالمعادن أن وعود ترامب لا قيمة لها بعد انسحابه المفاجئ من الاتفاق النووي الإيراني في العام 2018.

على صعيد آخر، لن يكون كسر الجليد مع قادة أفريقيا، أو جنوب شرق آسيا، أو أميركا الجنوبية، سهلاً بأي شكل، نظراً إلى ازدراء ترامب بالاقتصادات النامية، وحملته المتوقعة ضد الهجرة، وخطاباته النارية في شأن الإسلام. هذا الوضع يَسُرّ الصين التي تتابع تحقيق مصالحها في الاقتصادات الناشئة عبر طرح نفسها كجهة ناضجة وشريكة جديرة بالثقة، على اعتبار أنها لا تخلط بين التجارة والسياسة.

الصين ستستفيد من قيود التصدير الأميركية في مجال التكنولوجيا النظيفة

سيكون فرض القيود على الصادرات أداة أساسية كي تنفذ واشنطن استراتيجية إزالة المخاطر الاقتصادية التي تُركّز في المقام الأول على الصين. تستهدف هذه التدابير التقنيات ذات الاستخدام المزدوج مثل أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الكمّية. حتى الآن، بقيت التكنولوجيا النظيفة بمنأى عن قيود التصدير الأميركية، لكن سيتغير هذا الوضع في عهد ترامب على الأرجح. أوضح الجمهوريون أنهم سيتّجهون إلى تبنّي موقف أكثر عدائية تجاه الصين ويحاولون تطبيق قيود التصدير على قطاعات تفوق تلك التي استهدفتها إدارة بايدن، بما في ذلك التكنولوجيا النظيفة على الأرجح، لا سيما مصادر الطاقة المتجددة وتكنولوجيا البطاريات.

من وجهة نظر الصين، سيكون فرض قيود التصدير الأميركية على السلع الخضراء خياراً ممتازاً. على المدى القصير والمتوسط، لن تؤثر هذه التدابير كثيراً على الشركات الصينية لأن الصينيين يتفوقون عالمياً في قطاعات مثل الألواح الشمسية، وتوربينات الرياح، والسيارات الكهربائية. حتى أن الشركات الصينية قد تستفيد من تلك القيود على المدى الطويل. لا مفر من أن تتراجع عائدات الشركات الأميركية بعد حرمانها من أكبر أسواق العالم، فتضطر حينها لتخفيض ميزانيات الأبحاث والتطوير. في المقابل، ستتمكن الشركات الصينية من مضاعفة أبحاثها بفضل الدعم الحكومي السخي، ما يُسهّل تفوّقها على الشركات الأميركية عبر تطوير الجيل المقبل من معدات التكنولوجيا النظيفة. كذلك، سيكون أي سيناريو مرتبط بتقليص نطاق التقنيات الأميركية النظيفة مفيداً للصين، فتبدأ هذه الأخيرة بالتأثير على المعايير العالمية المرتبطة بسلع التكنولوجيا النظيفة المستقبلية، ثم تبلغ هذه الجهود ذروتها حين تُحقق بكين انتصاراً شاملاً في هذا القطاع.

خلال تجمّع انتخابي في العام 2016، قال ترامب متفاخراً: «أنا أحب الصين». بغض النظر عن صحة موقفه، ستفضّل بكين على الأرجح فوز ترامب بولاية ثانية أكثر مما يتوقع الكثيرون للوهلة الأولى. في مجالات اقتصادية أساسية مثل التجارة، والعقوبات، والبنى التحتية المالية، وتأمين المواد الخام الأساسية، وقيود التصدير، ستصبّ عودة ترامب حتماً في مصلحة الصين على المدى الطويل.

بعيداً عن الاقتصاد، تبرز طبعاً مجالات أخرى تستحق التقييم. لكن لا مفر من أن تُسَرّ بكين بموقف ترامب الأخير حول عدم تهافته للدفاع عن تايوان. من وجهة نظر الصين، قد يصبح فوز ترامب في تشرين الثاني فرصة مغرية للاستفادة من الفوضى، والانقسامات، وتراجع هيبة الولايات المتحدة إذا تحققت هذه النتيجة.