الدّكتور حسام فرحات شمعون

عيد المُعَلِّم

8 آذار 2024

12 : 24

اتخذ المسيحيون المؤمنون، من السيد المسيح مُعلِّماً أوحد، وهادياً لهم منذ القِدم، ولِما لا؟ فتلاميذه نادوه بالمُعلِّم. والمثقفون مِن المسيحيين بشكل خاص، ومِن الطوائف الأُخرى بشكل عام، هم أصحاب مكتبات عامرة، وزاخرة بالمصنفات الأدبية والعلمية النفيسة، حيث زودوا مكتباتهم أيضاً، بكتب: نهج البلاغة، ومقدمة إبن خلدون، ومجمع البحرين، وغيرها... لأنهم يعتبرون أن مؤلفيها مِن أصناف المُعلِّمين الناجحين، الذين لم يخمد لهُم جهدٌ، حيث لمع بريقهم وسطع من يومهم حتى يومنا.



أما المسيحيون مِن غير المؤمنين، وآخرون لا دين لهم، فقد اتخذوا مِن ابليس مُعلِّماً لهُم وهادياً، على سُبُل الخراب السريع، وعِبادة المال، والسير بغير الوصايا، وبعكسها، وتفرقة الناس عن بعضها، بغير وجه حق، وبقلوب غير مستقيمة، حتى أنهم تخطوه في ابتكاراتهم الملتوية، حيث لم يخمد لهُم جهدٌ أيضاً، حتى حجزوا لأنفسهم أماكن مُتقدمة في قعر جهنم، وجعلوا ابليسهم يشعُر بالإهانة والمذلَّة والفشل، في غير مكان وناحية وموضوع.



أما الحياة، فهي مُعلِّمة رائِعة، فإن رأتك لم تفهم الدرس، أعادته لكَ مَرَّة أُخرى، ولكن بطريقة أقسى، فنشأت مِئات الأمثال الشعبية كدروس وعِبر مِن ابتكار الحياة، لِمن درس واعتبر. فإذا اجتمع الفاشلون والنمامون والمنافِقون والزناديق على أَحد في غيابه، تُعلِّمُك الحياة أن هذا الأَحد، هو زعيم مُتواضِع في بيئته ومعشره.



وتُطلق كلمة مُعلِّم على أصحاب الحِرَف والمِهن على أنواعها، منذ القِدَم. وكان أجر المُعلِّم اليومي ضعف أجر العامل. وفي قطاع البناء كان أجره ضعفي أجر العامل منذ القرن السادس عشر.


وفي منتصف القرن السابع عشر، برز مِن المُعلِّمين الرهبان، العلامة المونسنيور يوسف شمعون المُلقّب بالسمعاني، الذي نَظَّم مكتبة الفاتيكان، بِطريقة حِرفية، فكان مُعلِّماً في هذا المضمار.



ومنذ أوائل القرن الثامن عشر، أسست الرهبانيات والإرساليات الأجنبية في الولايات العثمانية، كولاية بيروت، والبقاع ، مدارسها الأجنبية، وعَلَّم الرهبان فيها.


كذلك، وبتوجيه مِن بعض المطارنة وغيرهم، أسَّست الرهبانية الأَنطونية، والرهبانية اللُبنانية المارونية (الكسليك)، عام 1802م مدارس مُتواضعة في المدن والقرى، وفي مدينة زحلة التي كانت أكبر مدينة في مُتصرفية جبل لُبنان، لِكي يُعلِّم الرُهبان، أولاد الرعايا، مَبادِىء القراءة والكتابة. كما دخلت الرهبانية اليسوعية إلى زحلة عام 1840م. وأسَّست ديراً وكنيسة ومدرسة، حيث عَلَّمَ رهبانها فيها. وفي نهاية هذا القرن، أي عام 1898م، أسّست الرهبانية الشويرية أضخم مدرسة في شرق البلاد، أي في زحلة، عُرِفَت بالكلية الشرقية، حَيثُ عَلَّمَ رهبانها فيها.



وكانت أُولى المدارس الخاصة غير الدينية، "المدرسة الوطنية"، التي أسَّسها الأديب والشاعر بطرس البستاني عام 1863م. في ولاية بيروت العثمانية، وهو أول مَن أنشأ قاموساً عربياً عصرياً مُطوَّلاً في حينه، وأول من ابتدأ بِمشروع إنشاء دائرة مَعارِف باللغة العربية، وكان من كبار زعماء النهضة العربية الحديثة، فلُقِّب بِالمُعلِّم لِهذه الغاية.



وفي ثلاثينات القرن العشرين برز الشاعر الزجلي شحرور الوادي، الذي رسم خطاً مميزاً في نظم الشعر العامي اللُبناني، فكان مُعلِّماً لِشعراء عصره، لكنَّه رحل باكِراً، فطوّر مدرسته لاحقاً، شاعر لُبنان الزجلي موسى زغيب، وكان مُعلِّماً كبيراً لِلكثير مِن الشعراء والأدباء.

كذلك، سطعَ نجم شاعر الشرق الفصحي سعيد عقل كمُعلِّم مِن الطراز الأول، دون منافس، بسبب نظمه أبياتاً مِن خمس جُمَل أو أكثر. وقد سطّر قصيدة عن المُعلِّم، ومِمّا قال:


"عَلِيُّ جبينٍ، حازمُ اللمح، أَبلجٌ،----- يَمُرُّ بِهِ نسرٌ فيعرفهُ نسرا"،

إذا القدرُ الأعمى تطاولَ ردَّه،----- ومِن خلفِهِ النشءُ الأبيُّ مشى نهرا،

مَن العلَّمونا؟ مَن يكونون، عزمةً،----- وقرعاً لبابِ المستحيل خَفى السِّرَّ؟

رياحٌ! بلى، هُم كالرياح مَهابةً،----- على أوجُه الأُخَّاذ قد حُفِروا حفرا..."



كذلك، برز المُفكِّر والفيلسوف شارل مالك، كأحد كِبار فلاسفة الشرق، وأستاذ مادة الفلسفة في جامعات أميركا البعيدة الشهرة، والمُفكِّر والفيلسوف، الزعيم كمال جنبلاط، وآخرون...


وفي ثمانينات القرن العشرين لُقِّب المطرب ملحم بركات "بِالموسيقار"، وهي عِبارة تركية مُؤلفة مِن كلمتين: "موسيقى و كار"، أي كاره ومهنته الموسيقى، أي مُعلِّم في التأليف الموسيقي والتلحين.



وفي أواخر القرن العشرين، صنَّف مجلس الفكر في لُبنان، سيادة المطران جورج خضر، على أنه سيد الكلمة في لُبنان، بسبب رصفة الكلام والمعاني والبيان، بِقوالب مُبتكرة نادرة.



أَمّا المُعلِّم أو المُعلِّمة، أي المُدرِّس والمُدرِّسة في المعهد أو المدرسة، يُعلمنا إدراك الشيء بِحقيقته، "التعيين والمعرفة". فالعِلم التعليمي هو العِلم الرياضي كالحساب والمساحة والموسيقى وعلم التنجيم، أي"حركة النجوم"، والفلك، وعلم الفراسة، أي"علم الهيئة"، والأدب والطب...


والعلم العملي هو ما يتعلق بكيفية عمل، تنطبق فيه قواعد الفنون والعلوم ومبادؤها.


والعِلم النَظري، هو بِخلاف العِلم العِلمي.


فهذه العُلوم وغيرها، يتولَّى كشف النِقاب عن كنهها وأسرارها، المُعلِّم أو المُعلِّمة والعالِم والعلامة، أي العالِم جداً، والله أعلم مِن كل عالِمٍ.

كذلك، علَّمنا بعض المُعلِّمين، أن العمر يقاس بِالعقل قبل الجسد، والإنسان يعيش بالنبضات، لا بالأرقام، فلحظة الحزن تُقاس بالدهر، ونبضة الفرح تقاس بالثانية.



وفي العام 1963م، على عهد الرئيس فؤاد شهاب، أرادت الحكومة اللُبنانية تكريم الأستاذ غصن غصن، وهو مِن بلدة عجلتون، فرفض أن يلفح التكريم شخصه، بل أراد أن يشمل العيد جميع المُعلمين والمُعلمات، عندها، كرست الحكومة اللُبنانية عيد المُعلِّم بِتاريخ 9 آذار مِن كل عام، لِتكريم هذا الجندي المجهول الذي يعمل على إعداد التنشئة الأبية مِن الشجعان، للإنطلاق ومُصارعة الحياة في جميع ميادينها. لقد ذكر التاريخ أَن معارك الحياة خاضها الشجعان، وليس الجبناء، فالجبناء لم يخوضوا معركة على الإطلاق.


وقد شَعَرَ بعض التلامذة الناشِئة، في غير مدرسة ومعهد وسنة دراسية، أن أجمل البشر في مُحيطه ومعشره، كان المُعلِّم الذي زرع في قلبه راحة، لم يطلبها، وصنع لهُ مِن واقع اللحظة، ابتسامة كان بِحاجة إليها، ورسمَ لهُ صورة جميلة تُمحي آثار السلبية في واقعه المُؤلم، وأنار له مِصباحاً، يُنير بِهِ طريقه أثناء النهار، لكي لا يصدمه المبصرون. وقد تعلّق التلميذ بِهذا المُعلِّم الإنسان، وهو يُدرِك أنه ليس له، ووعد نفسه أن يكون على مثال مُعلِّمه أو مُعلِّمته، وغَرّاساً بيدٍ خضراء في العقول والحقول، مثل يد الخالق.


وأتت وسائل التواصل الحديثة لِتحل مُشكلة، لكنها خلقت مشاكل. فمِن هذه المشاكل، أنَّها حرمت التلميذ مِن التماس حنين وحنان المُعلِّم والمُعلِّمة عن قُرب، وظلَّ الحنين يشتعل في قلب بعض الطلاب والشوق للذهاب إلى المدرسة والإحتكاك بالجدران والمقاعد الخشبية، وتقليص المسافة بين منزله وبين المدرسة وهيئتها التعليمية بشكل عام، ومُعلمته المُميَّزة أو مُعلمه المُميَّز، بِالنسبة لَهُ، بشكل خاص.