جيمي الزاخم

نقولا دانيال وكميل سلامة وجوليا قصّار يستذكرون أنطوان ملتقى

28 آذار 2024

02 : 00

أناقة نادرة كأداء وصوت وجسد

اليوم، قصّتنا عن اسم علم برتبة رائد غاب في شباط الماضي. يتفرّد بمساحة في تاريخ البلاد مع شخصيات أسّست، لمعَت، أثّرَت وأثْرَت. مقالنا مُلتقى مع أنطوان ملتقى. لن نعيد ما حُكي عنه كأب مسرحيّ وعن تجاربه واختباراته. لن نسترجع حياته التسعينيّة وشراكته مع لطيفة شمعون. هما «أنطوان ولطيفة ملتقى». لا يُعربان إلّا بصيغة المثنّى الفنّي الإبداعيّ... ولأنّ كاتب هذه السطور ابن جيل التسعينات، ولم يتعرّف الى ملتقى إلّا بمعلومات متناثرة ومقابلات رقميّة شحيحة معه، سنعتزل الجُملَ البلاغية والتكريميّة. وسنترك المساحة للتحيّة الأصدق لمن عرفوه في معهد الفنون والحياة.



«شكراً أنطوان»

عام 1965، التقى نقولا دانيال بأنطوان ملتقى لأوّل مرّة وجهاً لوجه. كان لا يعرفه إلّا من وجوه صورٍ ومقالات عن دوره المسرحيّ الرياديّ. في امتحان الدّخول، وقف أمامه بموهبته وشغفه. قدّم نصاً من مسرحية «هاملت» لشكسبير. ودخل نقولا دانيال معهد الفنون ضمن أوّل دفعة استقبلها قسم التمثيل الذي أسّسه ووضع مناهجه أنطوان ملتقى. ومذّاك بدأت قصّته مع ملتقى رئيس القسم وأستاذ مادّة التمارين التمثيلية. «لم يميّز بين تلميذ وآخر رغم أنّه يلتقط المتجلّي بموهبته وقدراته ويُكسبه ثقتَه». عام 1968، أشركه في مسرحية «كاليغولا» عن نص ألبرت كامو. كان يخوض تجربة مسرح وسطيّ يحيط به الجمهور على الضفّتين. يخلو المسرح من الديكور والمؤثّرات. ويركّز على الممثّل كمنبع ومصبّ. يسترجع حضور أنطوان المسرحيّ الذي «لا يتكرّر. إنّه ذو أناقة نادرة كأداء وصوت وجسد».

آمن ملتقى بتلميذه ومستقبله. ونال نقولا دانيال «منحةً لمتابعة دراسته في إيطاليا برعاية أنطوان ملتقى. كنتُ وما زلت ممتنّاً لثقته بي». سافر وتشرّب من مسارح ومدارس أوروبيّة «تتماثل بالمستوى مع ما قدمه لنا المعهد آنذاك. إلّا أنّها تتميّز بتقنيات افتقرنا إليها». عاد وحمل حصاده إلى المعهد كأستاذ تدريب صوتيّ وجسمانيّ، وكرئيس قسم تمثيل تشرّب من «روح ونهج أنطوان ملتقى وإدارته التي لا تتهاون مع المسؤوليات، مع السّعي الدائم لتقريب وجهات النظر، وعدم الانحياز».

تزاملا، ترافقا وتصادقا للنّفس الأخير. «كان وسيبقى الأستاذ أنطوان». أمّا في اللحظات الدافئة، فيجلس مع»أنطون» ولطيفة «على بساط أحمديّ». يتناولون عليه لقمةَ «الصداقة والمحبّة». يصف دانيال غضب ملتقى بـِ»الحلال والمُبارك لأنّه ابتغى المثاليّة في حياته». في باطنه، «بركان أحلام» أصابه بحروق بدرجة قلق دائم «كمدافعٍ شرسٍ عن كلّ حقّ وخير وجمال».

في معهد الفنون، «طيفه أبديّ. أعطاه حياته وأمسى بيته. يغار ويخاف عليه». يستحضره «الحجّ» بيوبيل من ذكريات شخصيّة ومهنيّة. ومن ملء صوته وشفاه قلبه يقول له: «شكراً يا أنطوان». يبرّئه من عقدة ذنب عبّر عنها ملتقى في مقابلة: «شو نفع اللّي عملناه إذا ما قدرنا نمنع الحرب ونغيّر؟». يجيبه دانيال: «البلد خذلنا. لكنّك يا انطوان أدّيتَ قسطَك للعُلى».


دانيال: مدافع شرس عن كلّ حقّ وخير وجمال



«إنّه الأستاذ»


في تشرين الاول 1971، دخل كميل سلامة المعهد «للتعرّف على المسرح بهدف إتمام رسالة دبلوم الدراسات العليا في اللغة العربيّة وآدابها». في امتحان الدخول «لم تُشعرنا اللجنة برئاسة ملتقى بالخوف. فكان الوقوف مُريحاً وطبيعياً». قدّم مونولوغاً من مسرحية «عطيل» لشكسبير. قرأه أمامهم. «سألني ملتقى: ألم تحفظْ النّص؟. أجابه: لم يطلب منّي أحدٌ ذلك عند تقديم الطّلب. اللّجنة قرأت الموهبة جيّداً. و»فوجئتُ أنّني نلتُ المرتبة الأولى».



عام 1986، عاد أستاذاً إلى الصّرح، بناءً على طلب ملتقى وثقته. «كان المرجع. تعلّمنا منه أخلاقيّات مهنة طبّقها في صفه وعمله وحياته». كرّس جوّاً من الجِديّة التي تصقل وتقدّس الالتزام بالمسرح، الوقت، التمارين واحترام الآخرين. «يحبّ الممثلين لأنه يفهم ما يواجهونه. ويعرف كيف يُخرج أفضل ما لديهم. فيكتسب ثقتهم». حتّى بعد عشرات السنوات من التخرّج، ظلّ «يقصد مسرحياتنا، ليشاهد ويبدي إعجابه وفخره».



في سنوات الحرب، استمرّ المعهد وقسم المسرح في العمل وتخريج الممثّلين. «هذا امرٌ يُشهد لكلّ المسؤولين عنه وعلى رأسهم أنطوان ملتقى والأساتذة الذين استمرّوا في العطاء والحضور تحت الخطر». فيبقى صوتهم أعلى من صوت الحرب. قبل سنة من اندلاعها، شارك سلامة ملتقى في المسلسل التلفزيوني «عشرة عبيد صغار». توارثت الأجيال المسلسلَ ودورَ ملتقى بشخصيّة القاضي.


وكرّسته جزءاً من الذاكرة الشعبية. وحاصرته بعض المقابلات الإعلامية بهذا الدور فقط. «إنّها ضريبة التلفزيون الذي يدخل البيوت. أمّا المسرح فيقصده مريدوه». يضيف سلامة: «المسلسل محطّة صغيرة في مسيرته الجبّارة مع المسرح الاختباريّ. طَرَقَ أبواباً ومجالات متنوّعة من أشكال المسرح وأنواعه الأوروبيّة والشرقيّة واللبنانيّة». كما طغى وأثّر في المشهد «أينما حلّ تلفزيونياً ومسرحيّاً وسينمائياً مع الطلة والحضور والكاريزما والصوت التي تُميّز «الأستاذ أنطوان ملتقى». فكلمة «أستاذ» لا تغيب عن لسان سلامة. «كنا وسنبقى نُناديه أستاذاً: ليس لأنّه يُخيفنا، بل لأنّه «الأستاذ».


سلامة: كان وسيبقى الأستاذ





«الــــحــــالــــم الــــكــــبــــيــــر»

تستذكره جوليا قصّار كرئيس لقسم التمثيل. عام 1983، وبعد امتحان دخول مبلّل بالخوف والهَيبة، دخلت المعهد بشغف الرقص. وحصّلت هناك شغفَ التمثيل والأداء، وعادت إليه بشغف التدريس منذ عام 2001.

تكثّف قصّار المحبة والاحترام والعبارات المُختارَة لتُصيبَ شهادتَها وكلماتها روحَ أنطوان «الحازم والحاضن. يغار علينا وعلى قراراتنا لئلا نتهوّر». جوليا من جيل هجّرته الحرب من مبنى المعهد في فرن الشباك إلى جلّ الديب. «لكنّ الأستاذ أنطوان حاول تأمين كلّ شي» لئلّا يُهجّر تركيزهم وحقوقهم بتحصيل أكاديميّ. «وعند تقديم الطلاب مشاريع التخرّج، كان يدعو الصحافة للحضور. فتكتب عنّا وتُعاملنا بنقدها معاملةَ المحترفين».

لم ينزوِ إلى مسوؤلياته الإدارية ومتابعة المناهج فقط، بقي «حاضراً مع كلّ تلميذ». يُعاملهم فرادى بحالاتهم ونصائحه لتأسيس قويم يخدم الضمير والإنسان. طيلة هذه السنوات، أبقت على زيارات دوريّة للطيفة وأنطوان ملتقى. اليوم، تزوره بمداخلتها عن «الحالم الكبير، الشغوف البعيد عن أيّ مردود مادّي. ممثّل استثنائي، فنّان رُؤيوي يتخلّى عن «الإيغو» يعطي كل ما لديه للأجيال الجديدة التي ستُكمل الطريق». طريق أسّس لها أنطوان، وسلكها كلّ خرّيجي المعهد الذي كرّمه عام 2017 مع صالة حملت اسم «أنطوان ولطيفة ملتقى». تسترجع قصّار الأمسية حين «حاوطه محبّوه. وعبّر عن تأثره القويّ: أنا حاسس إنّي رجعت ع الحياة». هو الذي كتب حياته بطلةً في المسرحية الأكبر، مسرحية الحياة.



قصّار: حالمٌ كبير وشغوف غير مادّي