في كتابه الجديد «حديقة غودو» الصادر عن دار نلسن، يطرح الشاعر والممثّل والفنان التشكيلي اللبناني أدهم الدمشقي... سأكون متكلّفًا مبتذلًا إن أكملت مقالي على النحو هذا، لذا سأكتب كلاماً من القلب عن «ظاهرة» أدهم الدمشقي وتجربته.
التقينا صدفة في الشوَير وكنت في سنتي الجامعية الأولى وهو في الصفّ التاسع، قرأ الكثير من شعره يسألني رأيي، وأنا المبتدئ الذي لا رأي له بعد، أبتسم وأحاول الإنصات والتكلّم، ولكن أدهم لم يكن يعطيني فرصة للتكلّم، لشدة ما كان متحمّسًا وواثقًا وجميلًا...
سألَ عنّي بعدها أحد الأصدقاء «في شبّ كان حاطط كفّيّة حول رقبتو جايي من البقاع دقنو طويلة وقصير» فكان الردّ «ليش مين ما كان حاطط كفّيّة»! ولكننا عدنا والتقينا وحضرت في المسرح الحلقة الأخيرة من استوديو الفنّ عام 2009 حيث توّج شاعراً شابّاً، ظاهرةً تحتاجها بلادنا.

أدهم الدمشقي، مشغول بالفنّ، يخلق فنّاً ويساعد الخالقين، عرّفنا بيوسف الخضر وسندي لطي وغيرهما، وعمل مع منير أبو دبس وأخذ على عاتقه تعريف الناس بالمسرح والمسرحيّ اللبناني الأول. قضيته واحدة لا غير، الخَلق والخالقون، حضّر مهرجانات وحيداً، التقيت في أمسية شعرية دعاني إليها، قبل أن أعترف بأن الشعر ليس مهنتي، مع مهدي منصور وسليم علاء الدين وزياد عقيقي، من بعدها أصبحت المغترب منير، ولكن أدهم بقي الشاب/الطفل الصديق المبدع الذي أحبّ، حمل على أكتافه في ضهور الشوير لقاءً ثقافيّاً، وفي بيته الآن، و»جنينته» الصغيرة التي تتسع لألف قلبٍ وألف حياة، مع غودو يسرح بيننا، يقوم بمهرجانات كبيرة قيمةً وحضوراً وهمّاً ومشروعاً.
ولكن لا، لا يمكنني أن أصنّف أدهم بأنه صاحب مشروع، فهو المشروع بنفسه، هو حالة، ظاهرة، قويّ كصخرة ومرهف كزهرة نرجس، وقد اخترت النرجسة، لأنّ أدهم نرجسيّ، نرجسيّ جميل صادق، كلّما رسم لوحة أو كتب صورةً جديدة في قصيدة، أو قدّم مشهداً صعباً عميقاً في مسرحية قال لي: شايف ما أحلاها بتاخد العقل... اسمع هالصورة شو رائعة وعميقة... هالمشهد عظيم رح يجنن الجمهور...». أدهم النرجسيّ سألني رأيي بغلاف كتابه الجديد، أرسل النماذج الخمسة، لوحاته الخمس لأكون دقيقاً، فاخترت الأزرق، ولكن أدهم الاستثنائي، النرجسي المتواضع الجميل، قام بما لم يقم به غيره، كعادته، بجنونه المعتاد، بإصدار كتاب بأغلفة مختلفة، ليقول إنّ الأفكار الجديدة التي سيقدمها لن تنضب ولن تجفّ.

في كتابه الجديد لم يقدّم جديداً لأكون صريحاً، ولأكون قاسياً، في كتابه الجديد تكرار أحبُّ ألّا أراه كثيراً في المستقبل، ليس تكراراً لأفكاره في نصوص جديدة، بل تكراراً لنصوص أعرفها، وظّفها في أمسيات شعرية، وأخرى طربية، وفي مسرحيته الأخيرة، وأصدرها الآن في كتاب، ولأكون صادقاً، كتاب ضروريّ في زمن «الشحّ» اللبناني.
في كتابه الجديد، وأقول الجديد لما قدّمه لنا فيه من جديد، فليست الأغلفة المختلفة هي الجديدة من حيث الفكرة والجرأة فقط، فقد قدّم لنا أدهم كتاباً فيه معرض لوحات، فقط افتح هاتفك وشاهد جمالًا وإبداعاً ليس بالعاديّ...
أعود إلى النصوص، من حيث الشكل، لا يمكن تصنيفها، ولا كاتبها أراد تصنيفها، هي بَوح وكتابة وإبداع، بالمحكية اللبنانية وبالفصحى، هي قصيدة أم قصة أم حوار لمسرحية، لا فرق عند المتلقّي عندما يقرأ أدهم، وإن أصررتَ على التصنيف، دع الكتاب واختر غيره، فالكتاب في افتتاحه يقول لك «اترك أحكامك خارجاً وادخُل». ولكن ما قيمة هذه التجربة؟
سبق وقلت إنّ أدهم ظاهرة وحالة، وما قام به مع كلبه، من لوحات، ومن مسرح، ومن نصوص، وأقول مع الكلب وليس بسببه أو بإلهام منه، لأنه يقول ذلك، وأنا أحترم ما يقول الكاتب والرسام، على الرغم من أنني قد أختلف بالرأي، فالكتاب تضمّن نصوصاً فيها المدهش والمفرح والمبكي في آن معاً، والدهشة التي أتحدّث عنها لا تحصل عليها بسهولة، بل عليك أن تعرف الكاتب قبل الدخول إلى نصوصه، وهذا من أمور كثيرة تميّز الكاتب وكتابه.

«حديقة غودو»، غودو الذي لم يعد منتَظَراً، بل أصبح الشريك والشافي والأمل بالاستمرار، غودو الذي أصبح كلباً، حمى أدهم من الانفجار، ليس جسديّاً، ولكن نفسيّاً، غودو الذي أطلق الجديد لدى أدهم، حمله أدهم وسار به واحتفى بوجوده بحياته، وهنا لا بدّ من القول إنّ الكثير من أفكارنا تصبح عرضة للمساءلة والتعمّق، عندما نرى أدهم الدمشقي، ونعرفه ونعرف عنه ونشاهد مسرحه ونقرأ نصوصه.
أمّا مسرحيته الأخيرة، «صاج»، والجدّة التي أطلقها، فالحديث عنها أمر مختلف، قد أكتب عنه إن كنت محظوظاً واستطعت مشاهدتها.

