منذ بداية أزمة فيروس كورونا، لاحظ عدد كبير من الناس حول العالم تغيرات غريبة في طبيعة الأحلام التي تراودهم خلال الليل، فهم يشاهدون أحلاماً مزعجة وحيوية أكثر من أي وقت مضى.
طرحت مجلة "ميديكل نيوز توداي" نماذج من شهادات الناس حين سُئلوا عن أنواع الأحلام التي تراودهم منذ بدء الوباء المستجد، نذكر منها:
"شاهدتُ نفسي وأنا رهينة بيد رجل شرير يحمل مسدساً، وكل ما أثار قلق أقرب الناس إليّ هو عجزي عن تحضير العشاء لهم"!
"حلمتُ بأنني ضائع في البحر ثم راحت آلاف الطائرات تنفجر فوق رأسي في السماء الحمراء وتساقط الركام في جميع الاتجاهات من حولي".
"أحلم دوماً بأنني أخوض مغامرة في أراضٍ نائية حيث أستكشف أماكن جديدة وأتعرف على أشخاصٍ لم أقابلهم سابقاً. ثم أستيقظ وأنا أشعر بالحزن لأنني لن أراهم مجدداً".
منذ أن أعلنت منظمة الصحة العالمية عن تفشي جائحة كورونا في آذار 2020، اتخذت بلدان كثيرة حول العالم تدابير صارمة لكبح انتشار الفيروس، منها إقفال البلد ومنع السفر.
يتكلم الناس منذ ذلك الحين عن تداعيات الوباء وانعكاساته على الصحة النفسية وراحة الناس عموماً، لكن ظهرت آثار أخرى في الوقت نفسه. تتعلق واحدة من الظواهر الغريبة بتغيّر طبيعة الأحلام أو قوتها خلال الليل في هذه الفترة.
لفهم حقيقة ما يحصل، أجرينا مقابلة مع دينهولم آسبي، باحث في كلية علم النفس في جامعة "أديلايد"، أستراليا، وديرديو باريت، أستاذة مساعِدة في قسم علم النفس في جامعة "هارفارد" ومؤلفة كتب متعددة حول الأحلام، آخرها Pandemic Dreams (أحلام وبائية).
في المرحلة التحضيرية للكتاب، أجرت باريت استطلاعاً شمل 3700 مشارك من أنحاء العالم، فوصفوا حوالى 9 آلاف حلم شائع منذ بداية أزمة كورونا. لاحظت باريت عناصر متكررة في أحلامهم:
• مخاوف ومشاعر قلق.
• صدمة.
• البحث عن حلول.
• سيناريوات مرتبطة بفترة ما بعد الوباء أو ما بعد نهاية العالم.
لكن لماذا زادت قوة أحلام الناس واتخذت منحىً غير مألوف؟ وما هي العوامل التي تُفسّر هذه التحولات؟
يشير آسبي وباريت معاً إلى دور الأحداث العصيبة أو الصادمة في تغيير طبيعة الأحلام الليلية. توضح باريت: "أي تغيّر كبير في الحياة يميل إلى زعزعة الأحلام وزيادة حيويتها. رصد البحث الذي أجريتُه بعد اعتداءات 11 أيلول في الولايات المتحدة زيادةً في مظاهر القلق والحركة داخل الأحلام التي تراود الناس. كان الاضطرار لملازمة المنزل من العوامل التي غيّرت حياة الناس أيضاً، إلى جانب التهديد الذي يطرحه الفيروس المستجد".يتكلم آسبي أيضاً عن أثر "رواسب النهار" على الأحلام الليلية: "تعني هذه الظاهرة بكل بساطة أن نحلم في معظم الأوقات بالمسائل التي نفكر بها ونفعلها نهاراً".
بعبارة أخرى، تتأثر الأحلام ليلاً بالتعرّض المفرط لمظاهر القلق وتلقي سيل من المعلومات حول الوباء عبر مختلف وسائل الإعلام.
تضيف باريت: "تُعتبر ساعات النوم من أبرز المتغيرات المؤثرة على عدد الأحلام وحيويتها ومدة المشاهد التي نتذكرها بعد الاستيقاظ. بدأ الناس يعوّضون عن نقص النوم خلال فترة الإقفال التام بعدما حُرموا منه بشكلٍ مزمن نتيجة طول دوام العمل و/أو كثافة انشغالاتهم الاجتماعية. لكن حصل ذلك بعد مرور الأسبوع الأول الذي خُصّص للتسوق وشراء المنتجات الأساسية واستيعاب تدابير السلامة الوقائية. يعني التعويض عن ساعات النوم المفقودة استرجاع جزء أكبر من مدة الأحلام الضائعة. نحن ندخل في مرحلة حركة العين السريعة كل 90 دقيقة، لكن تكون كل فترة منها أطول من التي سبقتها. إذا كنتَ تنام مثلاً طوال أربع ساعات بدل ثماني ساعات، لا يعني ذلك أنك تنام لنصف المدة المطلوبة بل ربعها. وحين تُعوّض عن قلة النوم سابقاً، ستقوم في الوقت نفسه بالتعويض عن الأحلام وتمرّ بأطول مراحل حركة العين السريعة على الإطلاق وتراودك أكثر الأحلام حيوية نتيجةً لذلك".
جرّب تقنية "افتعال الأحلام" لمنع الاضطرابات أثناء الحلم
قد تنشأ أحلام واضحة أحياناً، حيث يدرك الشخص أنه نائم ويحلم. آسبي خبير في علم الأحلام الصافية، وقد أجرى أبحاثاً مكثفة عن استراتيجيات قد تسهم في تدريب الناس على رؤية أحلام صافية.
نظراً إلى التقلبات التي يشهدها الكثيرون في أحلامهم الاعتيادية، هل تأثرت أنماط الأحلام الصافية أيضاً بالوضع المستجد؟
يجيب آسبي: "لستُ مطّلعاً على أي دراسات حللت الآثار المترتبة على الأحلام الصافية خلال فترة الإقفال التام التي رافقت تفشي فيروس "كوفيد - 19"، لكني أتوقع أن تتوسّع هذه الأحلام التي تراود الناس كأثر جانبي لزيادة الأحلام العصيبة والمرتبطة بالوباء. حين نشعر بالضغط النفسي، نميل إلى رؤية أحلام قوية ومزعجة أكثر من العادة، وبالتالي سنشعر بأننا نحلم في معظم الحالات. يتعلق السبب بزيادة نشاطنا وإدراكنا حقيقة ما يحصل من حولنا في اللحظات العصيبة. في هذه الظروف، من الأسهل أن نلاحظ أنواع الاضطرابات التي تطغى على أحلامنا وتثبت لنا أننا نحلم".
يظن آسبي أن تقنيات الأحلام الصافية قد تفيد الناس في هذه المرحلة لأنها تساعدهم على رؤية أحلام أقل اضطراباً، ما يعني تحسين نوعية نومهم. لتحقيق هذه الغاية، يقترح تجربة تقنية "افتعال الأحلام" التي تشمل إيحاءات ذاتية قبل الخلود للنوم: "بعد وقت العشاء مثلاً، لا تسمع نشرات الأخبار ولا تفكّر بفيروس "كوفيد-19". بل فكّر بالأحلام التي تريد أن تراودك. كذلك، يمكنك أن تقوم بنشاطات أخرى مثل مشاهدة أفلام عن مغامرات مشوقة أو قراءة كتب خيالية عن أنواع الأحلام التي تفضّلها".
تظن باريت بدورها أن تقنية "افتعال الأحلام" قد تكون طريقة مفيدة لمنع نشوء الأحلام المزعجة والذهاب للنوم بعقلية إيجابية: "إذا انزعج أي شخص من كثرة أحلامه المثيرة للقلق، تقضي أفضل طريقة في حالته بالتفكير بالأحلام التي يريد رؤيتها مسبقاً: حُلْم يشمل الأحباء أو وجهة العطلة المفضّلة أو أشخاصاً يستمتعون بوقتهم. إذا كنت تجيد تطبيق تقنية التخيّل، تخيّل نفسك وأنت تُحلّق عالياً. إذا لم تتدفق الصور إلى مخيلتك بسهولة، ضع صورة أو أغراضاً أخرى مرتبطة بالموضوع الذي اخترتَه على المنضدة بالقرب من سريرك كي تكون آخر صورة تراها قبل إطفاء الأضواء في الغرفة. كرّر لنفسك ما تريد أن تحلم به فيما تحاول أن تغفو. تُمهّد هذه التقنية لخوض تجربة ممتعة ومريحة في مرحلة ما قبل الاستغراق في النوم وتزيد احتمال أن يلبّي عقلك الحالم المتطلبات التي تريدها. في إحدى دراساتي البحثية، حاول طلاب جامعيون أن يحلموا بموضوع معيّن ونجحوا في تحقيق ذلك في نصف المرات. لكن بما أن جزءاً من الإخفاقات يرتبط بعدم تذكّر الأحلام، يُفترض أن يكون النجاح في منع الأحلام المضطربة أعلى مستوى". نُشِرت هذه الدراسة التي تكلمت عنها في مجلة "الحلم" في العام 1993.
أخيراً، يستنتج آسبي: "قد يكون تعلّم تقنية الأحلام الصافية مفيداً أيضاً لكل من يريد توسيع سيطرته على تجاربه الليلية. لقد زادت أوقات الفراغ التي نملكها اليوم وبدأنا نبحث عن هوايات ونشاطات جديدة خلال فترة الإقفال التام. على صعيد آخر، يسمح تعلّم الأحلام الصافية بخوض تجارب مثيرة للاهتمام لا يمكن استكشافها في فترة الحجر، منها التعرّف على أماكن جديدة والانطلاق في مغامرات غير مسبوقة. حتى أن هذه التقنية قد تؤثر على أحلامك بطريقة مباشرة وتتحكم بالأحلام العصيبة في الوقت الحقيقي وتُحوّل الكوابيس إلى أحلام أكثر إيجابية".