لم يكن الحدث مجرّد حفل غنائي، بل تجربة موسيقية استثنائية حملت الجمهور الحاضر إلى رحلة غنيّة بالأحاسيس والحنين، ساهم مكان إقامته في بيت لبناني تراثي في قلب الأشرفية، في إضفاء هذه الأجواء. فرقة "رند" (RAND) الغنائية، المكوّنة من الإخوة يوسف وجمال وليلي أبو حمد، أبدعت في تقديم تجربة فريدة امتزجت فيها الكلاسيكية بالحداثة، من خلال أغنيات لبنانية أصيلة راسخة في الذاكرة، وأخرى معاصرة من أعمالهم الخاصة، بأسلوب يمسّ الروح قبل الأذن.
منذ اللحظة الأولى، سادت أجواء ودودة، عزّزها التواصل العفوي بين الإخوة الثلاثة وجمهورهم الذي بدا متأثّراً بالقصة وراء كل أغنية خاصة لهم، ليشعر بكل كلمة ونغمة وكأنها تنبض في أعماقه، حتى مرّ الوقت بانسيابية تامة.
إعادة إحياء عدد من الأغنيات اللبنانية الأصيلة، كان هدف فرقة "رند" منذ انطلاقتها، كما يوضح يوسف لـ "نداء الوطن"، ويضيف أنّ "قرارنا يرتبط أيضاً بوعد قطعناه للفنان الكبير وديع الصافي عندما التقيناه عام 2009، وطلب منّا حينها كجيل شاب، الحفاظ على الأغنية اللبنانية".
أما اختيار اسم الفرقة، "رند"، الذي يحمل وقعاً جميلاً، فيكشف يوسف أنّ الكلمة عربية وتعني الغار الذي يرمز إلى الانتصار والمجد والرائحة الزكيّة.
فرقة غير تجاريّة
في المقابل، ورغم تميّزها الكبير فنّياً، لا تزال "رند" غير معروفة بشكل كبير للجمهور العريض. يعزو يوسف ذلك إلى كونهم اختاروا "أن نكون فرقة مستقلّة ضمن الإطار الثقافي، بعيداً من الأطر التجارية، ما يتطلب وقتاً أطول ومجهوداً أكبر". وأضاف أنهم لا يسعون وراء الشهرة كهدف أساسي، "لكن إذا جاءت الشهرة نتيجة الفنّ الذي نقدّمه للجمهور فمرحباً بها".
مسيرة شاقّة
يُخبر يوسف أبو حمد عن المسيرة الطويلة للفرقة وعن مشقّاتها خلال الأعوام الماضية، فيقول "انطلقنا عام 2013، ليلي، جمال، وأنا، مقدّمين الأغاني الشعبية الكلاسيكية مع البيانو، وهي تركيبة لم تكن سائدة في لبنان، ثم أدخلنا منذ عام 2019، موسيقيين إضافيين خلال حفلاتنا، لكننا اعتمدنا عند تسجيل أغنياتنا على الأوركسترا خلفنا".
الفرقة شقّت طريقها بصعوبة، لكن بإصرار، ونجحت تدريجياً في اختراق المجتمع اللبناني. ويتابع يوسف موضحاً أنّ "رند" بدأت تتبلور مهنياً ابتداء من عام 2013 "حين نظّمنا حفلتين شكّلتا منعطفاً هاماً في مسيرتنا المهنية، الأولى عام 2014 بهدف إطلاق الفرقة، على "مسرح الجمّيزة" والثانية عام 2017، على مسرح "فندق البستان" والتي كان لها صدى كبير حيث بيعت كل التذاكر حينها".
بالتوازي، يشير يوسف، إلى أنّ "أغانينا الخاصة كانت تزداد وباتت لنا هويتنا الخاصة التي صقلناها بمجهودنا في ظل غياب شركات الإنتاج أو المموّلين. فيما سجّل عام 2019 أكبر عدد من الحفلات التي دُعينا إلى إحيائها على أكثر من مسرح منها السراي الحكوميّ والجامعات وسواها".
بين لبنان ونيويورك
الحفل الأول للفرقة خارج لبنان، كان عام 2018 في نيويورك، بطلب من "جامعة القديس يوسف" في بيروت. إلا أنّ الأزمات المتلاحقة في لبنان، بين عامي 2020 و2022، لعبت دوراً في فرملة النجاح الباهر الذي بدأت "رند" تعرفه، "لكنّنا كنّا خلال هذه الفترة نحاول إبقاء الفرقة "شغّالة" قدر المستطاع وبات في رصيدنا اليوم 12 أغنية خاصة" كما يقول يوسف بفخر.
"حكي ما نقال"
شكّلت أغنية "حكي ما نقال"، التي أطلقتها الفرقة عام 2021، نقطة تحوّل جديّة في مسيرة الفرقة عربيّاً وعالمياً، وأيضاً لبنانياً، من خلال محطتين رئيسيتين، في مصر وفي لوس أنجلوس، حيث أكّدت من خلالها الفرقة أنها تقدّم موسيقى ممّيزة "لكنها تحتاج إلى المكان المناسب لتنتشر"، وفقاً ليوسف، الذي يروي ما حدث في مصر. "قدّمنا أوّل حفل لنا فيها عام 2022 في "مركز الجزويت الثقافي" وكان التفاعل إيجابياً. كان المؤلّف الموسيقي خالد الكمار قد سمع أغنية "حكي ما نقال"، أشهر أغنية لنا، وأُعجب بها ثم عرضها على المخرج كريم الشنّاوي الذي أعجب بها بدوره، وقرّر إدخالها ضمن مسلسل "الهرشة السابعة" الرمضاني عام 2023 بعد التواصل معنا". يضيف يوسف أنهم بعد عرض المسلسل، حين قدّموا حفلة ثالثة في مصر، لمسوا مدى انتشار أغانيهم بين الجمهور المصري.
أما نقطة التحوّل الثانية والكبيرة فكانت عام 2024، عندما وُضعت الفرقة على الصعيد العالمي، بعدما ربحت الـ "InterContinental Music Awards" في لوس أنجلوس عن أغنية "حكي ما نقال" التي اختيرت كأفضل أغنية شرقية في منطقة الشرق الأوسط.
مستقبل الفرقة
بالنسبة لمستقبل "رند"، يؤكد يوسف أنّ الفرقة ستواصل مسيرتها على نفس الأسس التي بدأتها، مع تنظيم حفلات تضمّ أوركسترا كاملة ليتمكن الجمهور من الاستماع إلى الأغاني كما هي في التسجيلات الأصلية. ورغم إدراكه وأختيْه أنّ الطريق طويل، إلا أنهم غير مستعجلين ويرفضون المساومة على الجودة التي يقدمونها، كما يحرصون على إدارة الوقت بشكل إيجابي ليمنحوا الموسيقى حقّها الكامل.
الإخوة الثلاثة يخطّطون خلال العام 2025 لتوسيع انتشار الفرقة داخل لبنان وخارجه، حيث ستصدر أغنيتهم رقم 13 في أيار المقبل، مرفقةً بفيديو كليب، كما يأملون أن تحظى الفرقة بدعم أكبر من الجهات المعنيّة لتحقيق المزيد من النجاح والانتشار.
أصداء الحفلةبعد انتهاء الحفل، التقت "نداء الوطن" عدداً من الحضور، فكشف أحدهم، وهو صديق ليوسف، أنه متابع للفرقة منذ بداياتها، وأكد أن "رند" يشهد لها خطّها الموسيقي الذي يهدف إلى الحفاظ على الأغنية اللبنانية الأصيلة مع إعادة توزيعها بطريقة راقية تميّزها. إحدى الحاضرات أشارت من جهتها، إلى أنّ صديقها دعاها للحضور مع مجموعة من الأصدقاء، وبعدما اطّلعت قليلاً على أغاني الفرقة راقها ما سمعته، فحضرت بتوقعات عالية. ولكن عند الاستماع إليهم مباشرةً، اكتشفت أنّ ما قدّموه فاق توقعاتها. كما لفتت إلى أن الطاقة بين أعضاء الفرقة كانت رائعة جداً، وتمكّنوا من نقلها إلى الجمهور بشكل مميّز. سيّدة من بين الحضور أشارت إلى شعورها بإحساس وأداء مرهف للفرقة، وأكدت أنها استمتعت خلال الحفل بالأغاني اللبنانية التي أعادت إليها ذكريات جميلة. فيما تمنّى حاضرون آخرون لو استمر الحفل مدّة أطول في تلك الليلة. |